سليمان القانوني
| ||||
|---|---|---|---|---|
| (بالتركية العثمانية: قانونى سُلطان سليمان) | ||||
| الحكم | ||||
| مدة الحكم | 926 - 973هـ/1520 - 1566م | |||
| عهد | توسع الدولة العثمانية | |||
| اللقب | القانوني، مُبارز الدُنيا والدين، مُحتشم، أبو النصر والجهاد | |||
| التتويج | 926هـ/1520م | |||
| العائلة الحاكمة | آل عثمان | |||
| السلالة الملكية | العثمانية | |||
| نوع الخلافة | وراثية ظاهرة | |||
| ولي العهد | مُصطفى (1520 - 1553م؛ قُتل) بايزيد (1553 - 1559م؛ أُزيح) سليم (1559 - 1566م؛ تولَّى) |
|||
| معلومات شخصية | ||||
| الاسم الكامل | سُليمان بن سليم بن بايزيد العُثماني | |||
| الميلاد | 900هـ/ 1494م طربزون، البنطس، |
|||
| الوفاة | 21 صفر 974هـ/6 أيلول (سپتمبر) 1566م سكدوار، |
|||
| مكان الدفن | مسجد السُليمانية، إستنبول، |
|||
| الديانة | مُسلم سُني | |||
| الزوجة | انظر | |||
| الأولاد | انظر | |||
| الأب | سليم الأوَّل | |||
| الأم | عائشة حفصة سُلطان | |||
| إخوة وأخوات | السلطانة خديجة، وبيخان سلطان، وشاه سلطان، وفاطمة سلطان، وحفصة سلطان | |||
| أقرباء | رستم باشا (صهر) | |||
| الحياة العملية | ||||
| المهنة | سُلطان العُثمانيين وخليفة المُسلمين | |||
| اللغة الأم | العثمانية | |||
| اللغات | الفارسية، والعربية، والعثمانية، والجغتائية | |||
| الطغراء | ||||
| تعديل مصدري - تعديل | ||||
خادم الحرمين الشريفين الخاقان المُجدِّد المُفخَّم والسُلطان الغازي الأعظم مُبارز الدُنيا والدين[ا] أبو النصر والجهاد سُليمان خان بن سَليم بن بايزيد العُثماني (بالتُركيَّة العُثمانيَّة: غازى سُلطان سُليمان خان اوَّل بن سليم بن بايزيد عُثمانى)، ويُعرف اختصارًا باسم سُليمان الأوَّل، وبلقبه الأشهر سُليمان القانوني (بالتُركيَّة العُثمانيَّة: قانونى سُلطان سُليمان) أو سُليمان العظيم (بالتُركيَّة العُثمانيَّة: مُحتشم سُليمان)،[la 1][la 2] هو عاشر سلاطين آل عُثمان وثامن من تلقَّب بِلقب سُلطانٍ بينهم بعد والده سليم الأوَّل وأجداده من بايزيد الثاني إلى مُرادٍ الأوَّل، ورابع من حمل لقب «قيصر الروم» من الحُكَّام المُسلمين عُمومًا والسلاطين العُثمانيين خُصوصًا بعد والده سليم وجدَّيه بايزيد والفاتح، وثاني خليفة لِلمُسلمين من بني عُثمان، والخامس والسبعين في ترتيب الخُلفاء عُمومًا. عدَّه بعض المُؤرخين قديمًا حادي عشر سلاطين آل عُثمان باعتبار سُليمان چلبي بن بايزيد، الذي نازع أخاه مُحمَّدًا الأوَّل المُلك سُلطانًا، ثُمَّ نُبذت هذه الفكرة على اعتبار أنَّ سُليمان چلبي لم يحكم بصفةٍ قانونيَّة ولم يستقم له مُلك جميع بلاد الدولة آنذاك، وأُجمع على تسمية هذا السُلطان بالأوَّل واعتباره عاشر مُلُوك هذه الدولة.[2]
بلغت الدولة العُثمانيَّة في عهد هذا السُلطان أعلى درجات الكمال والازدهار،[2] وتحوَّلت لقُوَّةٍ عالميَّةٍ كبيرة على الصعيدين العسكري والاقتصادي، بحيث لم تعد مُجرَّد فاتحة لأوروپَّا، بل صار وُجودها ضروريًّا لحفظ التوازن السياسي في القارَّة المذكورة. وتقدَّمت الفُتُوحات في زمنه تقدمًا عظيمًا، فاشتملت الدولة العُثمانيَّة على كامل البلقان والأناضول والمشرق العربي والمغربين الأدنى والأوسط وهيمنت على أذربيجان وأقسامًا من القفقاس والمغرب الأقصى لفترةٍ من الزمن، واعترفت بعض الدول الإسلاميَّة في الهند وجنوب شرق آسيا بتبعيَّتها للدولة العُثمانيَّة، وذلك بفضل قُوَّتها البحريَّة التي تطوَّرت تطورًا ملحوظًا في هذا العهد، حتَّى زاحمت الإمبراطوريتين الپُرتُغاليَّة والإسپانيَّة على زعامة المُحيط الهندي والبحر المُتوسِّط،[la 3] وهزمت أساطليهما في عدَّة مواقع.
دام عهد هذا السُلطان ستًا وأربعين سنة تقريبًا (926- 973هـ/ 1520- 1566م)، فهو أطول السلاطين العُثمانيين حُكمًا،[la 4] وكان غازيًا مُجاهدًا، فقد شارك بنفسه في ثلاث عشرة حملة عسكريَّة بين أوروپَّا وإيران، وقضى ما مجموعه عشر سنواتٍ وشهرًا واحدًا من فترة حُكمه مُتنقلًا مع جُيُوشه ومُشاركًا في الفُتُوح.[la 5] رعى العُلُوم والفُنُون، وازدهرت العمارة في أيَّامه ازدهارًا غير معهود، وكان أبرز أعلامها المعمار سنان الدين آغا، وسعى إلى توحيد الأحكام الشرعيَّة في طول البلاد وعرضها للحيلولة دون تعدد آراء القُضاة في المسألة الواحدة، فكان أن لُقِّب نتيجة هذا الجُهد بالـ«قانوني»، وقيل بل لُقِّب به لأسبابٍ أُخرى، ومن أبرز العُلماء الذين برزوا في عهده ورافقوا مسيرته، الإمام أبو السُّعود أفندي. يُعد عهد سُليمان القانوني العصر الذهبيّ للدولة العُثمانيَّة،[la 6][3] وذُروة أواخر العصر الذهبي للإسلام. وما أن انقضى هذا العهد حتَّى أُصيبت الدولة بالضعف وأخذت تتراجع قُوَّتها،[3] وليس معنى ذلك أنها سارت نحو نهايتها بخُطىً وثيقة، بل أخذت بعده في الوُقُوف تارة والتقهقر أُخرى.[4]
اجتمعت في سُليمان القانوني صفاتٌ حميدةٌ عديدة، فكان رحيمًا رؤوفًا شفوقًا برعيَّته،[5] عاقلًا عادلًا مُتسامحًا[6][7] هادئ الطباع غير بطَّاشٍ أو مُتهوِّرٍ كأبيه سليم، واختلف عنه في ناحيةٍ مُهمَّةٍ أُخرى، هي حُبُّه للأناقة والأُبَّهة وفخامة اللبس، ومن أبرز مواهبه التي اشتهر بها صياغة الحُلي ونظم الشعر.[8] كادت سنوات حُكمه أن تكون مثاليَّة لولا قتله ابنه مُصطفى ثُمَّ عصيان ابنه الآخر بايزيد في أواخر عهده، وقيل إنَّ مُحرِّكة هذه الأحداث كانت زوجة السُلطان خُرَّم خاتون[ب] الشهيرة باسمها الأصلي «رُكسلانة»، التي رغبت بتولِّي ابنها سليم عرش آل عُثمان بعد أبيه. ولعلَّ من أهم مساوئ هذا العهد بداية الامتيازات الأجنبيَّة في الدولة العثمانيَّة،[9] فهي وإن لم تؤثِّر حينها على هذه الدولة وهي في ذُروة مجدها وقُوَّتها وتتعامل مع الدول الأوروپيَّة ندًا لند، إلَّا أنَّ الأخيرة استغلَّتها لاحقًا لتتدخَّل في الشؤون العُثمانيَّة الداخليَّة.
حياته قبل السلطنة

وُلد سُليمان في مدينة طربزون خلال ولاية والده سليم عليها. وتختلف المصادر في تحديد يوم ميلاده بدقَّة، فقيل يوم 7 صفر 900هـ[ج] المُوافق 6 تشرين الثاني (نوڤمبر) 1494م،[la 7][la 8] وقيل في 1 شعبان 900هـ المُوافق 27 نيسان (أبريل) 1495م،[2][la 9] وقيل في 1 مُحرَّم 900هـ المُوافق 1 تشرين الأوَّل (أكتوبر) 1494م.[6] والدته هي عائشة حفصة سُلطان المُتوفاة سنة 1534م.[la 10][la 11] قضى سنوات طفولته في طربزون مع أخيه بالرضاعة يحيى أفندي. وعندما بلغ السابعة من عُمره، أُرسل إلى إسلامبول ليتلقَّى عُلُومه في مكتب الأندرون بسراي طوپ قاپي، فدرس الطبيعيَّات والتاريخ والآداب والدين والشُؤون العسكريَّة.[la 12] وكان أبرز أساتذته الشيخ خير الدين أفندي القسطمونئي.[8]

شارك سُليمان بحملته العسكريَّة الأولى ما أن بلغ الثانية عشر من عُمره، فقد كان الصفويُّون حينها يتحرَّشون بالعُثمانيين في شرق الأناضول، فسار إليهم الشاهزاده سليم مُصطحبًا معه ابنه سُليمان، وقابلهم قُرب أرزنجان وانتصر عليهم.[10] عُيِّن سُليمان أميرًا على سنجق شبين قرەحصار سنة 1508م ليبدأ في التمرُّس على شُؤون الحُكم، ولكن عمَّه الشاهزاده أحمد، أمير سنجق أماسية، اعترض على هذا التعيين لمُلاصقة السنجقين، والتمس من والده السُلطان بايزيد أن يُعيِّن ابن أخيه في مكانٍ آخر، فاستجاب له ونُقل سُليمان إلى سنجق بولي. لكنَّ أحمد اعترض مُجددًا على هذا لقُرب هذا السنجق من دار السلطنة، وسعى إلى إبعاد ابن أخيه مُجددًا ليصفى لهُ المُلك، فأجابهُ بايزيد رعايةً لخاطره وعيَّن سُليمانًا على سنجق كفَّة بالقرم،[11] فسافر إليها واستلم منصبه خلال شهر تمُّوز (يوليو) 1509م.[la 13][la 14]
عاش سُليمان مُتنقلًا بين إسلامبول وأدرنة بعد تربُّع أبيه على عرش آل عُثمان سنة 1512م.[la 14] فناب عنه في إسلامبول لمَّا خرج سليم لمُلاحقة أخيه أحمد في السنة المذكورة.[12] وفي سنة 1513م عُيِّن سُليمان أميرًا على سنجق مغنيسية،[la 15] وصادق خلال هذه الفترة مملوكًا روميًّا كُلِّف بخدمته، هو إبراهيم البرغلي، فصار خليله ومن أخص خاصَّته، وأوَّل صدرٍ أعظم يُعيَُنه خلال سلطنته.[la 12][la 14] وفي سنة 1516م عُيَّن سُليمان لمُحافظة أدرنة خلال حملة والده على المماليك في الشَّام ومصر، فبقي في منصبه هذا إلى أن رجع السُلطان من حملته، فاستقبله ثُمَّ عاد إلى مقر ولايته السابقة، أي مغنيسية،[13] وبقي فيها إلى أن بلغه خبر وفاة السُلطان سليم.
تربُّعه على العرش والأحداث المُرافقة

تُوفي السُلطان سليم في ليلة السبت 9 شوَّال 926هـ المُوافق 22 أيلول (سپتمبر) 1520م، وأخفى طبيبه الخاص خبر موته عن الحاشية ولم يُبلغه إلَّا للصدر الأعظم پيري مُحمَّد باشا الجمَّالي وللوُزراء، فاجتمعوا وقرَّروا إخفاء هذا الأمر حتَّى يحضر الشاهزاده سُليمان من مغنيسية خوفًا من أن تثور الإنكشاريَّة كما هي عادتهم.[14] بقي خبر وفاة السُلطان طي الكتمان طيلة تسعة أيَّام،[15] حتَّى وصل الشاهزاده سُليمان إلى إسلامبول ودخلها في يوم 16 شوَّال المُوافق فيه 29 أيلول (سپتمبر)، وكان بانتظاره على إفريز السراي جُنُود الإنكشاريَّة، فقابلوه بالتهليل وطلب الهدايا المُعتاد توزيعها عليهم عند تولية كُل سُلطان. وبعد ظُهر ذلك اليوم وصل الصدر الأعظم پيري مُحمَّد باشا وأخبر عن وُصُول جُثمان السُلطان سليم في اليوم التالي.[2] وفي صبيحة اليوم التالي، أي 17 شوَّال المُوافق 30 أيلول (سپتمبر) جرت رُسُوم المُقابلات السُلطانيَّة، فوفد الأُمراء والوُزراء والأعيان يُعزُّون السُلطان الجديد بوفاة والده ويُهنِّؤونه بتربُّعه على العرش في آنٍ واحد، وهو يُقابلهم بملابس الحداد. وعند الظُهر وصل موكب جنازة السُلطان سليم، فخرج سُليمان لِمُقابلتهم عند أسوار المدينة، واكتنف تابوت أبيه حتَّى مسجد الفاتح حيثُ أقيمت صلاة الجنازة،[15] ثُمَّ خرج الجمع بالسُلطان الراحل حتَّى وُري الثرى على أحد مُرتفعات البلد، وأمر السُلطان سُليمان ببناء جامعٍ شاهقٍ عُرف بِمسجد السليميَّة، ومدرسةٍ في المحل الذي دُفن فيه والده.[2]
وكانت باكورة أعماله بعد توزيع بقشيش الجُلُوس على الإنكشاريَّة تعيين أتابكه قاسم باشا مُستشارًا خاصًا، وإبلاغ توليته عرش آل عُثمان إلى كافَّة الوُلاة وأشراف مكَّة والمدينة المُنوَّرة بخطاباتٍ مُفعمة بالنصائح والآيات القُرآنيَّة المُبيِّنة فضل العدل والقِسط في الأحكام ووخامة عاقبة الظُلم، واستهلَّ مُنذ ذلك الوقت جميع خطاباته بآيةٍ شهيرةٍ من سورة النمل:﴿إِنَّهُۥ مِن سُلَيْمَٰنَ وَإِنَّهُۥ بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ﴾.[2]
دفع المظالم
بدأ السُلطان سُليمان عهده بدفع المظالم التي أحدثها والده السُلطان سليم، وكان في مُقدِّمتها إعادة الأعيان الذين اصطحبهم سليم من مصر والشَّام إلى إسلامبول بعد تمام انتصاره وضمِّه لهذين القطرين إلى الدولة العُثمانيَّة، فأمر بإحضارهم وكانوا قُرابة ستمائة بيت،[د] وعاملهم برفقٍ ولين وأذن لهم بالعودة إلى أوطانهم، وسمح لمن يرغب منهم بالمُكوث في إسلامبول أن يفعل ذلك.[17][18] وكان في مُقدِّمة هؤلاء الخليفة العبَّاسي مُحمَّد المُتوكِّل على الله، فأمر بإحضاره إليه وأكرمه، ورتَّب له في كُلِّ يومٍ ستين درهمًا،[19] ثُمَّ أعاده إلى مصر حيثُ ظلَّ يُمارس صلاحيَّاته بصفته «خليفة» إلى أن أدركه الموت سنة 950هـ المُوافقة لسنة 1543م.[20][21] وقد زُيِّنت القاهرة ابتهاجًا، ومدح الشاعر والأديب مُحمَّد بن قانصوه من صادق الناصري السُلطان قائلًا:[22]
ثُمَّ أمر السُلطان بعد ذلك برد أموالٍ كان والده قد أمر بمُصادرتها من عددٍ من التُجَّار، وذلك أنَّ السُلطان سليم منع التجارة العُثمانيَّة مع الدولة الصفويَّة كي يُضيِّق الخناق الاقتصادي على الصفويين، فلم يلتزم عدد من التُجَّار بهذا القرار، ولمَّا علم سليم بذلك صادر أموالهم ومُمتلكاتهم وضمَّ بعضها إلى بيت المال وأنفق بعضها الآخر، فأصدر سُليمان أمرًا باستردادها وإعادتها كاملةً لأصحابها، وكان بعضها قد تلف، فضمنه السُلطان من خزينته بالتمام، ولمَّا وجد أنَّ تُجَّارًا من هؤلاء قد ماتوا، ردَّ أموالهم إلى ورثتهم.[17][18] ثُمَّ أمر بشنق أمير سنجق قَلِّيبُلِي جعفر باشا لما أظهره من مظالمٍ وتعديات على حُقُوق الناس، وليكون عبرةً لسائر الأُمراء والولاة، وكذلك أمر بعزل بعض آغوات السلحداريَّة لتعدِّيهم على بُيُوت أعيانٍ من أعيان العاصمة، وقبض على بعض هؤلاء الأشقياء وقتلهم.[17][18] ومن أبرز المظالم التي دفعها أيضًا إعادة عددٍ من الأولاد النصارى إلى مسقط رأسهم في سنجق «برزرين» ببولونيا، وذلك أنَّ أمير السنجق المذكور كان يُرسل غلمانًا إلى إسلامبول ولأرباب الدولة قائلًا إنهم أسرى حرب، في حين وصل لمسامع السُلطان أنهم أُخذوا من أهلهم غصبًا، وأنَّ هؤلاء الأهالي ليسوا إلَّا رعايا مُسالمين، فما كان منه إلَّا أن أرسل جاووشًا[ه] إلى تلك الجهات ليُحقِّق في الأمر، ولمَّا تبيَّن صحَّة الادعاءات أمر بقتل الأمير وكتخداه.[18]
اعتبر المُؤرِّخ العُثماني إبراهيم أفندي البجوي أنَّ التوفيق الذي رافق السُلطان سُليمان في حملاته العسكريَّة ومسيرته السياسيَّة كان نتيجة دُعاء المظلومين له في بداية عهده بعد أن أنصفهم. قال البجوي: «وَهكذا فإنَّ الدُعاءَ الذي كان نتيجةً لهذا، وبُكاءَ الفرح الصَّادر من هؤلاء المظلومين لم يَدَع لَدى من أَحاطوا عِلمًا بالأحوَال المذكورة أيَّة ريبة في أنَّ ذلك سيكُون باعثًا لِنيلِ السُلطان صاحب السَّعادة ثمرة العمل الصَّالح الذي قام به في الدَّارين، وباعثًا لطُول عُمره المُبَارَك».[18]
عصيان جانبردي الغزالي

لم تكد تمضي بضعة شُهُور على تولِّي سُليمان العرش حتَّى بلغه عصيان والي دمشق جانبردي الغزالي، وهو من أصحاب السُلطان المملوكي قانصوه الغوري الذين خانوه في واقعة مرج دابق وانحاز إلى العُثمانيين.[2] وكان الغزالي قد استغلَّ وفاة السُلطان سليم وحداثة سن السُلطان سُليمان وأعلن العصيان على الدولة العُثمانيَّة في شتاء سنة 926 - 927هـ = 1520 - 1521م. والواقع أنَّه، بعد هزيمة المماليك، احتفظت الديار المصريَّة والشَّاميَّة بقدرٍ كبيرٍ من الحُكم الذاتي الداخلي، فقد وُضع القطران تحت إشرافٍ دائمٍ من جانب القادة العسكريين المماليك الذين انحازوا للسُلطان سليم، فعُيِّّن جانبردي الغزالي واليًا على دمشق وخاير بك واليًا على مصر، ومُنحا استقلالًا داخليًّا شبه تام، حيثُ كان كلٌ منهما يملك قُوَّاته العسكريَّة الخاصَّة وجهازه الإداري.[24][25] نفَّذ الغزالي في بادئ الأمر السياسة العُثمانيَّة المرسومة، فقمع حركة البدو قُرب بعلبك، وشنَّ عليهم حملتين في حوران، وساد البلاد في عهده هُدُوءٌ تام.[26][27]
ويبدو أنَّ طبقة المماليك القديمة التي أحاطت بالغزالي لم تتقبَّل المُثُل العُثمانيَّة العُليا عن العدالة ومَحبَّة الرعيَّة، بل كانوا يكرهون النُظُم العُثمانيَّة، فأخذوا يسعون لاستعادة سُلطانهم وامتيازاتهم السابقة التي حُرموا منها.[24] وعندما توفي السُلطان سليم سارعوا بإعلان تمرُّدهم رافضين أداء اليمين للسُلطان الجديد، وحاولوا إحياء دولة المماليك. راهن جانبردي الغزالي، الذي اتَّسم بالتقلُّب السريع في سبيل الوُصُول إلى تحقيق طُمُوحه، على الفوضى القائمة في إسلامبول وعلى مُساعدة المماليك في مصر، بل إنَّه حاول التماس الدعم من الشاه إسماعيل الصفوي،[la 16] فجمع قُرابة اثني عشر ألف مُقاتل،[28] وقيل خمسة عشر ألفًا،[17] من التُركمان والأكراد والمماليك الشراكسة، وفيهم نحو خمسمائة رامٍ بالرصاص، وأعلن انفصال الديار الشَّاميَّة عن السلطنة العُثمانيَّة واتخذ لنفسه لقبًا مملوكيًّا هو «الملك الأشرف»، وأمر بالدُعاء له في خطبة الجُمُعة، ونقش اسمه على النُقُود، وقضى على حامية دمشق العُثمانيَّة، وطرد العُثمانيين من بيروت وطرابُلس الشَّام وحماة وغيرها من المُدُن.[24][28][29]
لكنَّ التمرُّد لم يحظَ بتأييد السُكَّان الذين أدهشهم الانقلاب، ولم يكن المماليك في مصر على مُستوى ما عُلِّق عليهم من آمال، فقد حافظ خاير بك على ولائه للباب العالي، بل ذهب إلى أبعد من ذلك، فأرسل الرسائل المُتبادلة مع الغزالي إلى السُلطان سُليمان.[25][30] وفي مطلع شهر ذي القعدة 926هـ المُوافق لشهر تشرين الأوَّل (أكتوبر) 1520م، جمع الغزالي عساكره وتلقَّى مُساعدةً من فُرسان الإسبتاريَّة في رودس؛ وشنَّ حملةً على حلب فحاصرها، لكنَّها صمدت في وجهه.[24] وفي تلك الأثناء كان السُلطان قد سيَّر لقتال الغزالي الوزير فرحات باشا وأمير ذي القدريَّة علي بك بن شهسوار، وكان الأخير هو الأسرع إلى حلب، ونجح في تشتيت قُوَّات الغزالي الذي اضُطرَّ إلى التراجع نحو دمشق، فخرج والي حلب قراجة باشا فيمن معه من العسكر، وانضمَّ إلى علي بك، فتتبعوا الغزالي من طريق حماة وحمص إلى دمشق حيث التقاهم فرحات باشا في بقيَّة العسكر. ونشبت بين الطرفين معركة في موضعٍ يُقال له «المصطبة» قُرب دمشق، في 17 صفر 927هـ المُوافق 27 كانون الثاني (يناير) 1521م، فانهزم العُصاة، وحاول الغزالي الهرب مُتنكرًا بزيّ الدراويش، غير أنَّه وقع في الأسر وقُتل مع جميع أعيانه يوم 27 صفر المُوافق 6 شُباط (فبراير)، وأرسل فرحات باشا رؤوسهم إلى العتبة السُلطانيَّة.[17][24][30]
ألغى السُلطان بعد هذه الحادثة الحُكم الذاتي للديار الشاميَّة، وجعلها تتبع الباب العالي مُباشرةً،[24] وعيَّن بكلربك الأناضول أياس مُحمَّد باشا واليًا على دمشق، وجعل كلًا من بيت المقدس وغزَّة والرملة سنجقًا مُستقلًا لأمير، وكانت قبل ذلك مُفوَّضة للغزالي. وكان الشاه إسماعيل لمَّا راسله جانبردي الغزالي يطلب منه العون قد تجهَّز للهُجُوم على الممالك العُثمانيَّة، لكن ما أن وصله خبر مقتله وفشل ثورته حتَّى فُسخت عزيمته، وتوجَّه إلى قزوين، إلَّا أنَّ السُلطان أمر فرحات باشا بأن يُرابط في نواحي قيصريَّة مع ما عنده من العسكر سوى طائفة القپوقوليَّة، ويحفظ تلك الحُدُود والثُغُور إن شنَّ الصفويُّون هُجومًا عليها.[17]
الأوضاع السياسيَّة في أوروپَّا
ما إن استقرَّ السُلطان سُليمان على تخت المُلك حتَّى عادت السياسة العُثمانيَّة تتجه نحو الغرب، لتبدأ مرحلة أُخرى من العلاقات المُتجدِّدة مع أوروپَّا اتَّسمت بالتوسُّع في البلقان والبحر المُتوسِّط. وسبب ذلك أنَّ فُتُوح السُلطانين بايزيد الثاني وسليم الأوَّل قد وفَّرت لسُليمان وضعًا استراتيجيًّا فريدًا شرقًا وغربًا، فقد زالت الدولة المملوكيَّة وأُلزم البنادقة والصفويُّون حُدودهم، في حين لم تكن قد اكتملت بعد قُوَّة إمبراطوريَّة آل هابسبورغ الصاعدة التي كانت في طور الحُلُول محل مملكة المجر باعتبارها العدو الرئيسي في المنطقة المُمتدة شمال نهر الطونة (الدانوب)، كما أنَّ الأُسطُول القوي الذي شُيِّد خلال رُبع القرن السابق قد أتاح لسُليمان سلاحًا جديدًا يُمكِّنه من التصدِّي لأعدائه برًّا وبحرًا، بالإضافة إلى أنَّ ضم أراضي الخلافة القديمة قد وفَّرت لسُليمان مصادر دخلٍ وفيرة وهيبة كبيرة في العالم الإسلامي بحيث كان باستطاعته أن يصل بدولته إلى قمَّة الازدهار والعظمة.[31] وكان السُلطان الشاب قد وقف على أوضاع أوروپَّا وسياسات دولها مُنذُ أن كان وليًّا للعهد، وعلم بالمُنافسة المريرة، من أجل تاج الإمبراطورية الرومانيَّة المُقدَّسة بين آل ڤالوا وعلى رأسهم فرنسوا الأوَّل ملك فرنسا، وآل هابسبورغ، وعلى رأسهم شرلكان ملك إسپانيا، والمعروف أنَّ الأخير فاز بعرش الإمبراطوريَّة وجمع، إضافةً لتاج إسپانيا، مُلك صقلية والنبلطان والبُلدان المُنخفضة والنمسا وألمانيا، فاكتسب بذلك سطوةً جبَّارة جعلته يحتل مركز الصدارة في القارَّة الأوروپيَّة، بحيثُ انزعج كُلٌ من البابا لاون العاشر وفرنسوا الأوَّل سالف الذكر وهنري الثامن ملك إنگلترا وحُكَّام البُندُقيَّة.[32][33] والواقع أنَّ فرنسوا الأوَّل كان وحده القادر على مُنازعة شرلكان على السيادة في أوروپَّا في الوقت الذي كانت فيه الدول الأوروپيَّة الأُخرى مُنهمكة بمُشكلاتها الداخليَّة. فالبابويَّة كانت غارقة في خوفها من العُثمانيين، وتُنافسها البُندُقيَّة، وتُواجه الانشقاقات الكنسيَّة، والپُرتُغاليُّون مُنهمكون بمُغامراتهم البحريَّة لتطويق العالم الإسلامي والبحث عن ثروات الشرق، وهنري الثامن مُنكفئ على مُشكلات الإصلاح الديني التي أثارها في إنگلترا؛ إلَّا أنَّ هذا لم يمنعهم من إظهار ضيقهم بطُمُوح شرلكان لتوحيد أوروپَّا، وأن يجعل من التاج الذي يلبسه تاجًا للعالم المسيحي.[33]

لم يعترف السُلطان سُليمان مُطلقًا بانتخاب شرلكان إمبراطورًا، وهو الذي اتَّصف بأنَّه أشد ما يكون تعصًّبًا ضدَّ المُسلمين، وأشد ما يكون تصلُّبًا، إذ رأى أنَّ دوره الأوَّل يكمن في توحيد الأوروپيين والسير في مُقدِّمتهم لمُحاربة العُثمانيين، لذلك كان بُرُوز خطر اتحادٍ مسيحي ضدَّ العُثمانيين قائمًا بعد انتخاب شرلكان، رُغم فشل البابويَّة مرارًا في إقامة مثل هذا الاتحاد. لكنَّ السُلطان لم يخشّ ذلك بسبب القُدرات القتاليَّة العالية للجُيُوش العُثمانيَّة التي تُخوِّلها التفوُّق على جُيُوش أي دولةٍ أوروپيَّة، إلَّا أنَّ الخطر ظلَّ قائمًا بجميع الأحوال، والروح الصليبيَّة مُتغلغلة، ومهما كانت خلافات المُلُوك والأُمراء النصارى فإنَّهم دائمًا ما يتفقون على حرب العُثمانيين. وقد تبيَّن لشرلكان أنَّ الزحف العُثماني سيتواصل باتجاه الغرب بعد الفاصل الذي دفع السُلطان سليم شرقًا. لذا رأى السُلطان أنَّ واجبه تجاه الإسلام وأهله، وبصفته حاكم أبرز دولةٍ إسلاميَّة في العالم، يدفعه للمُقاومة دون انقطاع لتوسيع رقعة الديار الإسلاميَّة وإبعاد الخطر الصليبي الذي يتهدَّدها على الدوام.[34]
وقرَّر شرلكان أن يعهد إلى أخيه فرديناند، الذي يقتسم معه إرث ومُلك والدهما مكسمليان الأوَّل إمبراطور الرومانيَّة المُقدَّسة، بمُهمَّة الدفاع عن أوروپَّا الوسطى أمام الزحف الإسلامي. وفرديناند هذا هو زوج حنَّة يَغلُونِيكة شقيقة لويس الثاني ملك المجر، وقد هدف أن يُصبح فرديناند مُستقبلًا ملكًا على المجر وبوهيميا لأنَّ لويس كان عقيمًا.[la 17] إضافةً إلى هذا الهدف المُستقبلي، فإنَّ شرلكان وجد نفسه يُواجه ثورة البلديَّات في إسپانيا من جهة، والأحداث التي نتجت عن حركة الإصلاح الپروتستانتي من جهةٍ أُخرى، ما جعله يُحجم عن الاشتراك بنفسه في حرب العُثمانيين. وهكذا فإنَّ هذه الظُرُوف دفعت أوروپَّا بأكلمها وقسمٌ من العالم الإسلامي إلى الحرب، فالبُندُقيَّة وجنوة اللتان يعنيهما مُباشرةً أمر مُمتلكاتهما القريبة والبعيدة اضطُرَّتا إلى المُواربة بين الخصمين. أمَّا فرنسا فإنَّ مصلحتها فرضت عليها أن يكون لها حليفٌ في الشرق لحمايتها من الخطر الإمبراطوري الهابسبورغي، وكذلك أُمراء ألمانيا الپروتستانت، الذين وجدوا أنفسهم مُتأرجحين بين ميلٍ لاستغلال ما يفرضه العُثمانيين من توازنٍ ضدَّ الإمبراطوريَّة الرومانيَّة المُقدَّسة، وبين إعراضهم عن الانتفاع من مُساعدة العُثمانيين بوصفهم مُسلمين.[34]
والواقع أنَّهُ يُمكن النظر إلى القرن السادس عشر الميلادي على أنَّه مُفترق تاريخي تقرَّر، انطلاقًا منه، شكل توزيع القوى على طرفيّ العالم الإسلامي الشرقي والمسيحي الأوروپي في الغرب، ووقعت فيه أشد المعارك البحريَّة والبريَّة هولًا، وتوقَّفت على نتائجها مواقع الطرفين المُتحاربين، أي الدولة العُثمانيَّة المُتنامية، وعلى رأسها السُلطان سُليمان القانوني، والإمبراطوريَّة الرومانيَّة المُقدَّسة، وعلى رأسها شرلكان ثُمَّ ابنه فيليپ، وقدَّمت كلٌ منهما نفسها حاميةً لدينٍ وحضارة «في مُعادلةٍ مُتناقضة الأبعاد والتوجُّهات السياسيَّة والحضاريَّة».[33]
فتح بلغراد
ما إن وصلت رؤوس جانبردي الغزالي ومن معه من العُصاة إلى العتبة السُلطانيَّة، حتَّى ورد خبر قتل السفير الذي أرسله السُلطان إلى ملك المجر لويس الثاني لإعلامه بارتقائه العرش، ويُطالبه بدفع الجزية السنويَّة المُقترحة منه مُقابل تجديد الصُلح.[2] ويبدو أنَّ لويس هذا كان قد عزم على فكِّ أيِّ تعهُّداتٍ كانت قد أُعطيت للعُثمانيين من قِبل أسلافه، لذلك ذهب إلى حد قتل الرسول مبعوث السُلطان. أثار هذا العمل حفيظة سُليمان، فاستشاط غضبًا وأعلن الحرب على المجر.[35] والحقيقة أنَّ المجر كانت تُشكِّلُ سورًا منيعًا ضدَّ التقدُّم العُثماني في أوروپَّا مُنذ عهديّ يُوحنَّا هونياد وابنه متياس كورڤن.[34] ويبدو أنَّها ضعفت بعد ذلك بفعل بُرُوز قُوَّة الطبقة الأرستقراطيَّة على حساب الملكيَّة القويَّة والطبقة العسكريَّة، ولازدياد الضغط الاقتصادي على الطبقة الزراعيَّة الفقيرة، ما أدَّى إلى حُدُوث اضطراباتٍ اجتماعيَّة واقتصاديَّة نتيجة هذه الخلافات السياسيَّة. ومن جهةٍ أُخرى فقد نتج عن اعتلاء عرش المجر مُلُوكٌ ضعاف عدم استغلال انشغال العُثمانيين في إيران والشَّام ومصر للنظر في أحوال مملكتهم والتهيُّؤ للحرب،[36] وهكذا فإنَّ الظُرُوف كانت مُهيَّأة تمامًا ليستكمل العُثمانيون زحفهم غربًا.
دامت ترتيبات الحرب طيلة شتاء سنة 927هـ المُوافقة لسنة 1521م،[35] فأرسل السُلطان أولًا من بحر البنطس (الأسود) خمسين غُرابًا صغيرًا مملوءة بالعتاد والحوائج بقيادة دانشمند ريِّس، وأمره بأن يدخل بها من بحر البنطس إلى نهر الطونة، وكذلك أرسل أوامره إلى أُمراء السناجق الواقعة بين نهريّ الطونة وصوه بأن يُعدّوا أربعمائة سفينة من سُفُن القرش، ثُمَّ خرج من إسلامبول في 10 جُمادى الآخرة المُوافق 17 أيَّار (مايو)،[17] على رأس جيشٍ من مائة ألف جُندي،[la 18] وثلاثة آلاف جمل مُحمَّلة بالبارود والرصاص، وثلاثين ألف جملٍ مُحمَّلة بالمؤن، وعشرة آلاف عربة مُحمَّلة بالطحين والشعير، وفيلة مُدرَّعة، ومدافع.[37] كان هدف الحملة مدينة بلغراد، البوَّابة المؤدية إلى ما وراء نهر الطونة، ومفتاح أوروپَّا الوسطى، وأقوى قلعة للمجر على الحُدُود العُثمانيَّة، وإذا كُتب لهذه المدينة أن تسقط فستُصبح الطريق إلى بودا وويانة (ڤيينَّا) مفتوحة أمام العُثمانيين.[35] والمعروف أنَّ السُلطانَ مُحمَّدًا الفاتح كان قد حاصر المدينة سابقًا لكنَّه فشل في فتحها. وعلم المجريُّون أنَّ موجةً جديدةً من الجيش العُثماني تزحف باتجاههم، فاستنجدوا بدول أوروپَّا، لكنَّ هذه الدول تلكَّأت، ذلك أنَّ البُندُقيَّة كانت تُفاوض الباب العالي بشأن عقد مُعاهدة تجاريَّة، والبابا كان مُنهمكًا بمُشكلاتٍ داخليَّة، وكذلك كان ملك بولونيا زغمُنت العجوز، والإمبراطور شرلكان الذي نصح الملك لويس بإبرام هدنة مع السُلطان لكسب الوقت.[35]

وسُرعان ما وصل الجيش العُثماني إلى صوفية عن طريق أدرنة، فقسَّمه السُلطان ليزحف على محاورَ ثلاثةٍ،[35] فسيَّر قرەأحمد باشا في عسكر الروملِّي لفتح شباج على نهر صوه، ففتحها في 2 شعبان 927هـ المُوافق 8 تمُّوز (يوليو) 1521م،[2] وأرسل السُلطان إلى أمير سمندريَّة خسرو بك يأمره بأن يُحاصر بلغراد فيمن معه من عساكر الثُغُور، وأمدَّه بألف إنكشاريّ. ثُمَّ سيَّر الصدر الأعظم پيري مُحمَّد باشا إلى سمندريَّة، فأخرج منها مدافع كبيرة وأرسلها في السُفن التي وصلت إليها عبر نهر الطونة مُتَّجهةً إلى بلغراد، وكان السُلطان قد أرسل في عقبه عشرة آلاف عزبي، فلحقوا به في سمندريَّة، فسار الصدر الأعظم بهم إلى مُحاصرة بلغراد.[17] أمَّا السُلطان فسار إلى شباج ومنها نحو بلغراد عبر بلاد سرم، وقد هدف السُلطان من وراء تكتيكه العسكري هذا إلى التمويه على الحملة وصرف انتباه المجريين عن وجهتها الأساسيَّة.[38] وفي يوم 27 شعبان المُوافق 31 تمُّوز (يوليو) وصل السُلطان مدينة زمون، وكان خسرو بك قد افتتحها،[39] فخطب بالجُنُود وحثَّهم على فتح بلغراد بالإنعام والمواعيد الجميلة.[40]
حاصر العُثمانيُّون بلغراد، وامتدَّ حصارها وقصفها وقتال حاميتها قُرابة ثلاثين يومًا، وضيَّق الجُنُود الخناق على أهلها، ونفَّذوا عمليَّاتِ اقتحامٍ مُنظَّمةً حتَّى تمكنوا من الدُخُول إليها بعد أن نسفوا أكبر بُرجٍ في تحصيناتها، فسارع الأهالي للاستئمان من السُلطان، فأمَّنهم على أنفُسهم وأهلهم وعيالهم وأموالهم، وتسلَّم المدينة يوم 25 رمضان 927هـ المُوافق 29 آب (أغسطس) 1521م بعد أن أخلت الجُنُود المجريَّة قلعتها، ودخلها السُلطان وصلَّى الجُمُعة في إحدى كنائسها التي حُوِّلت مسجدًا،[40][41] وخيَّر أهلها بين المسير إلى بلادٍ مسيحيَّة وبين المكث فيها، فسار البعض ومكث البعض. ثُمَّ بثَّ السُلطان سراياه إلى فتح الحُصُون القريبة من المدينة، ففُتحت العشرات منها، مثل «ترقاص» و«ديمتروفجة» و«قارلوجة» و«قمانجة» وغيرها. كما سيَّر الآقنجيَّة وأُمراء الروملِّي للإغارة على أطراف المجر، فساروا وأغاروا عليها وعادوا مُحمَّلين بالغنائم والأسرى. ولمَّا تمَّ أمر الفتح واغتنام العسكر، غادر السُلطان بلغراد بعد أن ترك فيها حاميةً من ثلاثة آلاف جُندي ومائتيّ مدفع، ثُمَّ أذن للعسكر في الرُجُوع لأوطانهم، ورجع هو أيضًا إلى إسلامبول فوصلها في 17 ذي القعدة المُوافق 19 تشرين الأوَّل (أكتوبر).[37][40]
وبسُقُوط بلغراد أُزيل ذلك الحاجز الذي حال دون تقدُّم العُثمانيين غربًا، وصارت هذه المدينة أكبر مُساعدٍ للدولة العُثمانيَّة على فتح ما وراء نهر الطونة من الأقاليم والبُلدان،[41] وأضحى الطريق نحو بودا، العاصمة المجريَّة، مفتوحًا.
مُعاهدة البُندُقيَّة مع الدولة العُثمانيَّة
سُرعان ما انتشرت أصداء انتصار العُثمانيين في أوروپَّا، وكانت رُسُل دوقيَّة المسكوب وجُمهوريَّتا البُندُقيَّة ورجوسة أوَّل من وفد لتقديم التهاني للسُلطان.[41] وكان من مصلحة البُندُقيَّة، وهي دولة تجاريَّة، استمرار العلاقة الحسنة مع الباب العالي بفعل أنَّ مرد ثروتها يعود إلى التجارة البحريَّة، وأنَّ حُريَّة التنقل في البحار هي الشرط لهذه الحركة التي من دونها تختنق الجُمهُوريَّة، والتهديد الوحيد الذي يُمثِّلُ خطرًا عليها وعلى مُمتلكاتها قد يأتي من الدولة العُثمانيَّة، والسياسة الوحيدة المُتوخاة هي التلاؤم بقدر الإمكان، عبر إقامة علاقةٍ حسنةٍ مع الباب العالي، وقد ساعدها على ذلك أنَّ علاقتها بالدولة العُثمانيَّة، في عهد السُلطان سليم وبداية عهد السُلطان سُليمان لم تكن مُتوتِّرة، لذلك فإنها عملت، عن طريق سفيرها في إسلامبول، على تجديد الامتيازت وعقد مُعاهدة مع الدولة العُثمانيَّة، وُقِّعت في 1 مُحرَّم 928هـ المُوافق 1 كانون الأوَّل (ديسمبر) 1521م، أيَّدت المُعاهدات السابقة وأضافت إليها بعض الزيادات التي تطلَّبتها واقعيَّة الظُرُوف السياسيَّة والاقتصاديَّة. والجدير بالذكر أنَّ البُندُقيَّة كانت مُستعدَّة لكُل شيء مُقابل حماية تجارتها في شرقيّ البحر المُتوسِّط. وأهم ما جاء في هذه المُعاهدة، التي تضم ثلاثين بندًا، ما يلي:[42]
- ضمان أمن التُجَّار وسلامتهم.
- تحديد مُدَّة إقامة القُنصل في إسلامبول، ووُجوب تبديله مرَّة كُل ثلاث سنوات.
- إعفاء جميع تُجَّار البُندُقيَّة من الجزية.
- عدم وضع عراقيل في وجه تجارة البُندُقيَّة مع دول شمالي إفريقيا.
- عدم جواز تنقُّل التُجَّار البنادقة في أنحاء الدولة العُثمانيَّة من دون إذن القُنصل، وفي حال وفاة أحدهم تُنظَّم قضيَّة إرثه من طرف القُنصل.
- يحق للقنصل إرسال مُترجمين لحُضُور المُرافعة التي تُقام ضدَّ الرعايا البنادقة أمام المحاكم العُثمانيَّة.
- تدفع حُكُومة البُندُقيَّة إلى الحُكُومة العُثمانيَّة جزيةً سنويَّة قدرها عشرة آلاف دوقيَّة لقاء احتلالها جزيرة قبرص، وخمسمائة دوقيَّة لقاء احتلالها جزيرة زانطة.
تكمن أهميَّة هذه المُعاهدة في أنَّها تحتوي على الأُسس الرئيسة التي نُظِّمت على أساسها المُعاهدات مع الدول الأوروپيَّة الأُخرى، وقامت عليها الامتيازات القُنصليَّة في بلاد الدولة العُثمانيَّة.[42]
فتح رودس


شرع السُلطان، بعد تمام فتح بلغراد وتوقيع المُعاهدة مع البُندُقيَّة، في التجهيز لفتح جزيرة رودس واستخلاصها من أيدي فُرسان الإسبتاريَّة، الذين كانوا يحكمونها مُنذُ أن طُردوا من الشَّام حينما استردَّ المُسلمون مدينة عكَّا سنة 690هـ المُوافقة لسنة 1291م. ومُنذُ ذلك الوقت صارت هذه الجزيرة شوكة في خاصرة المُسلمين، فما برح الإسبتاريُّون يعتدون على السُفُن الإسلاميَّة ويُساعدون القراصنة النصارى ويقطعون طُرق الحُجَّاج المُسلمين إلى الحجاز، فضلًا عن قطعهم خُطُوط المُواصلات البحريَّة العُثمانيَّة، وإغارتهم على سواحل الأناضول والشَّام، ويُهدِّدون الطُرق الواقعة بين إسلامبول ورودس. وبشكلٍ عام فإنَّ هذه الجزيرة كانت تتحكَّم بعُقدة مواصلات شرقيّ المُتوسِّط، وتُشكِّل حلقة اتصال بين إسلامبول ومصر.[37][43] ومن المعروف أنَّ السُلطان مُحمَّد الفاتح كان قد حاول فتح هذه الجزيرة في أواخر عهده، لكن لم يُكتب له ذلك، فدرس السُلطان سُليمان تلك المُحاولة دراسةً جيِّدة ليستفيد منها،[37] بعد أن رأى أنَّ اقتلاع هذه الشوكة صار واجبًا، كي لا يكون للنصارى مركزٌ حصين في وسط بلاده تلجأ إليه أساطيل الدول المُعادية وقت الحرب،[41] وكي لا تُقطع الطريق بين إسلامبول ومصر، وكي يُطهَّر الحوض الشرقي للمُتوسِّط فيصير بحرًا عثمانيًّا خالصًا.[43][44]
دعا السُلطان الديوان الهمايوني للاجتماع للتباحث في مسألة فتح هذه الجزيرة، فأشار الصدر الأعظم پيري مُحمَّد باشا بضرورة ذلك، وحثَّ السُلطان على الإقدام دون تردُّد،[la 19][la 20][la 21] وكذلك فعل السردار جوبان مُصطفى باشا وأمير البحار مُصلح الدين ريِّس بن قورد.[la 22] والحقيقة أنَّ الفُرصة كانت مؤاتية لتحقيق هذا العمل الكبير لانشغال مُلُوك أوروپَّا في شؤونهم الداخليَّة، ففرنسوا ملك فرنسا وشرلكان كانا مُنهمكين بمُحاربة بعضهما، والبابا لاون العاشر كان مُشتغلًا بمُجادلة ومُقاومة الراهب الألماني مارتن لوثر مُؤسس الپروتستانتيَّة، وبلاد المجر مُضطربة بسبب عدم اتفاق أُمرائها وأعيانها وصغر سن ملكها لويس الثاني. لكن رُغم ذلك فإنَّ السُلطان أرسل إلى شيخ الفُرسان «فيليپ ڤلیه دوليل آدم» (بالفرنسية: Philippe Villiers de L'Isle-Adam)، قبل الشُرُوع في الحرب، كتابًا يعرض عليه إخلاء الجزيرة والانسحاب منها بكُلِّ من معه من النصارى الذين يؤثرون المُهاجرة على البقاء مُتعهدًا له بعدم التعرُّض لأنفُسهم ولأموالهم، لكنَّ الشيخ المذكور لم يقبل.[45]

أمر السُلطان ببناء سُفُنٍ عظيمة لإحكام الحصار على الجزيرة، ثُمَّ عيَّن جوبان مُصطفى باشا سردارًا على العسكر وأرسله في السُفُن إلى جانب رودس، وانضمَّ إليه قُبطان قَلِّيبُلِي «بُلاق مُصطفى باشا» أثناء توجهه إلى هدفه، فوصل عدد السُفن العُثمانيَّة المُحاصرة إلى سبعمائة سفينة،[46] وقيل أربعمائة.[la 23] ثُمَّ خرج السُلطان نفسه من إسلامبول وبرفقته الصدر الأعظم وشيخ الإسلام علي أفندي الزنبيلي،[37] وعبروا إلى أُسكُدار فيمن معهم من العسكر في 10 رجب 928هـ المُوافق 3 حُزيران (يونيو) 1522م، وفي أثناء ذلك وصل إلى الركاب السُلطاني فرحات باشا وشكا للسُلطان من علي بك بن شهسوار أمير ذي القدريَّة، وادَّعى أنه يعتدي على الرعيَّة ويميل إلى العصيان وغير ذلك من الأُمور، حتَّى أذن له السُلطان بقتله، ففعل وشفى صدره من غيظه القديم عليه لمَّا سبقه في إخماد فتنة الشيعة بالأناضول زمن السُلطان سليم. وبعد قتله مكث فرحات باشا في ثُغُور الممالك العُثمانيَّة ليحفظها من هُجُوم الصفويين بقيادة الشاه إسماعيل إن أراد ذلك.[46] أمَّا السُلطان سُليمان فإنَّه لمَّا وصل إلى كوتاهية انضمَّ إليه بكلربك الروملِّي أياس باشا مع أُمراء تلك البلاد وعساكرها، فسيَّر الصدر الأعظم پيري مُحمَّد باشا مُقدِّمةً إلى الجزيرة، ثُمَّ عبر السُلطان أيضًا من مرمريس في غُرابٍ سريع السير سُمّي «يشيل مَلَك» أي «الملاك الأخضر».[37][46]
وفي غُضُون ذلك كان السردار جوبان مُصطفى باشا قد وصل رودس، وفتح في طريقه جزيرة «هركة» من لواحق رودس، فشاور القباطنة والمُجرِّبين في غزوات البحر، وقرَّروا ترك جميع السُفُن الكبيرة في موضعٍ يقطع الإمدادات على الإسبتاريين، ثُمَّ سار هو في ثلاثمائة غُراب سريع الحركة إلى مُحاصرة القلعة، ودخلوا تحتها بحيث كانت قلل المدافع تمرُّ من فوقهم، ثُمَّ رسوا في ميناءٍ يُعتقد أنه مرسى السُفُن، فأمضوا ليلتهم هُناك وهم يُهلِّلون ويُكبِّرون ويُكثرون من مُناجاة الله قائلين «يا فتَّاح».[46][47] ولمَّا وصل السُلطان إلى الجزيرة يوم 4 رمضان المُوافق 28 تمُّوز (يوليو) قسَّم الجيش لمُحاصرة القلعة، فجعل الصدر الأعظم على يمينها، وبجانبه بكلربك الأناضول مُصطفى قاسم باشا، وجعل جوبان مُصطفى باشا على اليسار، وأمام القلعة قرەأحمد باشا مع بكلربك الروملَّي أياس باشا وآغا الإنكشاريَّة، وباشروا القتال في 5 رمضان المُوافق 29 تمُّوز (يوليو).[46]


دام الحصار والقتال خمسة أشهرٍ كاملة، بذل فيها كُلٌ من العُثمانيين والإسبتاريين النفس والنفيس للانتصار على الآخر، فحاول العُثمانيُّون اقتحام القلعة المرَّة تلو الأُخرى، فصُدُّوا. قال البجوي: «... وَسعوا وجدُّوا بالقَدر الذي لم يُعلم حتَّى ذلك الوقت أنَّ سعيًا واجتهادًا هكذا قد حَدَث في سبيل أيِّ قلعةٍ قط، حتَّى إنَّهُ مشكوكٌ في أن يحدث مثله فيما بعد، وقد شُنَّت أكثر من مائة هجمَة، حتَّى أصبحت أبراج وأسوار القلعة مصبوغة باللَّون الأحمر القاني من دم الشُهداء الذين كان يتزايد عددهم في كُلِّ هجمةٍ عن العدِّ والإحصاء».[47] والحقيقة أنَّ قلعة الفُرسان كانت في قمَّة الحصانة، ويُحتمل أنها كانت أحصن من بلغراد، بل لعلَّها كانت أحصن قلاع العالم،[37] كما أنَّ المُحاصرين دافعوا عنها دفاع الأبطال، خُصوصًا الرُهبان، وقيل إنَّ النساء كانت تُساعد الرجال في الدفاع بإلقاء الأحجار على المُحاصرين وصب الزُيُوت الحارَّة على رؤوسهم، لكنَّ لم يجد كُل ذلك شيئًا في النهاية أمام المدافع العُثمانيَّة الجبَّارة،[45] كما أخذ الجُنُود ينقرون أطراف القلعة ويُلغِّمونها بالبارود، فهدموا مواضع كثيرة من أسوارها، وصاروا يقتحمونها المرَّة تلو الأُخرى، فيصدَّهم الإسبتاريُّون. وفي أثناء ذلك وصل إلى الجزيرة أربعٌ وعشرون غرابًا مملوءًا بالذخائر والبارود والمؤن من جانب مصر، أرسلها واليها خاير بك، فساعد ذلك في إطالة أمد الحصار، حتَّى اضُطَّر المحصورون في نهاية المطاف إلى التسليم بالهزيمة.[46] وفي 2 صفر 929هـ المُوافق 21 كانون الأوَّل (ديسمبر) 1522م، أرسل شيخ الفُرسان اثنين من رُهبانه إلى السُلطان يطلب منه الأمان والسماح لهم بإخلاء الجزيرة خلال اثنيّ عشر يومًا، بشرط أن تبتعد الجُيُوش العُثمانيَّة عن المدينة المحصورة مسافة ميلٍ من كُلِّ جهاتها حتَّى لا يحصل للمحصورين ضرر عند خُرُوجهم، فقبل السُلطان ذلك.[45]
وفي 5 صفر المُوافق 24 كانون الأوَّل (ديسمبر) دخل السُلطان القلعة واستلمها بالأمان،[46] وقابل شيخ الإسبتاريين الذي شكره على مُعاملته السمحة، وسماحه للفُرسان بالخُرُوج، ومُعاملته الأهالي النصارى بالحُسنى،[48][49] فواساه السُلطان وامتدحه، وأنعم عليه بخلعةٍ سنيَّة،[45][49] وقال: «إني لآسفٌ لاضطراري إلى إخراج مثل هذا الشيخ الجليل من دياره».[50] وفي شهر ربيعٍ الأوَّل 929هـ المُوافق لشهر كانون الثاني (يناير) 1523م، أبحر فُرسان الإسبتاريَّة إلى جزيرة إقريطش، ثُمَّ غادروها بعد ثماني سنواتٍ إلى وطنٍ أكثر ديمومة في مالطة،[49] فعُرفوا مُنذ ذلك الحين بـ«فُرسان مالطة». وهكذا اقتُلعت وأُزيلت من شرق المُتوسِّط آخر دولة لاتينيَّة كاثوليكيَّة من بقايا الحملات الصليبيَّة، لتُصبح آخر دولةٍ صليبيَّة يقضي عليها المُسلمون. ويُقال إنَّ البابا أدريان السادس كان خلال هذه الأيَّام يُجري مراسم عيد الميلاد في كاتدرائيَّة القدِّيس بُطرس في رومة، فتدحرجت حجارة سقطت من حافَّة سقف الكاتدرائيَّة نحو قدميه، فتشاءم قائلًا: «سقطت رودس».[48]
أمَّا السُلطان فقد أمر بفتح جميع الجُزر الصغيرة التابعة لرودس، ففُتحت كُلَّها، مثل قوص وسُنبكي، إضافةً لمدينة بُطرُم التي كانت بحوزة الإسبتاريين. كما أُطلق سراح قُرابة ستة آلاف أسيرٍ مُسلم كانوا في الجزيرة، وأُعفي أهلها من الروم من الجزية لثلاث سنوات، وأُسكنت بالمُسلمين القادمين من الأناضول.[48] كذلك احتفظ العُثمانيون بالغُراب «يشيل مَلَك» الذي عبر به السُلطان إلى رودس كما أُسلف، وأبقوه في الترسانة البحريَّة للجزيرة لقرونٍ عديدة، وعرضوه على زُوَّراها.[37]
فتنة المماليك وعصيان أحمد باشا في مصر

عيِّن السُلطان سُليمان السردار جوبان مُصطفى باشا واليًا على مصر وأرسله إليها رفقة خمسمائة إنكشاري في عشرة أغربة، وذلك قُبيل إتمام فتح رودس، إذ كان قد بلغه خلال حصارها أنَّ والي مصر السابق خاير بك قد توفي.[46] وكان خاير بك قد مات يوم 14 ذي القعدة 928هـ المُوافق 3 تشرين الأوَّل (أكتوبر) 1522م، بعد أن تولَّى مصر خمس سنوات وثلاثة أشهر وسبعة عشر يومًا، فأُقيمت له جنازة كبيرة ودُفن في مدرسته.[51] وصل مُصطفى باشا إلى مصر يوم 23 ذي الحجَّة المُوافق 12 تشرين الثاني (نوڤمبر) من السنتين سالفتيّ الذكر،[52] ولم يمضِ وقتٌ طويل على استقراره في القاهرة حتَّى أخذ أُمراء المماليك يُظهرون العصيان، مُستغلِّين الفوضى الناتجة عن الفترة الانتقاليَّة، فخرج كاشف[و] الغربيَّة الأمير جانُم الحمزاوي في نحو أربعة آلاف مملوكٍ شركسيّ إضافةً إلى عربان، وهجم على القاهرة، فتصدَّى له من وُجد في المدينة من الجُنُود العُثمانيين بأمر مُصطفى باشا، فاندلع القتال بين الفريقين من الضحوة إلى العصر، فانكسر العُصاة وقُتل جانُم المذكور وقُطعت رأسه، ولم يفلت من أصحابه سوى جمعٌ يسير.[55]
أمَّا السُلطان سُليمان فإنَّه حينما وصل إلى إسلامبول عزل الصدر الأعظم پيري مُحمَّد باشا الجمَّالي[la 24] لأسبابٍ مُتنوِّعة، منها أنَّه كان وزير والده، ورجُلًا عالمًا فاضلًا وقورًا، فكان السُلطان يستحي منه ومن مُخالفته؛ وهو سُلطانٌ شاب يُريد الاستقلال والعمل برأي نفسه، فعزله للاستبداد في أمره. ومنها أيضًا أنَّهُ أراد تولية الصدارة العُظمى لخليله وأخص خواصه إبراهيم آغا البرغلي، الذي كان حينها «خاص أودەباشي»[ز]، أي رئيس الخدم الخاصين بالسُلطان. ومنها أيضًا أنَّ الوزير أحمد باشا الكرجي كان يسعى به عند السُلطان، ويفتري عليه أُمورًا يكرهها السُلطان ليدفعه لعزله ظنًا منه أنه إذا عزله نصَّبه مكانه، فخاب ظنُّه. ومنها أيضًا أنَّ مُحمَّد باشا أخطأ في بعض تدابيره في مُحاصرة رودس، فأظهر السُلطان الأمر الأخير سببًا لعزله، وعيَّن بدلًا منه إبراهيم آغا المذكور، وضمَّ إليه أيضًا ولاية الروملِّي.[55][la 25]
تكدَّر أحمد باشا لمَّا لم ينل مراده، وطلب من السُلطان أن يُعيَّن واليًا على مصر، فأُجيب إلى ذلك وتوجَّه إليها. وكان من أسباب قبول السُلطان بتعيينه أنَّه رغب بإبعاده عن العاصمة والسراي المُلُوكيَّة، سيَّما وأنَّ جميع أهل الديوان كانوا قد أصبحوا عاجزين ومُتأذين من يده ولسانه، فخيف من إفساده أكثر من هذا.[57] وما إن وصل الخبر إلى مُصطفى باشا بوُصُول أحمد باشا إلى الإسكندريَّة واليًا على الديار المصريَّة حتَّى خرج من القاهرة قبل أن يصل إليها الوالي الجديد. وكان مُصطفى باشا رجُلًا عاقلًا يعلم سفاهة أحمد باشا وغلظته، فلم يرغب بمُلاقاته في قصبة مصر، بل لاقاه على النيل ثُمَّ اتجه إلى إسلامبول.[55] أمَّا أحمد باشا فإنَّه ما إن دخل القاهرة حتَّى شرع في مُقدِّمات العصيان، فأخذ في استمالة أُمراء المماليك إليه بإقطاعهم الأراضي وإغضائه عمَّا يرتكبونه من أنواع الآثام والمظالم، ولمَّا تحقَّق من إخلاصهم أعلن العصيان مرَّةً واحدةً، واستولى على قلعة الجبل بعد قتل حاميتها،[58] وأعطى الاهتمام لأشقياء المماليك الشراكسة، وحرص على إهانة المُوالين للسُلطان واستحقارهم، وسعى لتغيير بعض القوانين وتبديلها، ولوائح المُعاملات.[57] ولمَّا بلغ هذا الخبر مسامع السُلطان أرسل سرًا إلى أعظم أُمراء مصر المدعو «قرەموسى» يُعلمه بتوليته البلاد ويأمره بالقبض على أحمد باشا وقتله، لكنَّ الأخير علم بالمُخطط بفضل أعوانه في الباب العالي، فبثَّ الجواسيس في المعابر والموانئ ليتحرُّوا أمر القادمين إلى الإيالة والمُسافرين منها، فوقع في أيديهم الجاووش الذي أرسله السُلطان يحمل الأمر، فساقوه إلى أحمد باشا الذي قتله وقرەموسى مع كُلِّ من توهَّم منه من الأُمراء وأهل الديوان، ثُمَّ أمر بضرب النُقُود وقراءة الخطبة باسمه.[55][57]

وكان من الأُمراء الذين قرَّبهم أحمد باشا إليه رجلٌ يُدعى مُحمَّد بك، ويُلقَّب «قاضي زاده»، وهو من أُمراء المماليك الذين ثبَّتهم السُلطان سليم في مركزهم حينما ضمَّ مصر، وكان رجلًا عاقلًا مُدبِّرًا، فلاطف أحمد باشا وأظهر المُوافقة له بحيثُ صار له بمنزلة الوزير وكاتم أسراره، إلَّا أنَّه اتفق سرًا مع بقيَّة أُمراء مصر وأعيان الديوان على مُخالفة هذا الخائن وإتمام أمره عندما تسنح الفُرصة،[55] فهجموا عليه يومًا وهو في حمَّام، فهرب منهم إلى البريَّة واستجار بعبد الدايم بن بقر شيخ العرب، غير أنَّ القُوَّات السُلطانيَّة لحقته، وطوَّقت مُخيَّم الشيخ عبد الدايم وهدَّدوه إن لم يُسلِّمهم العاصي، فأتاهم به، فأمسكوه وقطعوا رأسه وطافوا بها في القاهرة ثُمَّ أرسلوها إلى إسلامبول.[59] وعيَّن السُلطان بدلًا منه گوزلجة قاسم باشا واليًا على الديار المصريَّة، وكافأ مُحمَّد بك بتقليده وظيفة دفتردار الإيالة.[58]
وفي شهر رجب 930هـ المُوافق لشهر أيَّار (مايو) عيَّن السُلطان سُليمان الصدر الأعظم إبراهيم باشا واليًا على مصر، وكلَّفه بتنظيم أمورها ورفع المظالم التي تراكمت فيها نتيجة حكم خاير بك ومن تلاه، وإرجاع الأمن إلى رُبُوعها، ثُمَّ أرسله إليها برفقة خمسمائة إنكشاريّ، فخرج إبراهيم باشا من إسلامبول في 1 ذي الحجَّة 930هـ المُوافق 30 أيلول (سپتمبر) 1524م، ولم يتمكن من السفر بحرًا لقُرب الشتاء، فسار برًا حتَّى وصل القاهرة يوم 8 جُمادى الآخرة 931هـ المُوافق 11 نيسان (أبريل) 1525م، فمكث فيها شهرين ونصف شهر ونظَّم أُمور الإيالة على أكمل وجه،[55] فأجرى إصلاحات مُهمَّة، ونظَّم الإدارة وفق النمط العُثماني، وقلَّل الضرائب، واجتمع بأصحاب الشكايات من المصريين واستمع إليهم، كما جدَّد عمارة جامع عمرو بن العاص،[60] ثُمَّ خرج من مصر يوم 22 شعبان المُوافق 23 حُزيران (يونيو) مُتوجهًا نحو إسلامبول، مارًّا بدمشق وقيصريَّة، فوصل العاصمة يوم 18 ذي القعدة المُوافق 15 أيلول (سپتمبر)،[55] وقوبل بكُلِّ إجلالٍ واحترام لعُلوِّ منزلته عند السُلطان.[58]
فُتُوحات تتر القرم

خلال انشغال العُثمانيين بعصيان أحمد باشا في مصر كان خان القرم مُحمَّد كراي بن منكلي الجنكيزي، التابع للدولة العُثمانيَّة، يحمل على الروس ويُنزل بهم هزائم قاسية. ففي سنة 1521م حمل على خانيَّة قازان التي نصَّب الروس عليها حاكمًا صوريًّا تابعًا لهم هو «شاه علي»، فشتَّت الجُيُوش الروسيَّة ودخل مدينة قازان وخلع الحاكم الصوري المذكور، ونصَّب بدلًا منه شقيقه «صاحب كراي».[60] وفي شهر تمُّوز (يوليو) من السنة ذاتها قاد مُحمَّد كراي وشقيقه صاحب حملةً كبيرةً لفتح مدينة مسكوب والقضاء على الخطر الروسي الذي استمرَّ يُهدد التتر في هذه البلاد مُنذ أن سقطت خانيَّة القبيلة الذهبيَّة قبل قُرابة عشرين سنة، فسارا على رأس جيشٍ من مائة ألف جُندي، فدمَّرًا وأحرقا جميع البلدات والقُرى الواقعة شرق العاصمة الروسيَّة، ثُمَّ ضربا الحصار على مسكوب التي فرَّ منها أميرها باسيل بن يُوحنَّا الروركي عندما علم باقتراب التتر، لكنَّ الشقيقين فشلا في اقتحام المدينة لمناعة استحكاماتها، فأغارا على أطرافها وأحرقاها، وأسرا الكثير من أهلها. دام الحصار التتري لمسكوب أُسبوعين اضطُّر النُبلاء الروس في نهايته إلى التعهُّد لمُحمَّد كراي، نيابةً عن الأمير باسيل، بدفع جزية سنويَّة بنفس المقدار الذي كان يُدفع لخوانين القبيلة الذهبيَّة قديمًا، فرضي بذلك وانسحب مع شقيقة جنوبًا.[la 26]
هاجم الروس في ربيع سنة 1523م خانيَّة قازان وانتصروا على التتر في بضع وقعات، فردَّ صاحب كراي بغاراتٍ انتقاميَّة على الأراضي الروسيَّة، وحاصر مدينة قاليج دون أن يتمكَّن من فتحها.[la 27] وفي غُضُون ذلك حصلت فتنٌ داخليَّة في بلاد القرم، إذ قُتل الخان مُحمَّد كراي على يد ولديه «غازي» و«بابا»، وتقلَّد الأوَّل الحُكم وجعل أخاه وزيرًا له، لكنَّ السُلطان سُليمان لم يقبل ذلك، بل عيَّن عمَّهما «سعادت كراي» خانًا بدل أخيه مُحمَّدًا المقتول، وأمدَّه بجيشٍ من الإنكشاريَّة، فقبل غازي تعيين عمِّه وصار هو وزيرًا له.[58] وفي سنة 1524م هاجم صاحب كراي مدينة نيجني نُڤغورُد وفتحها،[60] ثُمَّ أرسل سفيرًا إلى شقيقه سعادت في القرم طالبًا منه إرسال مدافع وبنادق وجنود إنكشارية إلى قازان تخوُّفًا من رد فعلٍ مُحتملٍ للروس، لكنَّ سعادت رفض مساعدة أخيه الأصغر، فتوجَّه الأخير إلى إسلامبول طالبًا الدعم من السُلطان سُليمان، وأعلن خُضُوعه وتبعيَّته للدولة العُثمانيَّة،[la 27] ممَّا يعني أنَّ حُدودها امتدَّت إلى شمال غربي بحر الخزر ودلتا الإِتِل حينذاك. لكن رُغم ذلك فإنَّ السُلطان لم يمنح صاحب كراي مُساعدةً تُذكر لرغبته بالتركيز على القضايا والمُشكلات الأوروپيَّة،[60] لذا اضطُرَّ الخان التتري إلى الانسحاب من قازان والعودة إلى القرم ما إن علم بتقدُّم جيشٍ روسيٍّ كبيرٍ إليه يقوده الأمير باسيل نفسه، وترك ابن أخيه «صفاء كراي» البالغ من العمر ثلاثة عشر ربيعًا على عرش تلك الخانيَّة.[la 27]
ضم الأفلاق وفتنة الإنكشاريَّة في إسلامبول

رغب السُلطان في سنة 1524م أن يجعل إقليم الأفلاق إيالةً عُثمانيَّة كسائر إيالات الدولة، ولم يكن لها عليه إذ ذاك إلَّا السيادة والجزية مُنذ عهد السُلطان مُحمَّد الفاتح.[58] وسبب ذلك أنَّ أمير هذه البلاد «تيُودُسيُس» (بالرومانية: Teodosie) كان قد التجأ مع والدته إلى إسلامبول بعد أن هُزم جيشه نتيجة صراعاتٍ اندلعت بين عشائر أشراف تلك البلاد للهيمنة على العرش، وتوفي في العاصمة العُثمانيَّة سنة 1522م. وكان أبرز من ادِّعوا بحقِّهم في العرش الأفلاقي أمير سنجق نيكوبُلي مُحمَّد بك، وهو أفلاقيٌّ اعتنق الإسلام وادَّعى وُجُود صلةٍ نسب بينه وبين آل «كرايُڤِشت» (بالرومانية: Craiovești) الذين تولُّوا حُكم البلاد مُنذ سنة 1512م، وطلب فرمان التولية والتثبيت من السُلطان سُليمان.[وب 1] لكن سُرعان ما برز مُنافسٌ قدير على العرش الأفلاقي، هو «رادو الأفُمَتسي» (بالرومانية: Radu de la Afumați)، ابن رادو الرابع المُلقَّب بالكبير، فتمكَّن من دحر قُوَّات مُحمَّد باشا واستولى على العرش، مُنتهجًا سياسةً عدائيَّةً تجاه العُثمانيين وسائر الأُمراء المُنافسين. دارت معارك ضارية على الأراضي الأفلاقيَّة بين قُوَّات هذا الأمير والقُوَّات العُثمانيَّة بقيادة علي باشا ميخائيل أوغلي أمير سنجق سمندريَّة، وقُوَّات الأميران ڤلاديسلاڤ الثالث و«رادو بَدِكا» (بالرومانية: Radu Bădica) خلال الفترة المُمتدَّة بين سنتي 1523 و1524م، كان النصر فيها إلى جانب رادو الأفُمَتسي، فكان هذا ما حفَّز السُلطان سُليمان على التحرُّك لضمِّ الإقليم وجعله إيالةً تحت السُلطة المُباشرة للدولة.[وب 2]

سيَّر السُلطان جيشًا ناحية العاصمة الأفلاقيَّة ترگُوِشتة سنة 1524م، فاستولى عليها، لكنَّ أعيان البلاد ثاروا وأيَّدوا بقاء رادو الأفُمَتسي أميرًا عليهم، ودعمهم في ذلك أمير الأردل يُوحنَّا زابوليا، فقبل السُلطان ونزل عند رغبتهم مُقابل زيادة الجزية التي كانت تدفعها هذه الإمارة عمَّا كانت عليه قبلًا،[58] فعاد الجيش العُثماني أدراجه، في حين توجَّه السُلطان للإشتاء بمدينة أدرنة.
ولمَّا عاد السُلطان إلى إسلامبول في 1 جُمادى الآخرة 931هـ المُوافق 25 آذار (مارس) 1525م، علا تذمُّر الإنكشاريَّة لجُلُوسهم دون قتال وبالتالي قلَّة مُرتَّباتهم، فأشعلوا نار الفتنة، ونهبوا سراي الصدر الأعظم إبراهيم باشا الذي كان إذ ذاك بمصر، ومحلَّة الجمرك، وعدَّة أماكن أُخرى من منازل الأعيان، وعلى رأسهم الوزير الثاني أياس باشا والدفتردار عبد السلام، وحارة اليهود، ولولا أن تدارك السُلطان الخطب بنفسه لامتدَّ العصيان، لكنَّه أسكتهم عن السلب والنهب بتوزيع ألف دوقيَّة عليهم، ثُمَّ فتَّش عن مُحرِّكيهم، فعلم أنهم: قائد الإنكشاريَّة مُصطفى آغا، والباشكاتب حيدر أفندي وكيخيته مُصطفى باشا قبرانبالي، فقتلهم جميعًا. ووصل إلى علم السُلطان أيضًا فساد وظُلم فرحات باشا، الذي ساهم في القضاء على ثورة جانبردي الغزالي وقتل علي بك بن شهسوار كما أُسلف، لا سيَّما حينما تولَّى بكلربكيَّة الروملِّي ثُمَّ إمارة سنجق سمندريَّة ثُمَّ سرداريَّة الأناضول، فأمر بقتله، فقُتل في شهر مُحرَّم سنة 932هـ المُوافق لشهر تشرين الأوَّل (أكتوبر) 1525م. وفي هذه السنة فوَّض السُلطان قُبطانيَّة السويس إلى سلمان ريِّس، وأرسله في عشرين غُرابًا إلى سواحل اليمن ليدفع عنها الخطر الپُرتُغالي.[58][61] والمعروف أنَّ سلمان ريِّس المذكور كان قد وقع خلافٌ بينه وبين حسين باشا الرومي والي جدَّة، الذي فشل في ضم السواحل اليمنيَّة إلى ولايته نتيجة حيلولة والي اليمن المملوكي إسكندر الجركسي دون ذلك، فما كان من سلمان ريِّس إلَّا أن توجَّه إلى القاهرة حينما كان الصدر الأعظم إبراهيم باشا موجودًا فيها، فحثَّه على إرسال حملةٍ تحت قيادته لاستعادة النُفُوذ العُثماني في اليمن، فوافقه على ذلك وسعى له عند السُلطان.[62]
ابتداء المُراسلات بين السُلطان وملك فرنسا

قُدِّر للسُلطان سُليمان بعد قضائه على فتنة الإنكشاريَّة وفرض الأمن في الأفلاق أن يدخل في أبرز تحالفٍ سياسيٍّ في التاريخ العُثماني، ألا وهو حلفه مع مملكة فرنسا بشخص ملكها فرنسوا الأوَّل، سيَّما أنَّ كليهما كانا يتوجَّسان خيفةً من توسُّع مُلك شرلكان إمبراطور الرومانيَّة المُقدَّسة. فقد كان فرنسوا الأوَّل طامعًا بالعرش الإمبراطوري المذكور، فلمَّا تولَّاه شرلكان أضحت أملاكه تُحيط بفرنسا من جميع الجهات إلَّا من جهة البحر. ذلك أنَّ شرلكان أصبح، بحُكم سُلطته الجديدة، ملكًا على النمسا إضافةً لإسپانيا، وإمبراطورًا لألمانيا وحاكمًا لقسمٍ واسعٍ من إيطاليا الجنوبيَّة، وانضوت تحت لوائه جُمهُوريَّتا جنوة وفلورنسة وبلاد وهران في المغرب الأقصى، وجزيرتا منورقة وصقلية، وأضحى باستطاعته أن يغزو فرنسا عبر الحُدُود الألمانيَّة وعبر جبال البرانس في آنٍ معًا.[63]
والواضح أنَّ فرنسوا الأوَّل شعر بهذا الإحراج، ففكَّر بالتحالف مع العُثمانيين، ولم يكن تنفيذ هذا القرار بالأمر السهل، لأنَّ السياسة الأوروپيَّة لم تكن قد تحرَّرت يومئذٍ من طابعها المسيحي، وكانت أوروپَّا، بسُكَّانها ومُلُوكها وأُمرائها، تنظر بعين الجزع إلى مُعسكرات العُثمانيين في البلقان، وإلى أساطيل الربابنة المُسلمين التي تجوب مياه الحوض الغربي للبحر المُتوسِّط.[64] أمام هذا الواقع تريَّث فرنسوا الأوَّل، وقرَّر مُنازله شرلكان في حربٍ ميدانيَّةٍ مهما كلَّفه الأمر، فشنَّ في شهر ربيعٍ الآخر 931هـ المُوافق لشهر شُباط (فبراير) 1525م هُجُومًا على إيطاليا انتهى بكارثةٍ في معركةٍ عند مدينة بابية، إذ وقع الملك الفرنسي أسيرًا في يد الإسپان وسيق إلى مجريط حيثُ سُجن في القصر الملكي، ثُمَّ أُجبر على توقيع مُعاهدةٍ مُذلَّة لقاء الإفراج عنه[65][66] كان من أبرز بُنُودها التخلِّي عن مُطالبته بإيطاليا وأرتوة (شمال فرنسا) والفلمنك، والتنازل عن بُرغُونية لشرلكان،[la 28] وأن يُرسل ابنيه ليعيشا في البلاط الإسپاني ضمانًا لتنفيذ المُعاهدة،[la 29] وأن يُعيد لشارل الثالث دوق بوربون جميع الأراضي التي أخذها منه،[la 30] وأن يسعى لدى هنري الثامن ملك إنگلترا كي يتنازل عن تاج نبرة لصالح شرلكان، كي «يستأصل شأفة اللوثريَّة وسائر الطوائف المُهرطقة»،[la 31] وأن يُزوِّج شقيقته إليُنور للإمبراطور الإسپاني.[66][la 29]
أمَّا السُلطان سُليمان فإنَّ الوضع السياسي القائم في أوروپَّا كان قد استلفت اهتمامه الشديد، فانتخاب ملك إسپانيا إمبراطورًا للرومانيَّة المُقدَّسة، ولكونه الأخ الأكبر لماريَّة زوجة لويس الثاني ملك المجر، فقد بسط نُفُوذه على أوروپَّا الوُسطى، ممَّا صنع ماردًا جبَّارًا هدَّد الدولة العُثمانيَّة في سياستها التوسُّعيَّة، إضافةً إلى تهديده المُستمر للمُسلمين في الديار المغربيَّة واضطهاده من تبقَّى منهم في الأندلس، لذا صمَّم السُلطان على تشتيت هذه الإمبراطوريَّة وتقسيمها إلى دولٍ كما كانت في السابق، علمًا بأنَّ إسپانيا حينذاك كانت الدولة المسيحيَّة الوحيدة صاحبة أقدر جيشٍ وأُسطُول، كما كانت قد أصبحت صاحبة مُستعمراتٍ كبيرة في الأمريكتين تدرُّ عليها موارد وأموالٍ وفيرة. لكنَّ هذا لم يفت من عضد السُلطان، فقرَّر ضرب هذا المارد العظيم في جبهتين: أوروپَّا الوسطى والبحر المُتوسِّط. أمَّا البحر المُتوسِّط فقرَّر ترك جبهته لأمير البحار خير الدين بربروس، وأمَّا جبهة أوروپَّا الوسطى فقرَّر تبنِّيها بنفسه.[65] أضف إلى ذلك فإنَّ شرلكان كان - بالنسبة للأوروپيين - إمبراطور الروم الغربيين، أمَّا السُلطان سُليمان فإنَّه «إمبراطور» الروم الشرقيين، لكنَّ السُلطان كان يدَّعي الحق بتاج رومة المُوحَّدة، وكان شرلكان بالنسبة له «ملك إسپانيا» فقط، لذا فإنَّ الوثائق الدبلوماسيَّة العُثمانيَّة العائدة لذلك الزمن تخلو من أي إشارةٍ لشرلكان بلقب «الإمبراطور». وهكذا يظهر أنَّ أحد أسباب النزاع العُثماني الإسپاني هو رغبة كلا العاهلين في تسيُّد القارَّة العجوز.[65]


والحقيقة أنًّ فرنسا لم يكن أمامها حينذاك سوى اللجوء للسُلطان العُثماني، فوفقًا للسياسة الدوليَّة الأوروپيَّة في ذلك الزمن كان على أي ملكٍ مسيحيٍّ يدخل في نزاعٍ مع ملكٍ آخر أن يلجأ إمَّا للبابا أو لإمبراطور الرومانيَّة المُقدَّسة. ولمَّا كان الخلاف الفرنسي مع الإمبراطور المذكور أصلًا، لم يكن أمام الفرنسيين سوى التوجُّه للبابويَّة، لكنَّ قُوَّة البابا العسكريَّة كانت محدودة، ولم يكن يُسيطر إلَّا على إيطاليا الوسطى، فلم يبقَ أمامهم على أرض الواقع سوى السُلطان العُثماني.[65] وهكذا أرسلت لويز السڤوائيَّة، والدة الملك فرنسوا والوصيَّة على العرش الفرنسي، سفيرًا إلى السُلطان سُليمان تُشاوره بهدف التعاون ضدَّ العدو المُشترك.[67][68] لكنَّ هذا السفير لم يصل إسلامبول إطلاقًا، إذ قبض عليه أمير سنجق البوسنة وقتله هو وأتباعه.[67][la 32] فأُرسل عوضه سفيرٌ آخر من النُبلاء هو القُمَّس «يُوحنَّا فرنقبانِ» (بالفرنسية: Jean Frangipani)، فوصل إسلامبول واستُقبل استقبالًا حافلًا وأُجزلت له العطايا، وقابل السُلطان يوم 21 صفر 932هـ المُوافق 6 كانون الأوَّل 1525م، فعرض عليه كتاباً من الملك الفرنسي شخصيًّا هذه المرَّة، يطلب منه مُهاجمة لويس الثاني ملك المجر، ليحول بينه وبين تقديم أي مُساعدة لشرلكان، وفي الوقت نفسه يُهاجم الفرنسيُّون أملاك الإمبراطوريَّة الرومانيَّة المُقدَّسة ليستردُّوا ما سُلب منهم في معركة بابية، بما فيه شرفهم العسكري.[67] ردَّ سُليمان على طلب الملك الفرنسي بكتابٍ أظهر فيه استعداده لمُساعدته ونُصرته، وصورة هذا الخطاب المُعرَّبة:[69]
الله العليّ المُعطي المُغني المُعين
بعناية حضرة عزَّة الله جلَّت قُدرته وعلت كلمته وبمُعجزات سيِّد زُمرة الأنبياء وقُدوة فرقة الأصفياء مُحمَّد المُصطفى ﷺ الكثيرة البركات، وبمُؤازرة قدس أرواح حماية الأربعة أبي بكر وعُمر وعُثمان وعليّ
أجمعين، وجميع أولياء الله،
أنا سُلطان السلاطين وبُرهان الخواقين، مُتوِّج المُلُوك، ظلّ الله في الأرضين، سُلطان البحر الأبيض والبحر الأسود والأناضول والروملِّي وقرمان الروم وولاية ذي القدريَّة وديار بكر وكردستان وأذربيجان والعجم والشَّام وحلب ومصر ومكَّة والمدينة والقدس وجميع ديار العرب واليمن وممالك كثيرة أيضًا، التي فتحها آبائي الكرام وأجدادي العظام بقُوَّتهم القاهرة، أنار الله براهينهم، وبلادٍ أُخرى افتتحتها يد جلالتي بسيف الظفر،
أنا السُلطان سُليمان خان بن السُلطان سليم خان بن السُلطان بايزيد خان، إلى فرنسيس ملك ولاية فرنسا: وصل إلى أعتاب ملجأ السلاطين المكتوب الذي أرسلتموه مع تابعكم فرنقبانِ النشيط مع بعض الأخبار التي أوصيتموه بها شفاهيًّا، وأعلمنا أنَّ عدوِّكم استولى على بلادكم، وأنَّكم الآن محبوسون وتستدعون من هذا الجناب مدد العناية بخصوص خلاصكم. وكُل ما قُلتُموه عُرض على أعتاب سرير سُدَّتنا المُلُوكانيَّة وأحاط به علمي الشريف على وجه التفصيل، فصار بتمامه معلومًا،
فلا عجب من حبس المُلُوك وضيقهم، فكُن مُنشرح الصدر ولا تكن مشغول الخاطر، فإنَّ آبائي الكرام وأجدادي العظام نوَّر الله مراقدهم، لم يكونوا خالين من الحرب لأجل فتح البلاد وردِّ العدوّ، ونحنُ أيضًا سالكون على طريقهم، وفي كُلِّ وقتٍ نفتح البلاد الصعبة والقلاع الحصينة، وخُيُولنا ليلًا ونهارًا مسروجة، وسُيُوفنا مسلولة، فالحقيُيسر الخير بإرادته ومشيئته، وأمَّا باقي الأحوال والأخبار فتفهمونها من تابعكم المذكور. فليكن معلومكم هذا تحريرًا في أوائل شهر آخر الربيعين سنة اثنين وثلاثين وتسعمائة.
بمقام دار السلطنة العليَّة
القُسطنطينيَّة المحروسة المحميَّة
وإن دلَّت هذه المُباحثات على شيء، فإنَّها تدُل على أنَّ الدولة العُثمانيَّة قد بلغت من القُوَّة مبلغًا حتَّى أضحى وُجودها ضروريًّا لحفظ التوازن السياسي في أوروپَّا، سيَّما وأنَّ فرنسا لطالما كانت في نظر البابويَّة أوَّل الدُول الكاثوليكيَّة وأهمًّها مُحافظةً على عدم تقدُّم الإسلام بأوروپَّا.[67] وقرَّر السُلطان العُثماني فتح بلاد المجر، لكن حدث، في هذه الأثناء، أن أُطلق سراح الملك الفرنسي من الأسر على إثر مُوافقته على شُرُوط شرلكان، فأُجهض المشروع، إلَّا أنَّ السُلطان سُليمان مضى في تنفيذ مشروعه الخاص بفتح بلاد المجر وضمِّها إلى ديار الإسلام،[66] مُستغلًا تمزُّق الوحدة الكاثوليكيَّة نتيجة انتشار الپروتستانتيَّة في أقطارٍ كثيرة، وانهماك شرلكان في مُقاومة هذا المذهب وأهله.[70]
الحملة الأولى على المجر

كان السُلطان سُليمان عازمًا على فتح الديار المجريَّة مُنذُ زمنٍ طويل، وقد سنحت له الفُرصة الآن بتمزُّق أوروپَّا ومُحاولة لويس الثاني ملك المجر التعدِّي على حُدُود الدولة من جهة الروملِّي.[71] وكان السُلطان يعلم أنَّ بلاد المجر مُنقسمة، وأنَّ السُكَّان يعيشون في بؤسٍ شديد، حتَّى إنَّ كثيرًا منهم كان ينتظر قُدُوم العُثمانيين ويُعدُّونهم مُنقذين، كما كانت عواطف النُبلاء مُتشنِّجة ضدَّ الألمان والنمساويين، إلى درجة أنَّهم لم يتردَّدوا في أن يطلبوا من الملك طردهم من البلاد، مع أنَّ المجر بحاجةٍ إلى مُساعدة آل هابسبورغ. وشارك المجريُّون مارتن لوثر في نظرته القائلة بأنَّ «انتصارات الأتراك[ح] إنَّما هي عقابٌ عادل لما اقترفه الرومان من فسادٍ وظُلمٍ اجتماعيّ».[73]
أمَّا الأوضاع الخارجيَّة فكانت مؤاتية. فالبُندُقيَّة كانت مُرتبطة مع الدولة العُثمانيَّة بمُعاهدة وليس من مصلحتها نقضها، وكذلك جُمهُوريَّة رجوسة التي كانت قد حصلت قُبيل ذلك على بعض الامتيازات الجديدة من الدولة العُثمانيَّة.[74] أمَّا الدولة الصفويَّة فكانت قد فقدت مؤسسها الشاه إسماعيل الذي توفي قبل نحو سنتين من هذا التاريخ؛ يوم 19 رجب 930هـ المُوافق 23 أيَّار (مايو) 1524م،[75] وخلفه ابنه الشاه طهماسب، ولم يكن قادرًا على خوض حربٍ مع الدولة العُثمانيَّة على الرغم من تآمره مع شرلكان. أمَّا الأفلاق فقد خضعت للعُثمانيين، وأمَّا شرلكان فكان مُنهمكًا بالمُشكلات الأوروپيَّة إلى درجة أنه يصعب عليه التدخُّل في الشرق.[74]
استغلَّ السُلطان هذه الأوضاع الداخليَّة والخارجيَّة المؤاتية، وانطلق يوم 4 رجب 932هـ المُوافق 25 نيسان (أبريل) 1526م على رأس جيشٍ يُقدَّر بما بين خمسين ألف ومائة ألف جُندي وثلاثمائة مدفع وثمانمائة سفينة[44][76][la 4][la 33] في نهر الطونة، ومرَّ أثناء زحفه بأدرنة، فالتحق بركابه بكلربك الأناضول بهرام باشا مع عسكر إيالته،[77] وكذلك الصدر الأعظم إبراهيم باشا الذي كان بكلربكًا للروملِّي كما أُسلف. وسار الجمع حتَّى بلغوا مدينة بلغراد، فاتخذها السُلطان مقرًا لقيادته الحربيَّة.[76]
فتح قلاع وارادين وإيلوق وغيرها
كلَّف السُلطان الصدر الأعظم إبراهيم باشا بفتح جميع القلاع الصغيرة الواقعة ما وراء نهر الطونة لتسهيل التقدُّم لما بعده، فسار إبراهيم باشا ناحية قلعة «إسلانقمن» أولًا، وحاصرها سبعة أيَّام، ثُمَّ لغَّم أسوارها ونسفها، فدخلها العُثمانيُّون فاتحين. وكانت هذه القلعة وغيرها خاضعة لحكم نبيلٍ مجريّ يُدعى بولس طوموري، فأحضر الكثير من السُفُن وملأها بعددٍ غفيرٍ من الجُنُود، وأرسلها ليقطع الطريق على المُسلمين ويمنعهم من المُرور من أمام القلعة المذكورة، ولكنَّه لم يصمد أمام هُجُوم سُليمان ريِّس قائد السُفُن العُثمانيَّة، ففرَّ طوموري بنفسه مُكرهًا إلى سُهُول سكدين وفرَّت سُفُنه صوب «إيلوق» (بالكرواتية: Ilok) عن طريق نهر الطونة، وما إن وصلوا إليها حتَّى أمر طوموري بتمركز ما بين مائة أو مائتيّ فارسٍ فيها استعدادًا للدفاع عنها ضدَّ العُثمانيين.[78]
وفي 28 شوَّال 932هـ المُوافق 8 آب (أغسطس) 1526م فتح إبراهيم باشا قلعة «وارادين»، ثُمَّ سار نحو «إيلوق» ففتحها أيضًا بالأمان وأحسن إلى أهلها، كما فُتحت قلاع «قوتيك» و«مترفجة» و«إيريك» و«غوغورفجة» و«لوكاي» و«صوتين» و«دلقوار» و«أردود» و«جرونيك» و«راجة» و«أوسك»، وهرب الكثير من أهالي هذه القلاع من أمام العُثمانيين، في حين لجأ بعضهم الآخر إلى العتبة السُلطانيَّة طالبين الأمان. وسُوِّيت قلعة «أوسك» بالأرض تمامًا، ثُمَّ شرع الجُند بتشييد جسرٍ واسع على نهر دراوة ليعبر منه الجيش العرمرم إلى الضفَّة الأُخرى، فاكتمل خلال ثلاثة أيَّامٍ فقط. وفي 12 ذي القعدة 932هـ المُوافق 20 آب (أغسطس) 1526م، عبر الجيش العُثماني إلى بلاد المجر، وما إن تمَّ عُبُورهم حتَّى أمر السُلطان بقطع الجسر،[78] وقيل أمر بقصفه بنيران المدافع، وكان هدفه أن يُعلم الجُند أنَّه لا عودة للوراء، وليس أمامهم سوى فتح المجر.[70] وبلغ السُلطان أنَّ الملك لويس قد نزل في سهل بلدةٍ يُقال لها «موهاج» (بالمجرية: Mohács) ومعه جيشٌ كبير، فتوجَّه لقتاله فورًا.[77]
واقعة موهاج الكُبرى

كان الملك لويس قد أرسل سُفراءه إلى العواصم الأوروپيَّة طالبًا من حُكَّامها نجدته من العُثمانيين الزاحفين نحوه،[79] لكنَّ نشاطه وقف عند هذا الحد، في حين تحرَّكت الدول الأوروپيَّة ضمن دائرة مصالحها، فحثَّ البابا إقليموس السابع الحُكَّام النصارى لمُساعدة دولة المجر المسيحيَّة المُهدَّدة، في حين نصح مارتن لوثر الأُمراء الپروتستانت أن يلزموا أوطانهم، وبقي شرلكان في إسپانيا وهو عاجزٌ عن تقديم المُساعدة بفعل المُشكلات التي كان يُواجهها في أوروپَّا، كما لم يُحرِّك هنري الثامن ملك إنگلترا ساكنًا.[44][80] وهكذا، لم يكن أمام لويس الثاني سوى مُواجهة العُثمانيين وحيدًا.
اختار لويس سهل موهاج للقاء الجيش العُثماني بهدف قطع الطريق عليهم إلى العاصمة بودا،[81] الواقعة على بُعد مائة وسبعين كيلومترًا شمال السهل المذكور، ذي المُستنقعات والسبخات الكثيرة.[71] وصل تعداد الجيش المجري إلى أربعين ألف جُندي وثمانين مدفعًا، لم يصل منهم إلى ميدان القتال سوى خمسةٍ وعشرين ألف رجل وخمسين مدفعًا،[la 34][la 35] بينما تراوح عدد الجيش العُثماني بين خمسين ألف ومائة ألف جُندي وثلاثمائة مدفع.[la 36][la 35]

تقابل الجمعان في سهل موهاج يوم 12 ذي القعدة 932هـ المُوافق 29 آب (أغسطس) 1526م، ونزل السُلطان سُليمان بين صُفُوف الجُند بعد صلاة الفجر، وخطب فيهم يحثُّهم على الجهاد، ثُمَّ دخل بين صُفُوف القپوقوليَّة وخطب فيهم أيضًا قائلًا: «إنَّ روح رسول الله ﷺ تنظر إليكم»، فلم يتمالك الكثيرون منهم أنفسهم، وبكوا تأثُرًا وفرحًا. بادر المجريُّون بالهُجُوم عصر اليوم المذكور، فأمر السُلطان فرق الروملِّي بالانشطار إلى قسمين وجرِّ العدوّ إلى الداخل لسحقه.[70] استعرض العُثمانيُّون قوَّتهم أمام المجريين، وعزفوا موسيقاهم العسكريَّة المُثيرة للحمية من باب الحرب النفسيَّة، وفي ذلك قال البجوي: «... سارت كافَّة وَحدات العَسكَر التي هي في هيبَة الفُلْك، صوب الكُفَّار كالقضاءِ السَّمَاوي والسَّيل المُبَاغت، وانطفئ اللَّهب وانتزع من أصوَات الدُّفُوف والطُبُول العَالِيَة، ومن أصداء المزامير، وأحيانًا من أصداء النَّاي ومن صَيحَات الرِّجَال وَصهيل الخيل وِمن صوت رفرفة الرَّايات، وهكذا التحم الجواد بالجواد وتكاتفت الرِّجال مع الرِّجال حتَّى لم يكن من المُمكن حصرهم».[82]

هجم فُرسان المجر، المشهورون بالبسالة والإقدام، تحت قيادة الملك لويس على صُفُوف العساكر العُثمانيَّة، فتقهقر أمامهم العُثمانيُّون خلف المدافع، ولمَّا وصلت فُرسان المجر بالقُرب من المدافع أمر السُلطان بإطلاقها عليهم، فأُطلقت تباعًا وتوالى إطلاقها بسُرعةٍ غريبةٍ أوقعت الرُعب في قُلُوب المجريين، وحصدت منهم المئات.[76] وتمكَّن ثلاثة فُرسان من الاقتراب من السُلطان، وأصابوه بسهمٍ، لكنَّه لم ينفذ من درعه، فقاتلهم بنفسه وقتل ثلاثتهم بسيفه. دُمِّرت الخيَّالة المجريَّة تدميرًا كاملًا بالمدفعيَّة العُثمانيَّة، وناور القائدان بالي بك بن مالقوج وخسرو بك الجُند المجريُّون وساقوهم نحو المُستنقعات،[70] فحصدتهم الإنكشاريَّة حصدًا بنيران البنادق، ومن المعروف أنَّ العُثمانيُّون استخدموا وضع الرماية أثناء الركوع خلال هذه المعركة، فكانت تلك المرَّة الأولى في التاريخ التي يلجأ فيها جيشٌ لهذه الطريقة القتاليَّة، إذ شكَّل مائتيّ جُندي من حملة البنادق تسعة صُفُوفٍ مُتتالية، وأطلقوا نيرانهم صفًا تلو الآخر باتجاه الأعداء، دون أن يحتاجوا إلى الراحة أو التزوُّد بالعتاد، فكان يتقدَّم صف ويركع ويليه صفٌ من الرجال الواقفين، فيُطلقون النار ويتراجعون، فيتبعهم صفٌ آخر، وهكذا.[la 37]
دامت الحرب ساعةً ونصف تقريبًا، ثُمَّ أخذ المجريُّون يتقهقرون مُنسحبين، وأُصيب الملك لويس بجراح،[77] وأثناء مُحاولته الهرب سقط عن ظهر فرسه في الماء، فمات غرقًا، وكذلك كان حال سبعة من أساقفته وجميع كبار قادة جيشه، ووقع آلاف الجُنُود في الأسر. وهكذا انتهت هذه المعركة بلمح البصر، حتَّى أنَّ المجريين لم يتمكنوا من إدراك ما حاق بهم، وصارت جُيُوشهم الشهيرة في ذمَّة التاريخ.[70][83] أمَّا العُثمانيين فكانت خسائرهم ضئيلة مُقارنةً بالخسائر المجريَّة، فخسروا ما بين ألف وخمسمائة إلى ألفيّ جُندي،[la 38] وفي هذا قال مُنجِّم باشي: «... ومع ذلك كان قَتلَى المُسلمين أقل مِنَ القليل، فَكَأنَّ الله
قَتَل الكُفَّارَ بجُنُود الغيب».[77] ويُقال أنَّ السُلطان لمَّا شاهد جُثَّة الملك المجري قال: «أتيتُ طلبًا لقتاله، لَكنني لم أرغَب موته وهو لَم يذُق حلَاوَة الدُنيَا والمُلك بَعد».[la 39]
استعرض السُلطان قُوَّاته الظافرة في سهل موهاج يوم 14 ذي القعدة المُوافق 31 آب (أغسطس) من السنتين سالفتيّ الذكر، فحيَّته الجُنُود، ثُمَّ أقبل عليه جميع القادة وقبَّلوا يده. وبعد صلاة الفجر يوم 17 ذي القعدة المُوافق 3 أيلول (سپتمبر)، أخذ الجيش يزحف شمالًا بمُحاذاة ساحل نهر الطونة الغربي مُتجهًا إلى العاصمة المجريَّة بودا.[70]
فتح مدينتيّ بودا وبست


أرسل أهالي مدينة بودا رُسُلًا إلى السُلطان العُثماني أثناء زحفه شمالًا، فسلَّموه مفاتيح العاصمة المجريَّة وطلبوا منه الأمان، فاستلمها منهم وأحسن إليهم.[76][84] كما قابله أمير الأردل يُوحنَّا زابوليا على رأس ثلاثين ألف جُندي وعرض طاعته، وذلك لأنَّ زابوليا كان على خلافٍ كبير مع الملك لويس، إذ كان من جُملة الأُمراء والنُبلاء الذين طالبوه بطرد الألمان والنمساويين من البلاد لازدياد نُفُوذهم.[70]
وسُرعان ما وصل السُلطان العاصمة المجريَّة ودخلها يوم 24 ذي القعدة 932هـ المُوافق 10 أيلول (سپتمبر) 1526م، وشدَّد على الجُنُود بعدم التعرُّض للأهالي والمُحافظة على النظام،[85] فـ«لم يلحق أي ضرر بمال أي كافر أو خسارة بأهله وعياله»، واستقبلت الحامية العسكريَّة سُلطانها الجديد وقد علَّقوا سُيُوفهم وأكفانهم في رقابهم، ومرَّغوا وجوههم في التُراب مُتضرِّعين.[84]
غنم العُثمانيُّون خزائن الملك لويس الوفيرة وأمتعته القيِّمة، ثُمَّ زُيِّنت المدينة وأُقيمت بها المجالس والضيافات السُلطانيَّة لعشرة أيَّامٍ كاملة، وأحسن السُلطان إلى الأعيان وأرباب اللعب واللهو والنُدماء. وفي ختام الأيَّام العشرة المذكورة، تمَّ بناء جسرٍ على نهر الطونة كان السُلطان قد أمر به، فعبرت الجُنُود عليه ناحية مدينة «بست» وحاصرتها ثُمَّ دخلتها بعد أن أضرمت النيران فيها.[84]
فتح قلاع سكدين وتبتل وباج ومجالينة

ما أن تمَّ فتح بودا وبست حتَّى سيَّر السُلطان الصدر الأعظم إبراهيم باشا في عسكر الروملِّي للإغارة على بلاد الأردل. فعبر المذكور نهر تيسة وعاث في تلك البلاد ثمانية أيَّام، فغنم الجُند أموالًا عظيمة، وسبوا أسارى كثيرة، ووصلت أقدام جُند الإسلام عند هذه المرحلة مجالها الأقصى في أوروپَّا الوسطى، بحيث لم تبلغ الفُتُوحات أبعد من هذه النقاط بعد ذلك.[77]
وفتح العُثمانيُّون خلال هذه الحملة قلعة سكدين و«تبتل»[84] ثُمَّ باج، التي أبدت مُقاومة شديدة، إذ تحصَّنت حاميتها وأهلها في كاتدرائيَّتها وبذلوا النفس والنفيس في مُقاومة العُثمانيين، فقتلوا كثيرًا منهم قبل أن يستسلموا. وفرَّت جماعة من المجريين إلى قلعة «مجالينة» جوار «باج» و«وارادين»، فحفروا الخنادق حولها وأحكموا أطرافها وتحصَّنوا بداخلها. ولمَّا وصل الخبر إلى الصدر الأعظم، هاجم القلعة بمن معه من الجُنُود، ودارت بين الطرفين رحى معركة وقتال «لم يحدث مثله في فتح أي قلعةٍ حصينة»، فقُتل من المُسلمين آغا الإنكشاريَّة المدعو «شُجاع آغا»، والسَكْبَانباشي[ط] وقائد الجاووشيَّة، والكثير من قادة المُشاة والأُمراء الغُزاة. ولم يكف المجريُّون عن القتال حتَّى بعد أن تمَّ فتح القلعة، فاستمرُّوا ينقضون على العُثمانيين ويُقتلون الواحد تلو الآخر.[87]
حصل الفاتحون على قدرٍ هائلٍ من الغنائم بُعيد تمام هذه الحملة، بحيث كان نصيب الجُندي يزيد عن النصاب، فملأ كُل عسكريّ حمله من الأواني الفضيَّة والذهبيَّة ومن الأقمشة النفيسة، وألقى الجل والخرقة التي كانت زائدة عن حاجته، وساقوا الأسرى أمامهم، فتبيَّن أنَّهم كانوا «يزيدون عن أضعاف جُند الإسلام».[87]
تنظيمات السُلطان في المجر وعودته إلى إسلامبول

بعد تمام الأمر للعُثمانيين، جمع السُلطان أعيان القوم وأُمراءهم وأعلن دعمه تعيين يُوحنَّا زابوليا ملكًا على المجر،[85] على أن يكون تابعًا للدولة العُثمانيَّة.[70] والحقيقة أنَّ انتصار العُثمانيين وانهيار الملكيَّة المجريَّة أدَّت إلى انقسام أشراف البلاد، ففي حين كان زابوليا يحظى بتأييد مُعظم صغار النُبلاء، كان فرديناند أرشدوق النمسا وشقيق الإمبراطور شرلكان، يحظى بدعم أغلب كبارهم، من أقطابٍ وبارونات، إضافةً إلى رجال الدين الكاثوليك. فكان من نتيجة ذلك أن تقسَّمت بلاد المجر إلى ثلاثة أقسام: قسمٌ يحكمه زابوليا الذي انتُخب في سِكِشفهروار يوم 10 تشرين الثاني (نوڤمبر) 1526م، وقسمٌ يحكمه فرديناند الذي انتُخب في پُوزُنِ يوم 17 كانون الأوَّل (ديسمبر) 1526م وضمَّه إلى مُلكه في بوهيميا،[la 40] وقسمٌ ضمَّه السُلطان سُليمان إلى الدولة العُثمانيَّة.[70]
أمر السُلطان أيضًا بنقل عدَّة آلاف من العائلات المجريَّة المسيحيَّة واليهوديَّة ممن كانوا مرغوبين لمهاراتهم وكفاءاتهم إلى بلادٍ أُخرى ضمن الدولة العُثمانيَّة، فأسكن عدَّة بُيُوت من هؤلاء في ضاحية «يدي قلعة» لإسلامبول، وأرسل بعض اليهود ليستوطنوا سالونيك، وبعضهم الآخر إلى الممالك الأُخرى.[84] بعد ذلك قفل السُلطان عائدًا إلى عاصمة مُلكه، وأخذ معه كثيرًا من نفائس البلاد وأهمَّها الكُتُب التي كانت موجودة في خزائن كنيسة متياس كورڤن،[85] وثلاثة تماثيل مصنوعة من البرونز كانت موجودة خارج باب العاصمة المجريَّة، فحُملت في السُفُن وأُرسلت إلى إسلامبول ليراها الناس، ووُضع كُلٌ منها على كُرسيٍّ حجريّ في ميدان الفُرُوسيَّة، وكذلك شمعدانتان كبيرتان، وكانتا مطليتين ومُزخرفتين، ووُضعتا على يمين ويسار محراب جامع آيا صوفيا.[84] وفي أثناء عودته، أقام السُلطان أُسبوعًا في مدينة أدرنة، ثُمَّ وصل إلى إسلامبول في 17 صفر 933هـ المُوافق 23 تشرين الثاني (نوڤمبر) 1526م.[85]
فتن الملاحدة
تزامن انشغال السُلطان سُليمان بفتح الديار المجريَّة مع ظُهُور مجموعة من غُلاة الصوفيَّة والباطنيَّة الذين بلغوا مبلغ الإلحاد، في أطراف الأناضول، وكان أبرزهم: «طُقُز أوغلان» و«وليّ خليفة» و«قرەعيسى» في سنجق أضنة، و«بكجة بك» في سنجق طرسوس، فاجتمع على كُلٌ منهم جمعٌ من المُفسدين وشرعوا في الإغارة على النواحي وقطع الطُرُق، فبرز لهم أمير أضنة «پيري بك بن رمضان» وشرع في قتالهم المرَّة تلو الأُخرى، فقضى على حركة «طُقُز أوغلان» و«بكجة بك» أولًا،[88][89] ثُمَّ سار لقتال «وليّ خليفة» و«قرەعيسى» اللذان كانا قد اقتحما مدينة طرسوس ويُقاتلان أميرها، فوصل پيري بك وهزمهم، وأعدم من لم يُقتل منهم في المعركة، ليتبيَّن أنَّ «وليّ خليفة» المذكور كان من أتباع الشاه طهماسب بن إسماعيل الصفوي، وقد نال منه لقب «خليفة»، وشرع في الدعوة له في تلك البلاد.[89]
فتنة بابا ذو النون
ظهر خلال الفترة نفسها رجلٌ مُلحدٌ من تُركمان سنجق «بوزاوق» يُقال له «بابا ذو النون»، واجتمع عليه جمعٌ كثيرٌ من الأراذل والأوباش، فخرجوا على أمير سنجقهم مُصطفى بك بن أحمد باشا بن هرسك، وقتلوه، كما قتلوا مُحرِّر الولاية القاضي «مُصلح الدين» وكاتبه مُحمَّد، وهجموا على إيالة سيواس وأغاروا على أموال الناس وأرزاقهم.[77][90] ولمَّا عُرض أمره على الركاب السُلطاني، عُيِّن لدفع غائلته بكلربك القرمان «خُرَّم باشا بن إسكندر»، فسار في عسكر إيالته وقاتل العاصي المذكور قُرب مدينة قيصريَّة، فانهزم وقُتل،[91] وقُتل معه كثيرُ من الجُند العُثماني وأُسر مثلهم، فعظُم أمر ذا النون جدًا، وسار مُخرِّبًا للبلاد من «أرتق آباد» إلى «قازاباد» من أعمال توقاد. أرسل بكلربك بك سيواس حُسين باشا ألف مُقاتلٍ مع أمير ملطية إسكندر بك ليتجسسوا حال العُصاة، لكنَّ هؤلاء خرجوا إليه وقتلوا أكثر من معه، ونجا إسكندر بك في جمعٍ قليل بعد مشقَّةٍ عظيمة، الأمر الذي دفع حُسين باشا إلى الخروج بنفسه إلى قتالهم، فتحاربوا في موضعٍ يُقال له «هويغلي»، فقُتل بابا ذو النون وألف من أعيان أصحابه، وهرب البقيَّة إلى جبلٍ حصين حيثُ انتظروا حُلُول الظلام، فهاجموا الجيش العُثماني وفرَّقوهم، وأُصيب حُسين باشا في غمرة القتال ومات مُتأثرًا بجراحه بعد قليل. دفع هذا الانتصار جماعة الملاحدة هذه إلى التسلُّط على القُرى والبلدات، فأغاروا عليها أيَّامًا عديدة، إلى أن خرج إليهم والي ديار بكر خسرو باشا في عسكر إيالته، فحاربهم وقاتلهم حتَّى أفناهم عن بُكرة أبيهم، وأرسل إلى العتبة السُلطانيَّة بانقضاء هذه الفتنة.[77][90]
فتنتا قلندر وسيدي بك
لم تكد تنتهي الفتنة سابقة الذكر، حتَّى خرج شخصٌّ قلندريٌّ في الأناضول من أحفاد الشيخ بكطاش وليّ، يُدعى «قلندر» أيضًا، قيل بأنَّ نسبه الكامل هو: «قلندر بن إسكندر بن بالم سُلطان بن رسول چلبي بن حبيب أفندي بن بكطاش وليّ»،[92] فادَّعى السلطنة واجتمع عليه جمعٌ عظيم من أتباع الطريقة القلندريَّة وملاحدة الروم ومُفسدي التُركمان، فشرع في الفساد وتخريب النواحي، ولمَّا وصل الخبر إلى السُلطان باختلال أمور الأناضول لكثرة من خرجوا بها عن الطاعة، وكان ما يزال بالمجر، أرسل بكلربك الأناضول بهرام باشا لإخماد نار الفتنة، وأردفه بالصدر الأعظم إبراهيم باشا في شهر مُحرَّم 933هـ المُوافق لشهر تشرين الأوَّل (أكتوبر) 1526م.[93]
ولمَّا وصل إبراهيم باشا إلى قُرب آق سراي خاف فرار الملاحدة إلى الدولة الصفويَّة، فسيَّر بكلربك الأناضول بهرام باشا وبكلربك القرمان محمود باشا إلى قتال قلندر المذكور، فساروا إليه واشتبكوا معه ومع جماعته في 8 رمضان 933هـ المُوافق 17 حُزيران (يونيو) 1527م في موضعٍ يُسمَّى «صمنة»، فاشتدَّ القتال وكان النصر بجانب قلندر وجماعته، فقُتل محمود باشا وعددٌ من أُمراء العُثمانيين، منهم: أمير علائية سنان بك، وأمير أماسية قوجي بك، وأمير البيرة مُصطفى بك، وغيرهم من أعيان القادة، وتفرَّقت بقيَّة العسكر.[93]
كان من نتيجة هذا النصر أن عظُم أمر قلندر، فانضمَّ إليه خلقٌ كثير من إيالة ذي القدريَّة، وسبب تعاطف أعيان هذه الإيالة مع حركة القلندريَّة يرجع إلى سوء سياسة الوزير فرحات باشا المذكور سابقًا، ذلك أنَّ هذا الوزير لمَّا قتل علي بك بن شهسوار أمير ذي القدريَّة واستأصل أهل بيته عرض للسُلطان أن يرفع التيمار من طائفة ذي القدريَّة، ويجلب محصولات التيمار كُلّها إلى الخزينة السُلطانيَّة، ففعل، وكان الذين قُطعت تيماراتهم وأرزاقهم يترصّدون الفُرصة للانتقام من السلطنة، فانضموا إلى قلندر هذا عند خُرُوجه، فعظُم جمعه جدًا حتَّى بلغ ثلاثين ألف مُقاتل. وسار إبراهيم باشا إلى صوب البستان ومعه قُرابة عشرة آلاف مُقاتل فقط، فلم يجسر على مُقاومة المُخالف، فشاور العُقلاء المُجرِّبين في ذلك، فأشاروا عليه باستمالة الذيقدريين بإعادة تيماراتهم إليهم، فعمل برأيهم، فمال جميع الذيقدريين إلى جانبه، ولم يبقَ عند قلندر المذكور غير ثلاثة أو أربعة آلاف قلندري.[93]
ثُمَّ أرسل الصدر الأعظم قائدان من قادة الجاشنكيريَّة[ي] السُلطانيَّة هُما «بلال مُحمَّد» و«دلِّي پروانه» في عدَّة آلاف مُقاتل إلى قتال قلندر، فسارا وكبساه في ناحية «باش ساز» في جبال طوروس وانتصرا عليه بعد قتالٍ شديد، فقُتل قلندر في المعركة، وقُطع رأسه، ولم يفلت من أصحابه سوى جمعٌ قليل، فأُعطي «بلال مُحمَّد» لقاء خدمته هذه كيخيَّة القبُّوجيَّة[يا]، وأُعطي «دلِّي پروانه» مائة درهم لقاء كُل يومٍ عمل به.[93]
وفي هذه السنة أيضًا (933هـ = 1527م) خرج مُلحدٌ آخر اسمه «سيدي بك»، وكان ابن أخ أحمد بك أمير سنجق «عزين» من لواحق أضنة، فخرج على عمِّه المذكور وقتله، ونهب قبائل التُركمان، فاجتمع عليه قُرابة خمسة آلاف مُقاتل، فخرَّب ناحية «برندي» من أعمال مدينة «إياس»، وأحرق المدينة المذكورة نفسها، ولمَّا وصل الخبر إلى أمير أضنة «پيري بك»، ركب في عسكره من التُركمان وكبس هذا المُفسد وكان قد حاصر مدينة سيس، فجرى بينهم القتال الشديد، فانكسر أصحاب سيدي بك وقُتل أكثرهم، وهرب سيدي بك إلى جبال سيس، فجدَّ پيري بك في تحصيله حتَّى ظفر به وأسره، فأرسله مُعتقلًا إلى الباب العالي، فشُهِّر به ثُمَّ شُنق.[93] بعد ذلك خمدت هذه الفتن خلا فتنة وحيدة ظهرت في إسلامبول على يد مُلحدٍ يُقال له «قابض» كان يتكلَّم بالتُرَّهات، فقُبض عليه وحوكم ثُمَّ أُعدم.[93]
الحملة على النمسا
أسباب الحملة

كانت معركة موهاج ثقيلة بنتائجها على المجر وبالغة الأثر في أوروپَّا، فبالإضافة إلى تحطُّم المُقاومة ضدَّ العُثمانيين وتقسيم المملكة المجريَّة، فإنَّ الأرشدوق فرديناند لمَّا انتُخب ملكًا على قسمٍ من المملكة المذكورة، جمع في قبضته ثلاث دولٍ هي: النمسا والمجر وبوهيميا.[96] ويُعدُّ اعتلاء فرديناند هذا عرش المجر بدايةً لاتحاد تلك البلاد مع النمسا، ما سيكون له أهميَّة في تطوُّر أوروپَّا مُستقبلًا.[97]
وقد تفجَّر في ساحة موهاج نبعٌ جديد أمدَّ الإمبراطوريَّة الرومانية المُقدَّسة وآل هابسبورغ بالحياة، ذلك أنَّ الدفاع عن العالم المسيحي ضدَّ العُثمانيين كان من المُمكن أن يُلقى على كاهل المجر لولا موهاج، وقد وقع، بمحض الضرورة، على عاتق حُكَّام النمسا، فأضحت هذه الإمبراطوريَّة، بعد زوال مملكة المجر، الحاجز الضروري الوحيد والقوي في وجه امتداد أعظم دولة إسلاميَّة في ذلك الزمن.[97]
أدرك فرديناند، بعد قليلٍ من انتخابه، أن ليس من السهل البقاء في المجر لأنَّ البلاد تُضمر الكره لكُل ما هو ألماني ونمساوي، ولمُقاومة هذا الملك المُنتمي لهذه الفئة، تقدَّمت فئة من النُبلاء لانتخاب يُوحنَّا زابوليا، عدوّ آل هابسبورغ، مدعومين من السُلطان سُليمان كما أُسلف، إضافةً إلى الملك الفرنسي،[96] فلم يعد هُناك مجال للحيلولة دون اندلاع صراعٍ بين زابوليا وفرديناند حول تسيُّد القسم الأكبر من الديار المجريَّة.
سُقُوط بودا واستنجاد ملك المجر بالسُلطان
أرسل فرديناند جيشًا من المُرتزقة الألمان إلى المجر خلال شهر تمُوز (يوليو) 1527م لينتزع تلك البلاد من زابوليا، وحتَّى يُشغله عن مُقاومته، أثار فرديناند الفلَّاحين الصقالبة في جنوب المجر ودفعهم إلى عصيان ملكهم، فأرسل زابوليا جُنُوده إلى تلك الأنحاء ليقمعوا الثُوَّار، فانقضَّ الجيش النمساوي على العاصمة بودا وانتزعها بلمح البصر.[la 41]
سارع زابوليا إلى إرسال جيشه من الجنوب مُحاولًا استرداد عاصمته، فاشتبك مع النمساويين في معركةٍ دمويَّة بقريةٍ يُقال لها «ترتسال» شمال البلاد، فانهزم زابوليا شرَّ هزيمة وانسحب من الميدان يجر أذيال الخيبة، فدخل النمساويُّون المدينة، وتُوِّج فرديناند ملكًا على المجر في كاتدرائيَّة سِكِشفهروار، ووُضع على رأسه التاج المُقدَّس الشهير الذي كان العلامة الأبرز على شرعيَّة مُلك صاحبه. أمَّا زابوليا فقد فرَّ إلى بولونيا مُلتجئًا عند الأمير «يُوحنَّا تَرْنُسكي» (بالبولندية: Jan Tarnowski)، وكتب إلى السُلطان العُثماني يستنجده.[la 41][98]
وصل رسول زابوليا إلى الباب العالي وقابل السُلطان سُليمان يوم 3 جُمادى الأولى 934هـ المُوافق 3 شُباط (فبراير) 1528م وعرض عليه كتاب ملكه، فوعده السُلطان بمُساعدة الأخير وأُمضي مُعاهدة بذلك يوم 29 جُمادى الأولى المُوافق 29 شُباط (فبراير) من السنتين سالفتيّ الذكر. وبناءً على هذا الاتفاق أصدر السُلطان أوامره إلى جميع الجهات بالاستعداد للحرب وجمع الجُيُوش والذخائر، وعيَّن الصدر الأعظم إبراهيم باشا أميرًا للجيش، مُكافأةً له على خدماته الجليلة في مصر حين أرسله إليها لترتيب أحوالها، ولما أظهره من الكفاءة العسكريَّة في واقعة موهاج.[99]
ولمَّا علم فرديناند بنجاح مُهمَّة خصمه لم يتوانَ وأسرع بدوره بإرسال سفارة إلى إسلامبول، لكنَّ دبلوماسييه كانوا أقل براعةً من دبلوماسيي زابوليا، فعرض رئيس الوفد مطالب بلاده، وهي تقضي بإرجاع كُل الأراضي التي فتحها العُثمانيُّون في المجر بما فيها مدينة بلغراد.[100][101] وبحسب البجوي فإنَّ السفير المذكور قال للسُلطان: «لَو تَخلَى السُلطَان صَاحِبَ السَّعَادة عن كُلِّ المَمَالك التي فَتَحَهَا، نحنُ نتعهَّد في النِهَاية بِإهداءِ بعض الهَدَايَا من مَمَالك المَجَر».[102] وصُدم السُلطان للوهلة الأولى من هذا الطلب، فأمر بحبس أعضاء الوفد لتسعة أشهر قبل أن يُطلق سراحهم، وحمَّلهم تهديدًا لفرديناند،[100] فقال: «سأتوجَّه بِفضل الله الملك العلَّام على ملِكِكُم بِعسكر الإسلام المُكلَّلين بالنَّصر، فإذا كانت لَديه ذرَّة من الرُّجُوله، فليُقابلني في بچ[يب]».[102] ورُوي أيضًا أنه قال: «قُولُوا لمولَاكُم إنِّي زاحفٌ للقائِه بكُلِّ ما أوتيتُ من قُوَّة، وعندئذٍ سأمنحهُ ما يُريد، فليَتَهيَّأ لزيَارَتِنا».[104]
كما أرسل السُلطان أيضًا رسالةً أُخرى إلى يُوحنَّا زابوليا حيثُ نبَّه عليه بقوله: «عَليكَ أن تَجمَع قدرَ مَا تَستطيع مِن العسكر إلى جِوَارك، ولتَأتِ إلى بلغراد، أو أيِّ مكانٍ آخر يُمكنُ أن تصل إليه، وتَلتَحق بالجيش الهُمَايُونِي، ولا تُضايِق نفسك أبدًا بخُصُوص الزَّاد والزُوَّاد وسائر المهمَّات واللَّوَازم، ولا تُقصِّر في توفير المهمَّات وأخذ الاستعدادات، ويجب ألَّا يكونَ هُناك احتمال لأيِّ تكاسُلٍ في الالتحاق بركابنا الهُمَايُونِي».[102]
خُرُوج الحملة الهمايونيَّة إلى النمسا
خرج السُلطان من إسلامبول يوم 22 شعبان 935هـ المُوافق 10 أيَّار (مايو) 1529م، ويمَّم وجهه ناحية المجر بنيَّة استرداد بودا. وأرسل بكلربك الروملِّي قاسم باشا والصدر الأعظم إبراهيم باشا في مُقدِّمة العسكر.[98][102] قُدِّر تعداد الجيش العُثماني في هذه الحملة بين مائةٍ وعشرين ألفًا إلى مائةٍ وخمسةٍ وعشرين ألفًا،[la 42][la 43] نُقلت مؤنه وذخائره ومعدَّاته على ظهر اثنيّ وعشرين ألف جمل وعشرات الأُلُوف من البغال.[98] ولمَّا وصل السُلطان إلى جوار أدرنة التحق به بكلربك الأناضول بهرام باشا مع عسكر إيالته، ثُمَّ سار الجمع من طريق فيلپَّة وصوفية نحو بلغراد، ومنها توجَّهوا إلى صحراء موهاج حيثُ عسكر السُلطان، والتحق به زابوليا وجُنده، فاستقبله السُلطان في سُرادقه وأكرمه ووعده وُعودًا جليلة، منها أنَّهُ سيُعيد إليه عرش المجر.[105][106] وحرص السُلطان على إظهار العُثمانيين - المُمثلين للعالم الإسلامي - بأبهى مظهر وأعظمه أمام المجريين، وفي ذلك قال البجوي: «وَبَعدَ أن اصطفَّت وتزيَّنت كُل مجموعة في مكانها المُحدَّد، امتطى جُندُ المجر جيادهم مع مَلِكِهم، ومرُّوا بينَ يَديّ عسكر الإسلام المُنتَظِمين في صفَّينِ كالبحر، وتوجَّهوا إلى خيمةِ السُلطانِ، ولكن كانوا في حالةٍ من الصَّمتِ والدَّهشةٍ من مُشاهدةٍ مَهَابة عسكر الإسلام، حتَّى إنَّ دهشتهم كانت ظاهِرة عَلَى وُجُوهِهم».[105]
استرداد مدينة بودا

سار السُلطان بعد ذلك نحو مدينة بودا، فوصلها يوم 25 ذي الحجَّة 935هـ المُوافق 8 أيلول (سپتمبر) 1529م، ونُصبت المدافع عند أطرافها ونواحيها، وشرع العُثمانيُّون بقصف أسوار المدينة وقلعتها. صمدت الحامية النمساويَّة والألمانيَّة أربعة أيَّامٍ فقط، وقاوم المُحاصَرون هجمات العُثمانيين المُتواصلة من كُلِّ جانب حتَّى ظُهر اليوم الرابع،[105] حينما فرَّ فرديناند من المدينة مُتجهًا نحو عاصمته ويانة، فاستسلمت الحامية، وطلب قائدها الأمان لنفسه ورجاله، ووعد بتسليم المدينة وقلاعها إذا وعدهم السُلطان بالسماح لهم بالخُرُوج دون أن يتعرَّض أحد لحياتهم، فأجابهم إلى طلبهم، وشرعوا يخرجون أفواجًا مُتجهين نحو النمسا.[99]
وفي أثناء خُرُوجهم انقضَّ عليهم الإنكشاريَّة وقتلوا أغلبهم، وقيل أنَّهم فعلوا ذلك عصيانًا لأوامر قادتهم وضُبَّاطهم، وأنَّهم هدَّدوا هؤلاء إن حاولوا منعهم.[99] بالمُقابل، قال البجوي أنَّ سبب هذه المقتلة كان إمَّا لأنَّ أحد الجُند النمساويين سلَّ سيفه على أحد المُسلمين أثناء خُرُوجه، أو لأنَّ الإنكشاريَّة سمعوا صوتًا يصدر من إحدى العربات النمساويَّة، فتبيَّن أنَّ بها أسيرًا مُسلمًا لُفَّ بأثوابٍ ليُخفى أمره، فانقضُّوا على النمساويين وقتلوهم.[105]
وبعد ذلك بسبعة أيَّام أرسل السُلطان سُليمان السَكْبَانباشي ليُرافق زابوليا إلى القصر الملكي ويُقلِّده التاج المُقدَّس، وكان جواسيس فرديناند قد سرقوه وحاولوا الهُرُوب به إلى النمسا، لكن العُثمانيين تمكنوا من قطع الطريق عليهم واسترداد التاج منهم، فتُوِّج به زابوليا مُجددًا.[98][99] ولمَّا أثبتت التجربة أنَّ الأخير بجُنُوده غير قادر على حماية بودا في مُواجهة النمساويين، أمر السُلطان أمير سنجق إيلبصان «حسن بك» بحماية المدينة مع قدرٍ من جُند الإنكشاريَّة،[98][105] وأخذ يستعد لتقفِّي أثر فرديناند.
الحصار العُثماني الأوَّل لمدينة ويانة (ڤيينَّا)


بعد ترتيب أوضاع المجر، قرَّر السُلطان أن يُتابع زحفه باتجاه ويانة ليقضي على الخطر النمساوي ويُشتِّت جُيُوش تلك البلاد، فخرج على رأس جيشه، رُغم أنَّ الخريف كان على الأبواب، واصطحب معه زابوليا، وترك في بودا حاميةً للدفاع عنها وحفظ الأمن وتوطيده.[107]
كان وضع السُلطان العُثماني قويًا من الناحية الدبلوماسيَّة، فقد كان يرى أوروپَّا مُجزَّأة ومُنقسمة على نفسها أكثر من أيِّ وقتٍ مضى، كما كان يُتابع، بكُلِّ دقَّةٍ وانتباه، تطوُّر الوضعين السياسي والديني في ألمانيا، ورُبما كان على علمٍ بثورة الپروتستانت في إشبيرة سنة 935هـ المُوافقة لسنة 1529م، قبل زحفه على ويانة، ويُقدِّر مدى تأثير النزاع الديني على الأوضاع العامَّة في أوروپَّا.[107] أمَّا الأرشدوق فرديناند فكان وضعه يائسًا، وقد حاول عبثًا طلب المُساعدة من شقيقه الإمبراطور، واتفق مع البابا لاستملاك قسمٍ من أموال الكنيسة لتمويل نفقات الحرب، واستغلَّ الوقت، الذي خسره السُلطان سُليمان بفعل الأمطار المُستمرَّة والفيضانات، لاتخاذ استعداداتٍ كُتب لها النجاح، فعمد إلى ترميم الأسوار، وهدم الدور من حولها، وادَّخر الذخيرة والمؤن بكميَّاتٍ كبيرة، وخصَّص مراكز ضدَّ الحريق وسدَّ كُل أبواب المدينة إلَّا بابًا واحدًا.[108]
وصل العُثمانيُّون ويانة يوم 23 مُحرَّم 936هـ المُوافق 27 أيلول (سپتمبر) 1529م، وضربوا عليها حصارًا مُركَّزًا.[99] كان سُكَّان ويانة قد أخلوا مدينتهم، كما انسحب منها فرديناند وتوجَّه إلى لِنْز حيثُ يتسنَّى له، عند الحاجة، تنظيم النجدة والبقاء على اتصالٍ بأخيه شرلكان. وتولَّى الدفاع عن ويانة القُمَّس «نِقولا السَلْمِي» (بالألمانية: Niklas von Salm) على رأس قُوَّةٍ تُقدَّر بعشرين ألف مُقاتل، كان عليهم مُقاومة حصارٍ فرضه مائتا ألف جُندي عُثماني.[44][109] شرع العُثمانيُّون في حصار المدينة بالنقب واللَّغم، إذ لم تُنقل مدافع الحصار الثقيلة ولم تُحمل لطول المسافة وصُعُوبة الطريق. وأمر الصدر الأعظم إبراهيم باشا جميع التيماريين بحفر أساس السور، وأُمراء الآقنجيَّة بإعداد السلالم، وعسكر الأناضول والقپوقوليَّة بنقل الأشجار لملء الخندق المائي المُحيط بالمدينة وتسويته. وأُشعلت اللُقُوم الباروديَّة من موضعين، فهُدمت بها عدَّة مواضع من السور، وانقضَّ العُثمانيُّون لدُخُول المدينة من المواضع المذكورة، فقاتلتهم الحامية النمساويَّة ودافعوهم حتَّى سدُّوا ما هُدم كالأوَّل، ففشل هذا الهُجُوم وتكبَّد العُثمانيُّون خسائر كبيرة.[106][la 44] حاول العُثمانيُّون اقتحام المدينة ثلاث مرَّاتٍ أُخرى، واشتبكوا مع الحامية النمساويَّة في قتالٍ دمويّ، لكنَّهم رُدُّوا على أعقابهم في كُلِّ مرَّة بفعل وعي المُدافعين عنها ومتانة استحكامتها،[99] وكثرة مدافعها المُخصَّصة للدفاع عن القلاع، ولعدم وُجُود مدافع الحصار مع العُثمانيين كما أُسلف.[110]
رُغم فشل العُثمانيين في اقتحام المدينة، إلَّا أنَّ أوروپَّا كانت حينذاك تُمسك بأنفاسها، وتنتظر بقلقٍ نهاية هذا النزاع الذي سيُقرِّر مصير القارَّة. إذ انتشرت الأنباء في كُل أنحاء أوروپَّا بأنَّ السُلطان سُليمان أقسم أن يُخضع كُل سُكَّانها للإسلام، وأدرك الأوروپيُّون أنَّ الخطر لا يتعلَّق هذه المرَّة ببلاد المجر وحوض الطونة، بل بقلب أوروپَّا، فكان عليهم تجنيد كُل الطاقات لمُقاومة الغزو، لذا فإنَّ پروتستانت ألمانيا حشدوا قواهم ورتَّبوا الدفاع عن المدينة ترتيبًا مُحكمًا، ذلك أنَّ شرلكان هدَّّدهم بالعقاب إذا هم تخلُّوا عن فرديناند في هذه المحنة.[109]
عودة السُلطان إلى إسلامبول

دام حصار ويانة تسعة عشر يومًا فقط، من 23 مُحرَّم إلى 12 صفر = 27 أيلول (سپتمبر) إلى 16 تشرين الأوَّل (أكتوبر)،[111] وهي مُدَّة قصيرة جدًا لم تكن كافية حينذاك لإسقاط مدينةٍ بهذا الحجم عنوةً، فبلغراد مثلًا لم تُفتح إلَّا بعد ما يزيد عن ثلاثين يومًا، ورودس بعد خمسة أشهر،[98] لكنَّ الظروف الطبيعيَّة عاكست السُلطان، فلم يرَ مجالًا سوى رفع الحصار والعودة إلى إسلامبول، إذ أقبل الشتاء، فكان المطر ينهمر بغزارةٍ وبصُورةٍ مُتواصلة ليلًا نهارًا، حتَّى فاضت خنادق المُحاصِرين بالماء، ثُمَّ جاء البرد القارس ففتَّ في عضُد الجُنُود العُثمانيين، وعجز خط مواصلاتهم الطويل توفير المؤن والذخيرة التي أخذت تتضاءل، وبدأ الإنكشاريُّون يتهامسون فيما بينهم، لذلك لم يندفعوا للقتال، وأهاب السُلطان برجاله أن يبذلوا مُحاولةً أخيرة ووعدهم بجوائز سنيَّة، لكنهم كانوا غير راغبين في القتال بفعل الظروف الطبيعيَّة القاسية.[111]
ولم يلبث السُلطان نفسه أيضًا أن تخوَّف على سلامة جُنده وعديد جيشه، فعقد ديوانه وتقرَّر رفع الحصار عن ويانة والعودة إلى إسلامبول،[110][la 45] فجمع الإنكشاريَّة وقسَّم عليهم العطايا، فأعطى كُل رجلٍ منهم ألف آقچة، فتركوا الحصار. وخرج حينذاك أحد القادة النمساويين وطلب الأمان من السُلطان وأن يُطلق سراح الأسرى النصارى الذين وقعوا في يد العُثمانيين أثناء القتال، فاستجاب السُلطان لطلبه وأطلق ستين أسيرًا مسيحيًّا، شريطة أن يُطلق النمساويُّون سراح جميع الأسرى المُسلمين، ففعلوا.[106][110] وكان ممن أُطلق سراحهم حامل راية جُند البابويَّة، فأحضره إبراهيم باشا وحمَّله رسالة قبل أن يُخلي سبيله، فقال: «لم يأتِ سُلطانِنا صاحب السعَادَة من أجل أن يَأخذ «پچ»، إلَّا أنَّ غرضه الهُمَايُونِي كان أن يعرف «فرندوش»[يج] قدره، وإذا لم يعرف قدره بعد ذلك، سيأتي بفضل الله تعالىٰ وعندئذٍ لا يعجز عن أن يُعرِّفه حدُّه».[112]

وقفل الجيش العُثماني عائدًا إلى إسلامبول، فارتحلوا يوم 13 صفر المُوافق 28 أيلول (سپتمبر)، وساروا حتَّى بلغوا مدينة بودا ونزلوا في ضيافة يُوحنَّا زابوليا لفترةٍ قصيرة، ثُمَّ ودَّعه السُلطان وتابع سيره إلى دار مُلكه عن طريق بلغراد، وأعطى الإذن للعساكر بالرُجُوع إلى أوطانهم، ووصل إلى إسلامبول يوم 14 ربيع الأوَّل المُوافق 16 تشرين الثاني (نوڤمبر).[99][106][113] دامت هذه الحملة سبعة أشهر وسبعة أيَّام، وكلَّفت الدولة العُثمانيَّة قُرابة أربعة عشر ألف جُنديٍّ بين قتيلٍ وجريح،[98] دون أن تُحقق فتحًا مُستدامًا، ولم يُخفِ السُلطان إخفاقه أمام رعيَّته، فأعلن للناس أنَّه عاد دون أن ينتصر لأنَّ فرديناند رفض الخُرُوج إليه للحرب، ووعدهم بأنَّهُ سيُعاود الكرَّة،[114] وأمر بإعداد الجُيُوش للحمل على ويانة مُجددًا في أقرب فُرصة.[99] ونظر الغرب الأوروپي إلى وعيد السُلطان بعين الجد، وساد الذُعر مدينة رومة، ففرض البابا إقليموس السابع الضرائب حتَّى على الكرادلة لتوفير المال اللَّازم لتحصين الثُغُور التي يُمكن أن يدخل منها العُثمانيُّون إلى إيطاليا.[114]
أمَّا فرديناند فقد أرسل بعثةً أُخرى إلى البلاط العُثماني برئاسة «نقولا يُورِشِتس» (بالكرواتية: Nicolas Jurischits) وهو فارسٌ وحاجب خرواتي، يُرافقه «يُوسف دِلَمبار» (بالألمانية: Joseph de Lamberg) قُمَّس شنيبرغ، أحد نُبلاء أستريا، بهدف التفاهم مع السُلطان،[la 46] إذ كان الوضع الداخلي لفرديناند في بلاد المجر بدأ يهتز بعد أن أدرك النُبلاء الذين ساندوه أنَّه غير قادر لا على إعادة الوحدة إلى المملكة، ولا على طرد العُثمانيين، رُغم الجُهُود التي بذلها في سبيل ذلك.[111] طلبت هذه السفارة من السُلطان العُثماني أن يُقرَّ صفة الإمبراطور لشرلكان وأن يمنح المجر لأخيه فرديناند بنفس الشُرُوط التي مُنحت بها إلى زابوليا، أو بشُرُوطٍ أكثر مُلائمةً للدولة العُثمانيَّة. وكان سبب هذا التودُّد أنَّ شوكة شرلكان كُسرت وانهارت خطَّته ليُوحِّد أوروپَّا تحت مُلكه، بعد الضربات القاسية التي تلقَّاها من العُثمانيين، فحاول نيل مُراده سلمًا. لكن ردَّ السُلطان جاء عكس آمال الإمبراطور وشقيقه، فرفض العرض رفضًا قاطعًا على لسان الصدر الأعظم إبراهيم باشا،[98] إذ رأى أنَّ الظُرُوف مؤاتية للاصطدام بشرلكان ووضع حد لتوثُّبه على بلاد المُسلمين، وأنَّ العالم «لا يسع إلَّا عظيمًا واحدًا»، ولهذا كان لا بُدَّ من إزالة شرلكان وإمبراطوريَّته.[111]
مُحاولة فتح ويانة مُجددًا
أرسل فرديناند جيشًا بقيادة «غليوم الرُّوگِندُرفي» (بالألمانية: Wilhelm von Roggendorf) في شتاء سنة 937هـ المُوافقة لسنتيّ 1530 - 1531م، باتجاه الأراضي العُثمانيَّة، وغايته مدينة بودا، وسُرعان ما وصلها وضرب عليها حصارًا، وقصد من وراء ذلك الحُصُول على الصُلح الذي ينشده بالقُوَّة من السُلطان.[98][106] هرب زابوليا من المدينة قبل أن يُحاصرها النمساويُّون، وترك أمر الدفاع عنها لقائد الحامية «كُجُك قاسم باشا»، ومعه ثلاثة آلاف جُندي عُثماني وعشرة آلاف جُندي مجري.[98][106] صمدت الحامية المذكورة بوجه النمساويِّين وتمكَّنت من صدِّهم،[99] وبلغت أنباء الحصار مسامع أمير سمندريَّة مُحمَّد بك بن يحيى باشا، فجمع أُمراء الثُغُور وعساكرهم وسار فيهم، ومعه قريبه بالي بك بن مالقوج، وأشاع أثناء زحفه أنَّ جيشًا عُثمانيًّا عرمرمًا يسير باتجاه بودا بقيادة الصدر الأعظم إبراهيم باشا، ولمَّا وصل هذا الخبر إلى النمساويين اضطربوا وانتهى الأمر بفرارهم بعدما حاصروا المدينة شهرين، تاركين خلفهم أثقالهم ومدافعهم الكبار، فغنمها المُسلمون.[106] ولاحق مُحمَّد بك بن يحيى فُلُول الجيش النمساوي إلى أعماق النمسا، وعاد بآلاف الأسرى، وكان يُتوقَّع أن يكتفي السُلطان بهذا الرد، إلَّا أنَّهُ قرَّر القيام بحملةٍ جديدةٍ على النمسا، سواء للرد على حصار بودا أو على أمل ضرب جيش شرلكان في حربٍ ميدانيَّة.[98]
وفي 19 رمضان 938هـ المُوافق 25 نيسان (أبريل) 1532م، زحف السُلطان سُليمان غربًا مُجددًا لحرب الإمبراطور شرلكان، على رأس جيشٍ يُقدَّر بمائتيّ ألف مُقاتل وأربعمائة مدفع، قاصدًا مدينة ويانة لفتحها ومحو ما لحقه من فشلٍ في المرَّة الأولى.[99][115] ولمَّا وصل إلى نيش، جاءه مبعوثان من طرف فرديناند للتفاوض من جديد حول تحقيق السِّلم، غير أنهما فشلا في حمله على العدول عن موقفه.[115] ولمَّا وصل السُلطان بلغراد وجد فيها سفيرًا جديدًا من قِبَل ملك فرنسا، هو «أنطونيو رنسون» (بالفرنسية: Antonio Rincon)، فقابله السُلطان باحتفالٍ فائقٍ لم يسبق مثله لأي سفيرٍ غيره، وذلك أنَّهُ صفَّ لاستقباله عددٌ عظيم من الجُنُود وأُطلقت المدافع تحيَّةً لقُدُومه، وقابله السُلطان مُقابلةً خُصوصيَّة مُحاطًا بُوزرائه وقادة جُيُوشه، عكس ما حصل لمُرسلي فرديناند الذين قوبلوا بكُلِّ تحقيرٍ وامتهان.[99] وكانت غاية السفير الفرنسي حث السُلطان سُليمان على مُهاجمة شرلكان في إيطاليا لا النمسا، لكنَّ السُلطان رفض هذا العرض لتعذُّر تغيير خططه العسكريَّة، غير أنَّه وعد السفير بإصدار أوامره إلى أمير البحار خير الدين بربروس لمُهاجمة ميلانو وجنوة.[115][116] وجامل رنسون السُلطان العُثماني فقدَّم له خوذة ثمينة يعلوها أربعة تيجان، صُنعت له خصيصًا في البُندُقيَّة، وبلغت قيمتها مائة وخمسة عشر ألف دوقيَّة.[la 47] وفي تلك الأثناء كان سُكَّان ويانة يُقيمون التحصينات حول مدينتهم، استعدادًا لحصارٍ قاسٍ يُفرض عليهم.[111]


تابع الجيش العُثماني تقدُّمه، وانضمَّ إليهم بعد مُغادرتهم بلغراد خمسة عشر ألف فارس من تتر القرم تحت قيادة «صاحب كراي»، أخي خان القرم، ففتحوا أثناء مسيرتهم قلاعٌ عدَّة وحُصُون دون مًقاومةٍ تُذكر،[99] بعضها بالأمان وبعضها بالسيف،[117] لكنَّ المواجهة الهامَّة وقعت أمام مدينة گُنز المُحصَّنة، إذ أبدت من الدفاع أكثر مما كان يُتوقَّع منها لقلَّة حاميتها، ولولا الشهامة التي أبدتها حاميتها خلال الحصار العُثماني، لما ذكُر لهذه المدينة اسمٌ في التاريخ. ولمَّا رأى السُلطان هذا الصُمُود وأنَّ الاستمرار في حصارٍ فاشلٍ يُؤخِّر تحقيق الهدف الأساس للحملة، قَبِل بإجراء مُباحثاتٍ مع حاكم المدينة، وهو الفارس «نقولا يُورِشِتس» نفسه الذي وفد على السُلطان سفيرًا قبل ذلك، فقَبِلَ الأخير بتسليم القلعة للعُثمانيين، شرط ألَّا تدخلها الجُنُود، فقبل السُلطان هذا الشرط مُكافأةً لأهاليها على ما أبدوه من حُبٍ لوطنهم ولشهامتهم وإقدامهم في الدفاع عن بلدهم.[99][111] ونتيجة هذا الصُمُود، أطلق العُثمانيُّون على هذه الحملة «حملة گُنز».[118]
شعر شرلكان بالخطر المُحدق به، فأرسل أحد أعوانه إلى مُعسكر السُلطان ليُفاوضه بشأن عقد الصُلح واقتسام البلقان بينهما، على أن يُجمِّد السُلطان استعداداته العسكريَّة حتَّى يتفرَّغ شرلكان لمُحاربة فرنسوا ملك فرنسا. ويبدو أنَّ السُلطان ظلَّ وفيًّا للملك المذكور، فرفض أن يخون الحلف القائم بينهما مُقابل كسبٍ ماديّ، واشترط على شرلكان، حتَّى يقبل عرض الصُلح، أن يُعيد لفرنسوا كُل الأراضي التي انتزعها من مملكته، وكُل المال الذي أخذه منه.[116] عندئذٍ أخذ شرلكان يستعد لمُواجهةٍ مع العُثمانيين، فتلقَّى، بعد توسُّلاتٍ كثيرة، منحة من البرلمان الإمبراطوري ليُجنِّد الجُيُوش، وتمكَّن بمُساعدة فرديناند من تجنيد ثمانية وسبعين ألف جُندي، كما عقد صُلحًا مع اللوثريين في نورنبرغ ينص على مُشاركة الپروتستانت في المُقاومة ضدَّ العُثمانيين مُقابل تراجعه عن الإنذار الذي وجهَّه إليهم بالعودة إلى حظيرة الكثلكة، ما سمح له بمُقابلة العُثمانيين وهو مُطمئن على جبهته الداخليَّة.[119]
ولم يحظَ السُلطان سُليمان هذه المرَّة أيضًا بفريسته، ذلك أنَّ شرلكان لم يخرج للقتال وفضَّل البقاء خلف أسوار ويانة، رُغم مُحاولات السُلطان لاستدراجه للقتال في الميدان، فتجنَّب بهذا التصرُّف مُجابهةً كانت من دون شك خاسرة، ثُمَّ عمد إلى مُغادرة المدينة عند اقتراب الجيش العُثماني منها.[120] وبعد أن تسلَّم السُلطان قلعة گُنز، صار بإمكانه التوجُّه مُباشرةً نحو ويانة التي كانت تستعد لمواجهة حصارٍ جديد، لكنَّ الجيش العُثماني سار عوض ذلك نحو الغرب في اتجاه أستريا، ما أثار تعجُّب الجميع، ولا يُعرف لمَ قرَّر السُلطان ذلك، لكن يُرجَّح أنَّ ما بلغه عن استعدادات شرلكان للدفاع عن ويانة وما جمعه فيها من جُنُودٍ ألمان ونمساويين وإسپان وغيرهم، ونقص التجيزات العسكريَّة العُثمانيَّة، خاصَّةً المدفعيَّة، إضافةً لاقتراب فصل الشتاء بثُلُوجه وزمهريره اللذين لا يُمكن معهما استمرار الحصار بكيفيَّة ضامنة لفتح المدينة، كُل ذلك دفع السُلطان للرجوع إلى بلغراد.[111]
وكان الإمبراطور قد استعان بخدمات أمير البحار الجنوي الشهير أندرية دوريا، فأرسله لمُهاجمة السواحل العُثمانيَّة من البحر بهدف التخفيف من حدَّة الجبهة البريَّة. فاحتلَّ المذكور مينائيّ كورونة وبتراس في شبه جزيرة المورة، ودمَّر القلعتين اللتين أقامهما السُلطان بايزيد الثاني على ضفَّتي خليج ليپانت ببلاد اليونان.[111][121] تظاهر السُلطان بقلَّة اهتمامه بسُقُوط هذين الحصنين، غير أنَّ الحملة الإسپانيَّة هذه، التي جاءت بعد احتلال الإسپان لتلمسان في المغرب الأقصى، دلَّت دلالةً واضحة على عزم شرلكان على التصدِّي للعُثمانيين ومُضايقتهم، كي يُخفِّف الضغط عن الجبهة البريَّة، كما أُسلف.[111] نتيجةً لهذه العوامل، قرَّر السُلطان العودة إلى إسلامبول، فسار إليها ووصلها في 19 ربيع الآخر 939هـ المُوافق 18 تشرين الثاني (نوڤمبر) 1532م، وزُيِّنت المدينة وضواحيها عدَّة ليالٍ مُتوالياتٍ احتفالًا بعودته.[111]
الصُلح العُثماني النمساوي
أدرك فرديناند عدم جدوى الاستمرار في مُعاداة العُثمانيين ومال إلى الصُلح، فأرسل في أوائل سنة 1533م سفيرًا من قِبَله يُدعى «جيروم ديزار» إلى إسلامبول يعرض طلب الصُلح على السُلطان، فقابل الصدر الأعظم إبراهيم باشا وتباحثا في الشُرُوط. وفي يوم 8 جُمادى الآخرة 939هـ المُوافق 14 كانون الثاني (يناير) 1533م، قابل السُلطان السفير، ولم يقبل منه عرض الصُلح، بل قبل المُهادنة مؤقتًا حتَّى تُسلَّم إليه مفاتيح مدينة «جيور» (بالمجرية: Győr)، التي تُعد مفتاح ويانة، رمزًا للخُضُوع والولاء، وبعدها تُحوِّل الهدنة إلى صُلح.[122] فأرسل السفير ابنه «ڤسپازيان ديزار» في أوَّل شهر شُباط (فبراير) يصحبه رسولٌ من قِبَل السُلطان لعرض هذه الشُرُوط على فرديناند، فعرضها الأخير على أكابر النمسا وأعيانها، فقبلوها، وأرسل إلى إسلامبول خطابًا بذلك على يد الرسول العُثماني في 25 شوَّال المُوافق 29 أيَّار (مايو)، وبعد ذلك تحرَّرت بين الطرفين مُعاهدة الصُلح في 28 ذي القعدة المُوافق 22 حُزيران (يونيو)، لتكون أوَّل مُعاهدة صُلح بين العُثمانيين والنمساويين.[122]
وتمَّ بموجب هذه المُعاهدة تثبيت حُدُود الدولة العُثمانيَّة والإمبراطوريَّة الرومانيَّة المُقدَّسة على أساس الحُدُود المجريَّة النمساويَّة الحاليَّة تقريبًا،[123] وتضمَّنت المُعاهدة اعتراف السلطنة العُثمانيَّة بفرديناند ملكًا على بوهيميا وأرشدوقًا على النمسا، واستُثنت إسپانيا منها.[124] وأرسل فرديناند مفاتيح مدينة «جيور» إلى السُلطان، واعترف بسيادته على مُعظم بلاد المجر، وأعاد له مدينتيّ كورونة وبتراس، وقبل أن يعترف بالسُلطان «أبًا» له،[124] وأن يكون وفقًا للتشريفات العُثمانيَّة مُعادلًا لكُلٍ من يُوحنَّا زابوليا ملك المجر والصدر الأعظم، وأن يُخاطب أحدهما الآخر بـ«أخي».[la 48][la 49] والحقيقة أنَّه كانت هُناك عوامل أساسيَّة أدَّت إلى تحقيق الصُلح بين الطرفين، منها ما يتعلَّق بالعُثمانيين، ومنها ما يتعلَّق بالنمساويين.
أمَّا العوامل المُتعلِّقة بالنمساويين:[125]
- كان كُلٌ من شرلكان وفرديناند بحاجةٍ إلى السلم، فالمُشكلات الدينيَّة كانت في تصاعُدٍ مُستمر، وتقرَّب الپروتستانت من الملك الفرنسي فرنسوا الأوَّل، فاضطرَّ الإمبراطور إلى التراجع والالتزام بعد التصدِّي للأُمراء الپروتستانت الخارجين عليه.
- كان آل هابسبورغ، مثل العُثمانيين، بحاجةٍ إلى هُدنةٍ حتَّى يستأنفوا يومًا المعركة الطويلة التي يعرفون جيدًا أنها ستتواصل ما دام الطرفان على قيد الحياة.
أمَّا العوامل المُتعلِّقة بالعُثمانيين:[125]
- إنَّ الهجمات الأوروپيَّة على شبه جزيرة المورة والديار المغربيَّة، ولو كانت محدودة الأثر إلَّا أنها جاءت في وقتٍ غير مُلائم، وكان زحف العُثمانيين باتجاه قلب أوروپَّا فاشلًا إلى حدٍ ما.
- كان السُلطان سُليمان يتطلَّع مُنذُ مُدَّة إلى قيادة حملة ضدَّ الصفويين لتدعيم نُفُوذه في شرقيّ الأناضول استعدادًا لضمّ مدينة بغداد وسائر الديار العراقيَّة، لكنَّ الخطَّة الاستراتيجيَّة التي درج عليها سلاطين آل عُثمان، وهي تجنُّب القتال على جبهتين، اضطرَّته إلى تحقيق صُلحٍ مع النمسا ليضمن بقاء أعدائه في أوروپَّا في حال سلامٍ معه.
- عَلِمَ السُلطان سُليمان بأنَّ شرلكان كان على اتصالٍ دائمٍ مع الشاه طهماسب، في مُحاولةٍ منه لتنسيق العمليَّات ضدَّ الدولة العُثمانيَّة في الوقت المُناسب. وهكذا صار قتال الصفويين أولى من قتال الأوروپيين بالنسبة للسُلطان.
حرب الصفويين أو حملة العراقين
أسباب الحرب

تعدَّدت الأسباب والأهداف الحقيقيَّة لهذه الحرب بين العُثمانيين والصفويين، لكنها كانت عمومًا شبيهة بالأهداف والأسباب التي دفعت السُلطان سليم الأوَّل إلى غزو الديار الإيرانيَّة قبل ذلك بعشرين سنة، أي كان لها ما يكفي من الدوافع الوقائيَّة والتجاريَّة والسياسيَّة والمذهبيَّة.[126]
فأثناء انهماك العُثمانيين بالحرب مع النمسا، جرى اتصالٌ سرّي بين الصفويين والنمساويين أسفر عن تعاون الطرفين ضدَّ الدولة العُثمانيَّة، العدوّ المُتكافئ لكليهما،[127][la 50] كما أنَّ حوادث الحُدُود بين الدولتين العُثمانيَّة والصفويَّة، كانت أحد الأسباب المُباشرة لإذكاء الحرب بينهما في هذه الآونة، من حُكم السُلطان سُليمان، إضافةً إلى الأوضاع الشاذَّة التي حكمت الأقاليم الصغيرة الواقعة على الحُدُود بين الدولتين والسياسة المُتقلِّبة لحُكَّامها. وقد هدَّدت سيطرة الصفويين على بغداد في سنة 936هـ = 1530م، الطرق التجاريَّة بين الشرق وأوروپَّا تهديدًا خطيرًا، بفعل أنَّ العراق كان يربط هذه الطرق. واستاء العُثمانيُّون أيضًا من مُحاولة الشاه طهماسب إثارة الشيعة في الأناضول، مُقتفيًا بذلك خطى والده الشاه إسماعيل.[126]
أمَّا سبب تحرُّك الصفويين إلى بغداد فكان لأنَّ حاكمها ذا الفقار خان كان قد خلع طاعة الشاه طهماسب، ومال إلى السُلطان سُليمان، فأرسل إليه مفاتيح بغداد وأظهر الانقياد. ولمَّا بلغ ذلك الشاه طهماسب سار سريعًا وحاصر بغداد مُدَّة، فقاتله ذو الفقار خان أشدَّ قتال، ثُمَّ استمال طهماسب سرًا بعض خدم ذي الفقار المذكور وحطَّ من قدره أمامهم وحثَّهم على قتله، فقتلوه خلال نومه، فملك الشاه بغداد مُجددًا.[128] ولم يكن الصفويُّون قد تخلُّوا عن أطماعهم في مناطق عديدة بالأناضول الشرقيَّة، فسعوا إلى إغراء شرف خان بن شمس الدين حاكم بدليس التابع للدولة العُثمانيَّة، بخلع طاعة السُلطان واتباع الشاه،[129] فاستجاب لهم وانقاد للشاه، ولبس تاج القزلباش. واتُّفق أنَّ حاكم تبريز «أولامه خان التِكلوي»، الذي كان في الأصل من سپاهيَّة بلاد تكة في غرب الأناضول، ثُمَّ اتَّبع الداعية الصفوي شاهقُلي بابا بن حسن خلال عهد السُلطان بايزيد الثاني، وسار معه إلى بلاد إيران، فتقلَّب فيها إلى أن نال حُكُومة تبريز، ولمَّا كانت هذه السنة توهَّم من الشاه طهماسب، فهرب إلى الأناضول والتجأ إلى العتبة السُلطانيَّة، فأكرمه السُلطان وأقطعه بدليس، وأمدَّه بعسكر ديار بكر، وأرسله إلى قتال شرف خان، فقاتله قتالًا شديدًا وكسره وقتله، وسيطر على بدليس، وقتل كثيرًا من أتباع حاكمها السابق.[128] وكان السُلطان قد أرسل جيشًا في شهر صفر 940هـ المُوافق لشهر أيلول (سپتمبر) 1533م تعداده مائة وأربعون ألف جُندي بقيادة الصدر الأعظم إبراهيم باشا، لقتال شرف بك والسير بعد ذلك لمدينة تبريز لضمِّها للممالك العُثمانيَّة، فلمَّا وصل إلى قونية انضمَّ إليه أولامه خان ومعه رأس العاصي سالف الذكر، فأُرسلت إلى السُلطان، في حين اتجه إبراهيم باشا إلى حلب للإشتاء بها.[130][131]
قُدُوم خير الدين بربروس إلى إسلامبول

وفي تلك الأثناء قدِمَ إسلامبول أمير البحار وبكلربك الجزائر خير الدين بربروس في عدَّة سُفُن كبيرة،[128] بناءً على أمر السُلطان سُليمان. وفي طريقه هاجم خير الدين أُسطُولًا إسپانيًّا راسيًا في مضيق مسِّينة بصقلية، واستولى على كافَّة سُفُنه البالغ عددها ثماني عشر سفينة، فأضافها إلى سُفُنه الأربع وأربعين، ثُمَّ اتجه ناحية اليونان طلبًا لقتال أمير البحار الجنوي أندرية دوريا، الذي كان راسيًا بسُفُنه قُرب مدينة بروزة، لكنَّ الأخير انسحب ولم يستجب للقتال.[132] فتابع خير الدين إبحاره حتَّى دخل ميناء ناورين حيث كانت البحريَّة الهُمايونيَّة بقيادة القُبطان باشا كمنكاش أحمد، فانضمَّ إليه وحضر معه إلى إسلامبول في مشهدٍ عظيم لم يألفه سُكَّان المدينة، بحيثُ خرج الناس أجمعين إلى السواحل ليتفرَّجوا على هذا العرض الكبير، ويُشاهدوا خير الدين باشا الذي كانت أخبار بطولاته وجهاده البحري تصدح في الآفاق.[132]
اجتمع خير الدين باشا بالسُلطان سُليمان اجتماعًا مُطوَّلًا، وتباحثا بشؤون إسپانيا والبحر المُتوسِّط والمغرب والأساطيل العُثمانيَّة، وأعلن السُلطان دعمه الكامل لخير الدين، وتلخَّصت سياسته البحريَّة في تعزيز الأساطيل العُثمانيَّة بحيث تكون أقوى من مجموع الأساطيل الأوروپيَّة. وتعهَّد خير الدين بتحقيق ذلك من حيث تأمين تفوُّق مرمى المدافع العُثمانيَّة وتدريب البحَّارة تدريبًا عالي الكفاءة. وتقرَّر استبدال السُفُن والمدافع وتجديدها خلال بضع سنوات وبيع القديم منها إلى الداخل والخارج، والحرص على إبقاء التجهيزات البحريَّة مُتفوِّقة.[132] ثُمَّ أرسل السُلطان خير الدين باشا للقاء الصدر الأعظم في حلب وإتمام الاتفاق معه، فتوجَّه فورًا إلى المدينة المذكورة ومكث فيها يومين قابل خلالهما إبراهيم باشا وعرض عليه ما عرضه للسُلطان، مُضيفًا اقتراحًا آخر هو ضرورة إرسال أُسطُول إلى أمريكا لإنشاء مُستعمرةٍ فيها ومُزاحمة إسپانيا عليها، لكنَّ الصدر الأعظم أفاد بأنَّ لدى الدولة العُثمانيَّة أعمال مُهمَّة وكثيرة في البحر المُتوسِّط، إذ يجب كفّ يد الإسپان عن المغرب كفًّا مُطلقًا وإلَّا ستفعل إسپانيا بالمغاربة ما فعلته بالأندلُسيين وما تفعله بالأمريكيين الأصليين، وستسعى إلى تنصير شمال إفريقيا بكامله من المُحيط الأطلسي إلى مصر.[132]
عاد بربروس إلى إسلامبول بعد ذلك، فخلع عليه السُلطان وعيَّنه في الديوان الهمايوني، وكلَّفه بضمّ إقليم إفريقية، فأبحر لتنفيذ هذه المُهمَّة، بعد أن وضع في الترسانة العامرة هيكل إحدى وستين سفينة جديدة.[132]
ضمّ العُثمانيين مدينة تبريز للمرَّة الثانية
نهض إبراهيم باشا من حلب في 21 شوَّال 940هـ المُوافق 14 أيَّار (مايو) 1534م قاصدًا مدينة تبريز، فتوجَّه أولًا إلى آمد، ومنها سار أُفقيًّا ضامًا جميع البلاد والحُصُون المُجاورة لبُحيرة وان، مثل أخلاط وعادلجواز وأرجيش ووان. كما سيطر على جميع المناطق المُمتدَّة من پاسينلر إلى أولتي وأغرة، طاردًا الصفويين منها.[133]
تابع الصدر الأعظم زحفه باتجاه تبريز، فتراجع الصفويُّون أمامه، وتخلَّى الشاه طهماسب عن كثيرٍ من أراضيه على أمل الاحتفاظ بالجيش والدولة، ودخل إبراهيم باشا مدينة عرش إيران السابقة (إذ كان الشاه قد نقل مقرَّ العاصمة إلى قزوين) دون مُقاومةٍ تُذكر يوم 1 مُحرَّم 941هـ المُوافق 13 تمُّوز (يوليو) 1534م، وفرَّ الشاه طهماسب إلى قزوين.[131][133] سارع عددٌ من أُمراء الصفويين إلى خلع طاعة الشاه وإعلان ولائهم للسُلطان بمُجرَّد سُقُوط تبريز، منهم «مُظفَّر خان» أمير جيلان، والأُمراء الشروانشاهيين في شمال أذربيجان، فقدموا إلى الصدر الأعظم مُلعنين خُضُوعهم،[131][133] فأكرمهم غاية الإكرام، ثُمَّ أرسل عشرة آلاف مُقاتل إلى جبال «قُزلجة طاغ»، وهي جبال أذربيجان، حيثُ تجمَّعت الفرقة الأساسيَّة للقزلباش الهاربين، فخربوها مع نواحيها،[134] لكنَّهم خسروا كثيرًا من العسكر والدواب في الممرَّات الضيِّقة والمُحكمة، التي سهَّلت استهدافهم بالسهام.[135] وسُرعان ما وصل إلى مسامع إبراهيم باشا أنَّ الشاه حشد قُوَّاته، وعقد العزم على الزحف باتجاه العُثمانيين لطردهم من البلاد، فنصحه أولامه خان أن يتوجَّه نحو أردبيل فيضمَّها وأعمالها إلى الدولة العُثمانيَّة، لكنَّ جواسيس الصدر الأعظم أعلموه أنَّ الشاه يعتزم شن هُجومًا مُفاجئًا على الجيش العُثماني، فصرف النظر عن مُهاجمة أردبيل،[135] ولمَّا انتشرت المعلومة وسط الجُند، تصاعد التذمُّر، ورفض العسكر قتال الصفويين، وشاع قولهم: «لا يُقاتل السُلطان إلَّا السُلطان»، فتوهَّم إبراهيم باشا من قيام الفتنة، وسارع بالإرسال إلى السُلطان يُعلمه بالحال ويلتمس قُدُومه، فأجابه السُلطان فورًا.[134]
خرج السُلطان سُليمان من إسلامبول وتوجَّه شرقًا في عساكر القپوقوليَّة والأناضول والروملِّي والقرمان ودمشق وحلب وذي القدريَّة وديار بكر وكردستان والكرج،[134] فوصل إلى تبريز يوم 16 صفر 941هـ المُوافق 27 أيلول (سپتمبر) 1534م، فقابله الأهالي بكُل تبجيلٍ وتعظيم، فأحسن إليهم، وجعل حاميةً عُثمانيَّة في المدينة لمنع وقوع كُل ما يُمكن أن يُعكِّر صفو الراحة العُموميَّة، وعيَّن ابن أمير شروان قائدًا لها، وقابل أمير جيلان وقبل خُضُوعه وغيره من أُمراء الصفويين، ثُمَّ سار للقاء الصدر الأعظم،[131] الذي كان في ناحية «شنب غازان» شمال غرب تبريز، ويُروى أنه كان مُتخوفًا من ظُهُور الشاه طهماسب وعدم قدرته على التصدِّي له، ففتح دیوان حافظ ليتسلَّى ويستطلع الفأل، فطالعه بيت الشعر التالي:[135]
وتعريبه: «وصل البشير من جانب «آصف» وأتت إشارة الفرح من حضرة سليمان». فتفائل إبراهيم باشا من هذا، وسُرعان ما بلغه خبر وُصُول السُلطان، فقوي قلبه بهذا، فنهض بجيشه قاصدًا الشاه عازمًا على قتاله، فنزل في هضبة أوجان بين خوي وتبريز حيثُ التحق به السُلطان ومن معه من العسكر،[134][135] وتقرَّر مُلاحقة الشاه أينما كان للقضاء عليه إن أمكن.[136] سار الجيشان بعد التآمهما نحو مدينة سُلطانيَّة، ومنها إلى همدان،[134] وتلكَّأ السُلطان سُليمان مُتحريًا مكان الجيش الصفوي، أمَّا الشاه فكان عازمًا على ألَّا يتورَّط في حربٍ ميدانيَّةٍ مع العُثمانيين لئلَّا تُصيبه العاقبة التي أصابت أباه في چالديران، ولمَّا تبيَّن ذلك للسُلطان،[133] ورأى أنَّ صُعُوبة الطُرقات إلى قلب إيران تحول دون مُرُور المدافع الضخمة وعربات النقل بها لكثرة الأمطار والوُحُول، قرَّر ترك التقدُّم إلى داخل هذه البلاد والتوجُّه نحو بغداد،[131] بعد أن أسَّس إيالة أرضروم، وعيَّن مُحمَّد باشا الذيقدري واليًا عليها.[133]
ضمّ بغداد وسائر العراق

كان أهالي بغداد ينتظرون مجيء العُثمانيين بفارغ الصبر نتيجة أفعال حُكَّام المدينة ذوي المُيُول الصفويَّة، فقد انتهج هؤلاء سياسة التطرُّف المذهبي مع أهل السُنَّة،[137] فكانوا يُلاحقونهم ويضطهدونهم ويبتزونهم، ممَّا نمَّا تعاطف البغداديين مع العُثمانيين. أمَّا في جنوب العراق، فقد كان الحنين إلى العُثمانيين يتَّخذ، في البصرة والبحرين، مظهرًا أقوى، فنظر السُكَّان هُناك إلى العُثمانيين على أنهم مُنقذين من عسف الپُرتُغاليين الذين تعاونوا مع الصفويين، وأخضعوا الإمارات والمُدن الساحليَّة، وعزَّزوا سيطرتهم على مضيق هُرمُز، وزادوا الضرائب المفروضة على بلاد عُمان والقطيف ومسقط، وفرضوا رقابةً على الجمارك.[137] ونتيجة إحجام الشاه طهماسب عن مُواجهة العُثمانيين، وسيطرة هؤلاء على الطُرق التجاريَّة التي استخدمها هؤلاء الأُمراء المحليُّون في تنمية ثرواتهم من تجارة الحرير، بدأ هؤلاء الحُكَّام يتوجَّهون إلى إسلامبول طالبين دعم السلطنة العُثمانيَّة ومُساعدتها، كما وصلت رسائل استغاثة من البصرة وبغداد.[137][138]
توجَّه السُلطان سُليمان نحو بغداد ما أن انتصر على الصفويين كما أُسلف، مُصرِّحًا أنَّ المدينة ملكه بفعل أنَّ حاكمها ذا الفقار قد بعث إليه بمفاتيحها، وأنَّ احتلالها من طرف الشاه هو تحدٍّ له.[139] ولمَّا قرُب الموكب السُلطاني من بغداد هرب حاكمها الصفوي مُحمَّد خان توركمن وتركها خالية،[la 51] وترافق ذلك مع ثورة البغداديين على الصفويين بقيادة عُلماء أهل السُنَّة،[139] فبلغ الخبر الركاب السُلطاني، فأُرسل أولًا الصدر الأعظم، فدخل المدينة يوم 22 جُمادى الأولى 941هـ المُوافق 29 تشرين الثاني (نوڤمبر) 1534م دون قتال، ودخلها السُلطان بعد يومين في 24 جُمادى الأولى المُوافق 1 كانون الأوَّل (ديسمبر)،[134] واستقبله السُكَّان بمهرجانٍ عظيم، وحضر هذا الفتح الشاعر البغدادي مُحمَّد بن سُليمان الشهير بـ«فُضُولي»، فأنشد مادحًا السُلطان:[140]
وما أن وصلت أخبار دُخُول بغداد في حوزة الدولة العُثمانيَّة حتَّى بدأت المُدن العراقيَّة تُعلن انضمامها إلى سُلطة الباب العالي، فدخل العراق الجنوبي في طاعة السُلطان، وضمَّ العُثمانيُّون البصرة والقطيف والبحرين، فسيطروا بذلك على إحدى الطُرُق التجاريَّة الهامَّة التي تربط الشرق الأقصى بأوروپَّا، بواسطة الخليج العربي وبغداد والموصل وحلب، أو بواسطة بغداد ودمشق وصيدا، وترتَّب على العُثمانيين، نتيجة ذلك، مسؤوليَّات دفاعيَّة جديدة، وبخاصَّةً ضدَّ الپُرتُغاليين في منطقة الخليج.[141]
ترتيبات السُلطان وعودته إلى إسلامبول


أقام السُلطان في بغداد أربعة أشهرٍ، نزل خلالها في القصر العبَّاسي،[136] ورتَّب الإدارة الداخليَّة للديار العراقيَّة، فأعاد لأهل السُنَّة نُفُوذهم القيادي السابق، وعيَّن أوزون سُليمان باشا بن رمضان،[133] والي ديار بكر، واليًا على بغداد،[141] وأمر بتعمير مقابر العُلماء والأولياء التي هدمها الصفويين، وزارها جميعها وفرَّق الإنعامات والعطايا، ثُمَّ زار جامع الإمام الأعظم وفيه قبر الإمام أبي حنيفة النُعمان، وكان الصفويُّون قد خربوه ودنَّسوه، فأمر بإعادة إعماره وتطهيره، وكذلك إعمار الأعظميَّة، ثُمَّ توجَّه إلى الكاظميَّة وزار مرقد الإمام موسى الكاظم، ووزَّع الصدقات الكثيرة على الفُقراء.[133][136] كما زار الحضرة القادريَّة، مرقد الإمام عبد القادر الجيلاني وأمر بترميمها وتحسينها، فأُنجز ذلك خلال فترةٍ وجيزة، وبعد ذلك توجَّه السُلطان إلى النجف وكربلاء وزار العتبة الحُسينيَّة والروضة الحيدريَّة، ووزَّع الصدقات على روحيّ الإمام الحُسين ووالده رابع الخُلفاء الراشدين علي بن أبي طالب.[133][136]
والحقيقة أنَّ السُلطان لم يضطهد الشيعة حينما جدَّد زعامة أهل السُنَّة في العراق، بل انتهج سياسة التسامح الديني، وقدَّم الحماية للشيعة البغداديين كما قدَّمها لليهود والنصارى. وسُرعان ما عرفت بغداد، في ظل السِّلم العُثماني، ازدهارًا مُحددًا.[142] قال البجوي: «...أَصبَحَت مدينة بغداد - بالوُجُود الشريف لحضرة السُلطان ومُعتاد الظَّفر - في حالةٍ تحسدها عَلَيهَا حدائق إرَمَ ذات العِمَاد...».[136] ولمَّا عاد السُلطان إلى بغداد، بلغه أنَّ الشاه طهماسب استعاد تبريز، وأنَّ أولامه خان هرب من أمامه إلى وان وتحصَّن فيها، فتبعه الشاه وحاصره.[134] فنهض السُلطان سريعًا، وغادر بغداد في 28 رمضان 941هـ المُوافق 2 نيسان (أبريل) 1535م مُتجهًا ناحية تبريز، فعبر كردستان ومراغة،[131] وما أن وصل تبريز حتَّى تبيَّن له أنَّ الشاه قد هرب إلى صوب درجزين، فتتبعه السُلطان لكنه لم يظفر به أبدًا، وفي غُضُون ذلك أرسل الشاه أحد قادته، وهو «أُستاجلوه خان توركمن»، سفيرًا يطلب الصُلح، وعرض على السُلطان أن يترك الصفويين جميع البلاد التي سيطر عليها العُثمانيُّون في شرق الأناضول، مُقابل أن يترك العُثمانيين أذربيجان،[133] فوافق السُلطان سُليمان مُقابل أن يُقدِّم له الشاه الطاعة، وقفل عائدًا إلى تبريز،[141] فأقام بها خمسة عشر يومًا قضاها في تعيين الولاة على المدائن المُفتتحة حديثًا وترتيب شؤونها الداخليَّة، ثُمَّ خرج راجعًا إلى إسلامبول فوصلها يوم 14 رجب 942هـ المُوافق 8 كانون الثاني (يناير) 1536م.[131]
ضمّ إفريقية وفقدانها


خلال انشغال السُلطان سُليمان بحملته على الصفويين، أبحر أمير البحار خير الدين بربروس بأُسطوله الهُمايوني البالغ مائة وأربعة سُفُن وعلى متنها ثمانية آلاف من المُشاة البحريين، ويمَّم وجهه غربًا نحو إفريقية لإنهاء حُكم الحفصيين الذين كانوا قد أصبحوا أداةً في يد الإسپان وصار وُجودهم يُهدد الديار المغربيَّة ويُعرِّضها للاحتلال الصليبي. والحقيقة أنَّ الصراع الإسلامي المسيحي في غربيّ البحر المُتوسِّط، اتخذ حينذاك طابعًا لا يقل حدَّةً عمَّا كان عليه في المشرق، وتركَّز أساسًا في مُثَّلث إفريقية - مالطة - طرابُلس الغرب، واكتسبت السيطرة عليه أهميَّة بالغة بالنسبة إلى نتائج المُواجهة بين القوى المُتصارعة.[143] وكان الوضع في إفريقية يختلف عنه في المغرب الأوسط، على الرغم من أنَّ أحداث دُخُول هذين الإقليمين المغربيين تحت السيادة العُثمانيَّة تتداخل، بل وتترابط بحيث يصعب الفصل بينها. وكانت إفريقية وطرابُلس الغرب جُزءًا من الدولة الحفصيَّة التي كانت آخذةً في التداعي مُنذ مطلع القرن السادس عشر الميلادي، وأضحى الحفصيُّون عاجزون عن مُواجهة المخاطر الإسپانيَّة والإيطاليَّة، وعاجزين حتَّى عن القتال ضدَّ القراصنة الأوروپيين الذين لم يتوقفوا عن التحرُّش بشواطئ المغرب الشرقيَّة وتدميرها.[144]
ودلالةً على ضعف السلطنة الحفصيَّة، أنَّهُ في سنة 916هـ المُوافقة لسنة 1510م، استولى القُمَّس بدرو النبري (بالإسبانية: Pedro Navarro)، دون صُعُوبة، على بجاية وطرابُلس الغرب، وهاجم جزيرة جربة، ولم يُقدم السُلطان أبو عبد الله مُحمَّد المُتوكِّل على أيِّ عملٍ لاستعادة المُدن المفقودة، بل جاءت المُقاومة من جانب السُكَّان، في حين شارك العُثمانيُّون بفعاليَّة في الدفاع عن جربة ما كان سببًا في عقد تحالفٍ بين الطرفين.[145] وفي سنة 932هـ المُوافقة لسنة 1526م، اعتلى أبو عبد الله الحسن عرش الدولة الحفصيَّة، وتميَّز حكمه بالاستهتار والاستئثار بالسُلطة، ومال إلى التعاون مع الإسپان لمُواجهة التمدد العُثماني المُتزايد، كما عقد صُلحًا مع فُرسان الإسبتاريَّة سنة 938هـ المُوافقة لسنة 1532م.[146]
أدَّى التوجُّه السياسي نحو القوى المسيحيَّة إلى تدهور علاقة السُلطان الحفصي بالباب العالي،[144] وكانت علاقته برعيَّته في قمَّة السوء أيضًا، إذ نفر منه الناس لقتله العشرات من إخوته، ولاستعانته الدائمة بالإسپان ضدَّ العُثمانيين في الجزائر، علمًا بأنَّ شعبيَّتهم في الوسط الإفريقي كانت مُرتفعة جدًا.[147][la 52] وكان خير الدين باشا قد تمكَّن من إقناع السُلطان سُليمان بضرورة السيطرة على إفريقية وقصبتها تونس، وتثبيت أقدام العُثمانيين على ساحل المغرب الأدنى بأكمله قبل المُباشرة بأيَّة عمليَّة كبيرة ضدَّ إسپانيا.[144] ومن جهته، حاول السُلطان الحفصي أن يُثني نظيره العُثماني عن مشروع ضم إفريقية، فأرسل إليه سفارةً سنة 1531م لتعرض عليه التخلِّي عن خير الدين بربروس، لكنَّ السُلطان سُليمان ردَّهم خائبين.[la 53] وفي الواقع، كانت هُناك دوافع عدَّة أملت على السُلطان قُبُول مشروع خير الدين، أبرزها:[148]
- موقع إفريقية الجُغرافي في مُنتصف الديار المغربيَّة تقريبًا، وتوسُّطها بين الجزائر وطرابُلس الغرب.
- قُرب إفريقية من إيطاليا، التي كانت تُشكِّل أحد جناحيّ الإمبراطوريَّة الرومانيَّة المُقدَّسة.
- مُجاورة إفريقية لجزيرة مالطة، مقر فُرسان الإسبتاريَّة الحُلفاء الطبيعيين للإمبراطور شرلكان، وأشد الفرق المسيحيَّة عداءً للإسلام والمُسلمين.
- الإمكانات الهائلة التي تُتيحها موانئ إفريقية في التحكُّم في المواصلات البحريَّة في البحر المُتوسِّط.
دخل الأسطول العُثماني مضيق مسِّينة أثناء إبحاره نحو إفريقية، وسيطر على مدينة رية قِلَّورية الواقعة على الضفة الإيطاليَّة من المضيق واستولى على أربعةٍ وعشرين سفينة إسپانيَّة، وأنزل جُنده في موانئ جنوب غرب إيطاليا وميناء سردانية، ودخل ميناء بنزرت في 25 مُحرَّم 941هـ المُوافق 15 آب (أغسطس) 1534م.[147][la 52] وفي يوم 2 صفر 941هـ المُوافق 22 آب (أغسطس) 1534م، دخل خير الدين باشا وجُنُوده مدينة تونس دون مُقاومة، واستقبله الأهالي استقبالًا حافلًا، بعد أن انتفضوا انتفاضًا شاملًا ضدَّ السُلطان الحفصي،[147][149] وتوجَّه خير الدين إلى قصر القصبة حيثُ تسلَّم الحكم، وأعلن خلع الحفصيين ودُخُول تونس وسائر بلاد إفريقية تحت جناح الدولة العُثمانيَّة. أمَّا السُلطان الحسن فقد هرب باتجاه بجاية، ثُمَّ غادرها إلى الجريد مُلتجئًا إلى الإسپان.[149][150]

كان لدُخُول إفريقية ضمن نطاق الدولة العُثمانيَّة أصداء بعيدة في أوروپَّا بعامَّة وفي إسپانيا خاصَّةً، إذ أنَّ هذا الانتقال في السيادة أثار قلقًا لدى شرلكان نظرًا لموقع البلاد الاستراتيجي، ونظر إلى هذا النجاح العُثماني على أنه تهديد مُباشر وحقيقي لإسپانيا ولتجارتها، لذلك قرَّر غزو إفريقية بحُجَّة الاستجابة لنداء المُساعدة الصادر عن السُلطان الحسن وفُرسان الإسبتاريَّة.[151][152] وفعلًا أبحر هذا الإمبراطور في 29 ذي القعدة 941هـ المُوافق 10 حزيران (يونيو) 1535م على رأس أُسطولٍ بحريٍّ كبير مُتوجهًا إلى إفريقية، وولَّى إمارته لأندرية دوريا.[la 54][la 55] وبعد خمسة أيَّام نزل الجُنُود الإسپان في ميناء حلق الواد، وسُرعان ما نصبوا مدافعهم وقصفوا المدينة المذكورة من البر والبحر قصفًا عنيفًا، لكن الحامية العُثمانيَّة بقيادة «سنان ريِّس» صمدت في وجههم وكبَّدتهم نحو ستة آلاف قتيل، لكنَّ سنانًا لم يتمكن من الصمود طويلًا نتيجة نفوذ الذخائر والمؤن، في حين أنَّ السُلطان الحفصي كان يُزوِّد الإسپان بكُل ما يحتاجونه، فانسحب سنان ريِّس من المدينة، ودخلها الأعداء يوم 4 ذي الحجَّة المُوافق 15 حزيران (يونيو).[147] اتجه سنان ريِّس مع حفنةٍ من بحَّارته إلى تونس وانضمَّ إلى خير الدين باشا وجُنُوده التسعة آلاف وسبعمائة، فدافعا عنها طيلة ستَّة أيَّام بوجه قُرابة ثلاثين ألف جُندي مسيحي ومئات السُفُن والمدافع،[147] ولمَّا وجد خير الدين نفسه مُفتقرًا إلى العديد اللازم للمُقاومة المُستدامة ضدَّ هذا الحشد العظيم، فضَّل الارتحال مع جُنُوده.[153]
دخل الإسپان تونس يوم 10 ذي الحجَّة المُوافق 21 حزيران (يونيو) وارتكبوا فيها مذبحةً هائلة قُتل فيها ثلاثين ألف مُسلم، وسُبيت عشرة آلاف امرأة وطفل، وخُرِّبت المساجد والمدارس والمقابر ونُهبت مُحتويات القُصُور، وحُرقت آلاف المخطوطات والكُتُب.[147] وفي 6 صفر 942هـ المُوافق 6 آب (أغسطس) 1535م، عاد السُلطان الحسن إلى عاصمته المنكوبة وسط مظاهر بهجة المنتصر، ووقَّع بعد يومين مُعاهدةً مع الإمبراطور اعترف فيها بالحماية الإسپانية على إفريقية، فصار نتيجةً لها تابعًا لشرلكان.[108] أمَّا خير الدين باشا فإنه خرق صُفُوف الإسپان بمن معه من الجُنُود وألقى نفسه في بلدة عنَّابة، وأبحر منها إلى الجزائر.[147]
بداية الامتيازات الأجنبيَّة في الدولة العُثمانيَّة وإعدام إبراهيم باشا

كانت أبرز أعمال السُلطان سُليمان بُعيد عودته إلى إسلامبول إبرام مُعاهدة بين الدولة العُثمانيَّة ومملكة فرنسا، مُنحت بواسطتها بعض الامتيازات للرعايا الفرنسيين النازلين بأراضي الممالك السُلطانيَّة، ليكون ذلك انطلاقة ما عُرف تاريخيًّا بـ«الامتيازات الأجنبيَّة في الدولة العُثمانيَّة». ففي أوائل شهر شُباط (فبراير) 1536م، تمَّ الاتفاق بين السفير الفرنسي «يُوحنَّا ديلافوريه» (بالفرنسية: Jean de La Forêt) والصدر الأعظم إبراهيم باشا، وصدر به خطٌ شريف، ومن بعض ما ورد في هذه المُعاهدة ذات الستة عشر بندًا، والتي صبَّ كثيرٌ من بنودها في صالح الفرنسيين: عدم جواز مُحاكمة التجَّار الفرنسيين أو مُستخدميهم أو خدمهم أمام القُضاة أو أُمراء السناجق أو الصوباشيين أو غيرهم من المأمورين، بل تكون مُحاكمتهم أمام الباب العالي؛ وأن لا يُجبر ملك فرنسا أو قُنصلها برد دين أو دفع ثمن بضائع لأي عُثماني بحال اشترى منه فرنسي أو استدان مبلغًا من المال، ثُمَّ غادر الأراضي العُثمانيَّة دون أن يفي بما عليه؛ وأن يكون للبابا وملكيّ إنگلترا واسكتلندا الحق في الاشتراك بمنافع هذه المُعاهدة لو أرادوا شريطة إبلاغ تصديقهم عليها للسُلطان.[154]
يقول الدكتور إحسان حقِّي، مُحقق كتاب «تاريخ الدولة العليَّة العُثمانيَّة» لمُحمَّد فريد بك، أنَّهُ من الغريب جدًا أن تعقد الدولة العُثمانيَّة، وهي في أوج عظمتها وقُوَّتها، مُعاهدةً مع دولةٍ غربيَّةٍ بمثل هذا التسامح الذي بلغ حدَّ الذُلِّ والضعف. ويعتقد أنَّ سبب ذلك يعود إمَّا لقُوَّة حُجَّة السفير الفرنسي ومنطقه ومكره، أو لأسبابٍ أُخرى غامضة لعبت دورًا كبيرًا في صوغ هذه المُعاهدة وإخضاع الدولة العُثمانيَّة لهذا الحد.[155] وبجميع الأحوال فإنَّ نتيجة هذه المُعاهدة كانت أن أصبحت فرنسا الدولة الأوروپيَّة الوحيدة الحائزة امتيازات لرعاياها في الدولة العُثمانيَّة، وقُدِّر لهذا الاتفاق أن يكون سببًا في تدخُّل فرنسا وسائر دُول أوروپَّا في الشؤون العُثمانيَّة الداخليَّة بعد قُرابة قرنين من الزمن.[155]

وبُعيد إبرام هذه المُعاهدة، وقع أمرٌ جلل كان من غوامض الأُمور في سيرة هذا السُلطان، ألا وهو قضائه على أعز خلَّانه، الصدر الأعظم إبراهيم باشا، وتعددت الآراء حول سبب ذلك. فقيل أنَّه قصد السلطنة وتلقَّب بالسُلطان، وأغوى أولامه خان لينضم إليه في هذه الحركة، وقيل إنَّ السُلطان كان قد اغتاظ منه لكونه كان خلف قتل الدفتردار إسكندر چلبي دون أن يقترف الأخير جرمًا، وقد استبعد المُؤرِّخ أحمد مُنجِّم باشي السببان المذكوران، ورجَّح أنَّ السبب الحقيقي هو صُدُود أُمُورٍ عدَّة من إبراهيم باشا خالفت مشرب السُلطان، فاجتمعت وصارت عنده سببًا قويًا لقتله.[156] ورُوي أنَّ إبراهيم باشا أحضر معه ثلاثة تماثيل من الحجارة ونصبها في ميدان الفُرُوسيَّة (آت ميداني) بإسلامبول تذكارًا لفتح بلاد المجر، فأنكر عليه ذلك جماعة من العُلماء ومنهم شاعرٌ نظم قصيدةً قال في أحد أبياتها ما معناه: إنَّ إبراهيم الخليل قوَّض الأصنام، وإبراهيم البرغلي يُريدُ إعادتها، فلمَّا بلغ السُلطان ذلك أمر بقلته.[157] ويُرجِّح البعض أنَّ سبب مقتل الصدر الأعظم كان بتحريضٍ من زوجة السُلطان خُرَّم خاتون، إذ كان إبراهيم باشا من أنصار الشاهزاده مُصطفى ابن ماهدوران الزوجة الأولى للسُلطان، ودعم وُصُوله للعرش، بينما كانت خُرَّم خاتون تسعى وتُخطِّط لإيصال ابنها سليم، فأوقعت بين السُلطان وصديقه القديم، وتمكنت من إقناعه بضرورة قتله.[la 56] وكان إبراهيم باشا يُنادم السُلطان ويُصاحبه في الليالي، فدعاه السُلطان ليُجالسه في الليلة التي قُتل فيها على العادة، وسامره إلى قُرابة مُنتصف الليل، ثُمَّ قام وسار إلى مبيته في السراي السُلطانيَّة - إذ كان له حُجرة وخدمٌ فيها - ولمَّا نام دخل عليه الجلَّاد مع أعوانه، فقتلوه خنقًا على فراشه.[156][la 57] تحدَّث البجوي عن مقتل إبراهيم باشا وأسبابه فقال:[158]
ولا جرم أنَّه لمَّا صارت الأحوال المُتردِّية للباشا ظاهرةً ومعلومةً لدى السُلطان، أصبح مظهر غضب السُلطان، فبينما كان يسترخي بمُفرده في الحُجرة المُخصَّصة له في الحرم السُلطاني، ختمت يد الجلَّاد على دائرة حياته بخاتم الموت،
حرب البُندُقيَّة والعُصبة المُقدَّسة
اتحاد الفرنسيين والعُثمانيين على مُحاربة شرلكان
كانت مُعاهدة سنة 1536م بين الدولة العُثمانيَّة ومملكة فرنسا مُقدِّمة لقيام تحالُفٍ سياسي وعسكري بين الطرفين، بما في ذلك التعاون بين أساطيل الدولتين لتحقيق مصالحهما المُشتركة في البحر المُتوسِّط. وقضى الاتفاق بين الطرفين أن تجعل الدولة العُثمانيَّة وجهة حُرُوبها ممالك النبلطان وصقلية وإسپانيا عوضًا عن مُهاجمة النمسا التي إن هوجمت ستتحد جميع إمارات وممالك الإمبراطوريَّة الرومانيَّة المُقدَّسة للدفاع عنها، إذ هي مع استقلالها جُزءٌ من الإمبراطوريَّة المذكورة، وأن تدخل الجُيُوش الفرنسيَّة بلاد إيطاليا من جهة إقليم بِيمُنتة في الشمال الغربي، بينما تدخلها الجُيُوش العُثمانيَّة من جهة مملكة النبلطان.[159][160] ويبدو أنَّ هدف السُلطان من وراء تجديد العلاقات مع فرنسا كان أن يُبرهن لمُلُوك أوروپَّا الذين كانوا يُعادونه بدافع الدين، أنَّ صداقته مُفيدة، وأنَّ من يتقرَّب منه يجني منافع وامتيازات كثيرة، يُضاف إلى ذلك أنَّ هذه المُعاهدة أعادت إحياء الموانئ الشرقيَّة، بعد أن شهدت جمودًا تجاريًّا على أثر اكتشاف رأس الرجاء الصالح وتحوُّل تجارة الهند إلى طريقه.[161]
لكنَّ فرنسوا الأوَّل أحجم عن الإتيان بأي أمر، تحت ضغط هياج الرأي العام والنُفُور الشعبي، خشية أن يُرمى بالمروق عن المسيحيَّة لاتحاده مع دولةٍ إسلاميَّة لمُحاربة دولٍ تدين بدينه. وعوضًا عن الهُجُوم على إيطاليا فإنَّهُ شنَّ معاركه في الأرتوا وبيكرديا،[159][160] لكنَّه أوعز سرًا إلى مُعتمده السياسي في إسلامبول بأن يُتابع نهج الصداقة مع رجال الباب العالي.[162] ومن جهةٍ أُخرى، وقفت البُندُقيَّة ضدَّ هذا الاتفاق وراحت تُساند شرلكان، وهاجمت سُفُنها السُفُن العُثمانيَّة ما أغضب السُلطان ووجدها فُرصةً سانحةً لمُهاجمة أملاك البُندُقيَّة انتقامًا منها، بعد أن نقضت العُهُود المعقودة بينها وبين الدولة العُثمانيَّة مُنذ عهد السُلطان بايزيد الثاني.[163][164]
فتح كليس

كانت فاتحة الأعمال الحربيَّة بين العُثمانيين والنصارى حينما هاجمت قُوَّات خرواتيَّة تتبع فرديناند أرشدوق النمسا قلعة «صوليق» من قلاع إيالة البوسنة، ولمَّا علم ذلك واليها خسرو بك سار في جُند إيالته وقاتل الخرواتيين وكسرهم وأسر منهم، وأرسل أسارى كثيرة مع المُبشِّر إلى الباب العالي. ثُمَّ سار خسرو بك مُتتبعًا الأعداء حتَّى وصل بلدة كليس، فضرب الحصار على قلعتها، وكانت في أيدي البنادقة.[165] ولمَّا بلغت أنباء هذه الأحداث مسامع السُلطان، سارع بإرسال القائد مُراد طَرْدِچ السبنيقوي على رأس ثمانية آلاف جُندي دعمًا لخسرو بك.[la 58] وكان الأخير يُقاتل أهل القلعة المذكورة، الذين تزعَّمهم أحد كبار أُمراء الخروات وقادتهم، هو بُطرس كْرُزِچ (بالكرواتية: Petar Kružić)، دون أن يتمكن أحد الطرفين من إحراز نصرٍ على الآخر، لكنَّ الحال تغيَّر ما أن وصل القائد العُثماني على رأس جيشه الكبير.[la 59]
انهارت معنويَّات المُدافعين عن القلعة ما أن شاهدوا الجيش العُثماني بكامل عتاده على مشارف قلعتهم، فأخذوا يفرُّون للنجاة بحياتهم، وسارعوا للصُعُود في سُفُنهم الراسية في ميناء «صولن» القريب، فغرق كثيرٌ منهم.[la 60] وانقضَّ العُثمانيُّون على من خرج لقتالهم أو حاول الهرب، ففتكوا بكثيرٍ منهم، وكان من ضمنهم الأمير بُطرس كْرُزِچ سالف الذكر، فقُطعت رأسه ونُصبت على رمح، ولمَّا رأى المحصورون ذلك، أرسلوا يطلبون الأمان من القائد العُثماني، فأجابهم إلى طلبهم وخرجوا مُنسحبين شمالًا.[la 61] وبعد فتح البلدة أرسل خسرو بك إلى السُلطان يُعلمه بالأمر، مُلتمسًا مُكافأة القائد مُراد على ما بذله من جُهُودٍ لتحقيق النصر، فأجابه السُلطان وجعل كليس سنجقًا مع أعمالها ومُلحقاتها، وعيَّن مُراد المذكور أميرًا عليها، مانحًا إيَّاه لقب البكويَّة.[165]
الإغارة العُثمانيَّة على سواحل بولية
بُعيد الهزيمة الأخيرة، سارعت البُندُقيَّة وإسپانيا إلى تسيير أُسطولهما المُشترك إلى جزيرة قُرفس قبالة اليونان، بقيادة أمير البحار الجنوي أندرية دوريا، في مُحاولةٍ لمُهاجمة السواحل العُثمانيَّة، واشتبك هذا الأُسطُول مع أُسطُولٍ عُثمانيٍّ بقيادة علي چلبي، وانتصر عليه انتصارًا غير واضح، ما دفع السُلطان سُليمان إلى تكليف خير الدين بربروس بالتصدي للأُسطُول الأوروپي وفتح قُرفس.[164]
خرج خير الدين باشا من الجزائر بأُسطولٍ مُكوَّنٍ من اثنين وثلاثين مركبًا، وترك ابنه حسن بك نائبًا عنه في تلك الإيالة، واتجه أولًا ناحية الجزائر الشرقيَّة الخاضعة لإسپانيا، فقلبها رأسًا على عقب، واستولى على ميناء مَهُون في جزيرة ميورقة، آسرًا الآلاف، كما سيطر على بنزرت مُجددًا بعد أن فقدها كما أُسلف ووضع فيها حامية.[166] ووصل الأسطول العُثماني إلى بولية في الجنوب الشرقي من إيطاليا يوم 2 ربيع الآخر 943هـ المُوافق 5 آب (أغسطس) 1536م، بعد أن انضمَّت إليه العديد من السُفن الأُخرى بقيادة الوزير لُطفي باشا، فوصل عددها مجموعةً إلى مائتين وثمانين سفينة، فأغاروا على تلك البلاد وأحرقوا كثيرًا من قلاعها، ثُمَّ نزلوا البر وفتحوا مدينة أطرانط، وأعلنت أبرنطس خُضُوعها، فكانت تلك المرَّة الأولى التي تخضع فيها تلك المنطقة للعُثمانيين مُنذ أن أخلاها السُلطان مُحمَّد الفاتح قبل ستةٍ وخمسين سنة.[163][167] لكنَّ لُطفي باشا أمر الجُند بإخلاء جميع البلاد التي فتحوها بعد إحدى وعشرين يومًا فقط، والإبحار نحو أفلونية في بلاد الأرناؤوط استعدادًا لحصار قُرفس،[163] فغادر العُثمانيُّون مُحمَّلين بغنائم كثيرة.[165]
حصار جزيرة قُرفس

خلال إبحار الأُسطُول العُثماني ناحية أفلونية، تلكَّأت عشرة أغربة وانقطعت عن سائر السُفُن لضعف كوركجيَّتها[يد]، ولمَّا وصلت قبالة مدينة قُرفس خرج عليها أندرية دوريا في سُفُنه، فاقتتلوا إلى أن هلكت تلك السُفُن العشر، بعضها غرقًا وبعضها حرقًا، وبعضها بالأخذ مع جميع من فيها من المُسلمين.[165]
وكان السُلطان سُليمان قد خرج قبل ذلك من إسلامبول ليُشارك في الحملة على قُرفس، مُصطحبًا معه ولداه مُحمَّد وسليم،[163] وسار نحو بلاد الأرناؤوط حتَّى بلغ دلونية، وكانت ما تزال خارجةً عن حُدُود الدولة العُثمانيَّة، ففتحها صُلحًا بواسطة الصدر الأعظم أياس مُحمَّد باشا الذي خلف إبراهيم باشا، وحينها وصلته أنباء السُفُن التي وقعت ضحيَّة أندرية دوريا، فأمر بأن ترسو السُفُن العُثمانيَّة في ميناء أفلونية ليعبر بها العُثمانيُّون إلى جزيرة قُرفس، فعبروا إليها على حسب الأمر العالي.[165]
حوصرت الجزيرة من طرف الأُسطُول العُثماني، الذي تزايدت أعداد سفنه حينها حتَّى وصلت ثلاثمائة وعشرين سفينة، يوم 26 آب (أغسطس).[la 62] وقصفت السُفُن قلعة المدينة قصفًا عنيفًا، ونزل البرَّ قرابة خمسةٍ وعشرين ألف جنديٍّ عثمانيٍّ واشتبكوا مع البنادقة بقتالٍ شديد،[la 62] وأوقعوا الخراب في كافَّّة أنحاء الجزيرة.[169]
امتدَّ حصار القلعة عشرين يومًا،[165] وخلال هذه الفترة وصل أُسطُولٌ فرنسيّ من مرسيلية بقيادة البارون برترند دورنيسان (بالفرنسية: Bertrand d'Ornesan) وانضمَّ للحصار.[la 63][la 62] وحاول دورنيسان إقناع العُثمانيين بمُعاودة الهُجُوم على بولية وصقلية وفتح أنكونة، لكنَّ السُلطان لم يُعر طلبه اهتمامًا، إذ كان قد عقد العزم على فك الحصار والعودة إلى إسلامبول بعد أن قرُب الشتاء ومضى موسم الحملات البحريَّة، واشتدَّت البرودة وتكاثفت الأمطار بحيث لم يُعد للجُنُود قُدرة على البقاء في هذا المكان،[169] وأخذ الطاعون يتفشَّى في المُعسكر العُثماني فوق كُل ذلك، ما هدد سلامة العسكر،[la 64] فأصدر السُلطان أمره بصرف النظر عن فتح الجزيرة وقلعتها في الوقت الحالي، على أن يُعاود ذلك لاحقًا. اعترض الوزير لُطفي باشا وأمير البحار خير الدين بربروس على القرار السُلطاني، وحاولا إقناع السُلطان بالصبر بعض الوقت، سيَّما وأنَّ بوادر الفتح صارت ظاهرة، والثغرات مفتوحة. لكنَّ السُلطان لم يقبل اعتراضهما، ويُروى أنَّه قال: «لا أُضحِّيَ بخادمي المُجَاهد مُقَابِل ألف قلعةٍ كهذه».[169] وهكذا رُفع الحصار وعاد العُثمانيُّون أدراجهم.
واقعة بروزة الكُبرى

بعد أن استقرَّ السُلطان في دار ملكه، بلغه أنَّ دوق البُندُقيَّة أندرية گريتي قد استنجد بشرلكان، فأنجده بسُفُنٍ كثيرةٍ مشحونةٍ بالرجال والحوائج، واتفقوا على الإغارة على البلاد الإسلاميَّة. فسارع السُلطان وأمر بتعمير السُفُن وزيادتها على ما كانت عليه في السنة السالفة. وما أن اكتملت سبعين سفينة حتَّى سيَّر السُلطان خير الدين بربروس على رأسها لتخريب بلاد البنادقة، وضمَّ إليه ثلاثة آلاف إنكشاريّ، وقيل أربعة آلاف، وعدَّة آلاف من عساكر الروملِّي والأناضول، بما فيهم ستمائة مدفعيّ وسپاهيَّة، وكان خُرُوج هذا الجمع من إسلامبول يوم 9 صفر 945هـ المُوافق 7 حُزيران (يونيو) 1538م.[166][170]
توجَّه خير الدين باشا ناحية جُزُر الققلادس في بحر إيجة، إذ كان مُعظمها خاضعًا للبُندُقيَّة أو يُدين لها بالولاء، وانضمَّ إليه أُسطُول صالح ريِّس البالغ عشرين سفينة،[166] ففتحوا جزائر إستندل وأنديرة وسيرة وأجانيطس وإوس وبرَّة وكربة وقاشوط ونقشة، ليقضي العُثمانيُّون بهذا على دوقيَّة الأرخبيل التي أقامها البنادقة في المنطقة في أعقاب الحملة الصليبيَّة الرابعة.[la 65] ثُمَّ توجَّه خير الدين باشا إلى جزيرة إقريطش وأنزل بها الخراب،[166] وصادف سفينتين عظيمتين مشحونتين بالميرة والذخيرة قد خرجتنا من ربض الخندق، فأخذ إحداهما وأغرق الأُخرى، وفتح من بلاد الجزيرة مدينة «مِيْلُپْتُمُه» (باليونانية: Μυλοπόταμος) مع عشرين قريةٍ عظيمة، ثُمَّ أغار على نواحي خانية وأيارقوتو، وخرَّب ثلاثمائة قرية من قُرى تلك الناحية، وكذلك فعل بقلعة مغوليلو، ثُمَّ خرَّب من قُرى إسقلادينة وستيلو ثمانين قرية، وفتح حصن استية، ثُمَّ توجَّه إلى صوب مودونة وكورونة.[171]
أثار سُقُوط دوقيَّة الأرخبيل والحملات البحريَّة العُثمانيَّة المُتزايدة ضدَّ البُندُقيَّة مخاوف البابويَّة، فنادى البابا بولس الثالث لحملةٍ صليبيَّةٍ بحريَّة للتصدِّي لهذه التقدُّمات الإسلاميَّة التي باتت تُشكِّلُ خطرًا على الغرب الكاثوليكي برُمَّته، فلبَّى نداءه كُلٌ من: الإمبراطوريَّة الإسپانيَّة، وجُمهوريَّتا جنوة والبُندُقيَّة، وفُرسان الإسبتاريَّة، وعُرف هذا الائتلاف بـ«العصبة المُقدَّسة».[la 66] وعُيِّن أندرية دوريا قائدًا عامًا لأساطيل الدول المسيحيَّة، بينما عيَّن البابا بطريق إيكلاية «مرقس گريماني» (بالإيطالية: Marco Grimani) قائدًا لأسطول الدولة البابويَّة،[la 67] وعيَّن دوق البُندُقيَّة أمير البحار ڤنشنزو كپّيلّو (بالإيطالية: Vincenzo Cappello) قائدًا لأسطول دولته.[وب 3] وما أن علم الديوان الهمايوني بتشكُّل هذا الأُسطول الصليبيّ الكبير، حتَّى أُرسل درغوث ريِّس مع عشرين سفينة إلى بحر إيجة للاستطلاع،[166] وكان النصارى في ذلك الوقت قد أقلعوا بالفعل الأُسطول تلو الآخر مُتجهين ناحية المياه العُثمانيَّة.

تجمَّعت الأساطيل الصليبيَّة قُرب جزيرة قُرفس، وكان أوَّل الواصلين الأُسطولان البابوي والبُندُقي، ثُمَّ وصلت أساطيل إسپانيا وجنوة بعد تأخيرٍ كبير نتيجة تمرُّد مُجدِّفي السُفُن الإسپانيَّة على قباطنتهم، فلم تتحرَّك السُفُن حتَّى أُخمدت هذه الثورة. أمَّا الأُسطول العُثماني فكان حينذاك راسيًا في خليج ناردة، تحميه قلعتيّ أكتيوم وبروزة، مما اضطرَّ بأندرية دوريا إلى الرسوّ بعيدًا كي لا تُصيبه قذائف المدفعيَّة العُثمانيَّة المُتمركزة في القلعتين المذكورتين، على أنَّ هذا لم يمنع الصليبيين من مُحاولة النزول في بروزة المرَّة تلو الأُخرى، فصدَّتهم القُوَّات العُثمانيَّة بقيادة مُراد ريِّس في كُلِّ مرَّة.[la 68] دعا خير الدين باشا قباطنته وأُمراءه إلى سفينته وتباحث معهم طويلًا بشأن المعركة الآتية، فرأى بعضهم انتظار دُخُول العدوِّ إلى شرم بروزة وتدميره بمدافع القلعة وبمُساندة جُنُود البر. لكنَّ خير الدين قال أنَّ الحرب البحريَّة تكون في البحار المفتوحة وليس عند الساحل، إذ لا يُمكن المُناورة فيه، وإنَّ المدافع بعيدة المدى ستفقد تفوُّقها عند اقتراب الأعداء، وإنه بحال أُصيبت إحدى السُفُن، فإنَّ نظيراتها حاملة جُنُود البر، خاصَّةً الذين لم يألفوا البحر، سيرمون بأنفسهم في المياه دون أي نظامٍ ناشدين اليابسة، وستُتترك السفينة دون طاقم.[166] وبهذا، خرج الأُسطُول العُثماني إلى البحر مُبتعدًا عن الساحل تسعة كيلومترات، وبعد إجراء المُناورات والاستدارات اللَّازمة، التقى الأُسطُولان في البحر الأيوني في مياه «وُيْوُدَة» (باليونانية: Βοϊβόδα) جنوب غرب جزيرة لقاطة مُقابل شرم بروزة،[166] وشاهد أحدهما الآخر صبيحة يوم 3 جُمادى الأولى 945هـ المُوافق 28 أيلول (سپتمبر) 1538م.[166][171]


بلغ تعداد القُوَّات العُثمانيَّة وفق تقديراتٍ مُعاصرة: مائة واثنان وعشرون غليونًا وقُويدسًا، وثلاثمائة وستة وستين مدفعًا، وأحد عشر ألف جُنديّ، منهم ثلاثة آلاف إنكشاريّ. أمَّا الصليبيُّون فبلغت قُوَّاتهم: مائة واثنا عشر غليونًا وخمسين قُويدسًا، ومائة وأربعون لنجًا، وما يزيد عن ألفين وخمسمائة مدفعٍ، وستون ألف جُندي.[وب 4][وب 5] تمركزت سفينة خير الدين باشا في المركز، وكان معه ولداه حسن الأكبر وحسن الأصغر، ووقف في الجناح الأيمن صالح ريِّس، وفي الأيسر سيدي علي ريِّس، وفي الاحتياط درغوث ريِّس ومعه الريَّاس مُراد وصادق وگوزلجة مُحمَّد. أمَّا الريَّاس سنان وشعبان وجعفر فقادوا سُفُنًا خفيفة في الجناحين.[166] وفي الحقيقة فإنَّ الأساطيل الصليبيَّة حملت بُذُور إخفاقها أمام العُثمانيين، إذ لم تكن مُتجانسة رُغم ما يجمعها من مصلحةٍ سياسيَّة واقتصاديَّة، وإيمانٍ كاثوليكيّ. أمَّا العُثمانيُّون فكانوا في قمَّة التجانس والكفاءة، وكانت خبرة خير الدين باشا ودهاؤه في الحرب البحريَّة لا يُعادلها أحد. فأدَّى هذا، إلى جانب قُدرة السُفُن العُثمانيَّة على المُناورة وبُعد مدى مدافعها، وعدم مقدرة السُفُن الصليبيَّة على الاستدارة السريعة إلى وُقُوع القُوَّات المسيحيَّة فريسةً للعُثمانيين.[166] تنص الرواية البُندُقيَّة أنَّ أندرية دوريا تردد في مُهاجمة السُفُن العُثمانيَّة وهي ما تزال قريبةً من الشاطئ، ولمَّا علم بربروس باشا بهذا، بادر وأبحر بسُفُنه تجاه الصليبيين، فأخذهم على حين غرَّة،[172] فأُسقط بيد دوريا، الذي لم يُصدر أمره بالهجوم أولًا، وحاول الإبحار بُسُفنه وسحب العُثمانيين خلفه، ظنًا منه أنَّه ما زال على مقرُبةٍ من الشاطئ مما يُعرِّض سفنه للخطر، لكنَّ قًدِّر له الفشل، إذ سكنت الرياح تمامًا، مما حال دون تحرُّك السُفُن الشراعيَّة، الأمر الذي منح بربروس باشا فُرصةً مثاليَّة لتطويق الصليبيين دون أن يبتعد عن حماية الساحل العُثماني. فثارت ثائرة دوريا، وأخذ يحث سائر القباطنة النصارى على الإسراع لنجدة السُفُن المُطوَّقة من قِبَل الغلايين العُثمانيَّة الأسرع حركة.[la 69]
تنصُّ الروايات الإسپانيَّة أنَّ نداء دوريا لم يلقَ آذانًا صاغية، رُغم أنه كرَّره ثلاث مرَّات. ومع اقتراب العُثمانيين أكثر فأكثر، أرسل دوريا نائب شرلكان على صقلية فرديناند گُنزاغا على متن قاربٍ إلى كُلٍ من القائد البابوي مرقس گريماني والبُندُقي ڤنشنزو كپّيلّو يحثّهما على نجدة السُفُن واتباع استراتيجيته القاضية بسحب العُثمانيين إلى عرض البحر، لكنَّهما تملَّصا، وردَّ گريماني قائلًا أنه لا يملك أوامر عُليا من البابا بالالتحام مع العُثمانيين مُباشرةً.[la 70] وسُرعان ما وجد دوريا نفسه مُحاصرًا بنيران المدافع العُثمانيَّة الجبَّارة، ولمَّا أدرك أنه لا يستطيع المُقاومة، انسحب من الميدان تحت ستر النيران المُتبادلة، وانزوت سائر السُفُن الصليبيَّة أيضًا، وذهبوا مُتتبعين أثر قائدهم، حتَّى أنهم أطلقوا مدافعهم على المراكب التي لم تستطع الهرب، فأصابوا كثيرًا منها، وأصاب العُثمانيُّون البعض الآخر، فأغرقوا منها واعتلوا غيرها وغنموا ما فيها، فكان ذلك نصرًا مُبينا للمُسلمين.[172] وتُقدِّر دراساتٌ مُعاصرة أن العُثمانيين أغرقوا عشر سفنٍ صليبيَّة في هذه المعركة، وأحرقوا ثلاثًا، واقتادوا ستةً وثلاثين، وأسروا ثلاثة آلاف رجل، في حين أنهم لم يخسروا أيَّ سفينة، رغم أن عددًا منها تضرر ضررًا كبيرًا، وقُتل منهم أربعمائةُ رجل، وجُرح ثمانمائة.[la 71]
الحملة على البُغدان
خلال حملة خير الدين بربروس البحريَّة، كان السُلطان سُليمان قد خرج أيضًا بجُيُوشه ويمم وجهه ناحية إمارة البُغدان شمالًا. وسبب ذلك أنَّ أمير تلك البلاد بُطرس رَارِش (بالرومانية: Petru Rareș)، التابع للسلطنة، كان قد حمل على مملكة بولونيا المُسالمة للدولة العُثمانيَّة، بتحريضٍ من شرلكان، فاشتكى السفير البولوني في إسلامبول للسُلطان سليمان وطلب منه الاقتصاص من تابعه المذكور.[173] وفي الحقيقة فإنَّ السُلطان كان ينوي الحمل على هذه الإمارة بجميع الأحوال نظرًا لميل حُكَّامها لمُخالفة الأوامر العُليا التي تُرسل إليهم من إسلامبول. والمعروف أنَّ هذه الإمارة خضعت للدولة العُثمانيَّة خلال عهد السُلطان بايزيد الثاني، الذي فتح قلعتيّ كِلِيَّة وآق كرمان، فتعهَّد له أُمراء البُغدان بعدم التجاوز عن هذه الحُدُود وبإرسال الخراج المُقرَّر عليهم مع الرجال الثقات في السنة الأولى، وأن يُحضروه بأنفُسهم في السنة الثانية ويُسلِّموه إلى الخزينة، وبينما كانت تُراعى هذه الشُرُوط في زمن السُلطان بايزيد، فإنَّ السُلطان سليم لمَّا خلف والده لم يهتم كثيرًا بالنواحي الأوروپيَّة من دولته لانشغاله بقتال الصفويين ثُمَّ المماليك. ولمَّا تولَّى السُلطان سُليمان أعطى الأولويَّة لفتح المجر وضم العراق، ولكن كان قد استقرَّ في قلبه ضرورة الحمل على البُغدان لفرض الهيمنة العُثمانيَّة على تلك البلاد.[174]
خرج السُلطان من عاصمته يوم 10 صفر 945هـ المُوافق 8 حُزيران (يونيو) 1538م واصطحب معه ولداه سليمًا ومُحمَّدًا، ونزل في أدرنة حيثُ أرسل لجمع جُنُود الروملِّي. فلمَّا بلغ موضعًا يُعرف بـ«سُلطان چايري»، قدم عليه أحد قادة بُطرس رَارِش مع ترجمانه، وقدَّما للسُلطان بعض الهدايا، ورجَوَا العفو عن الذنب الذي ارتكبه أميرهم، وأوضحا بأنَّه تعهَّد بالامثال للأوامر الهمايونيَّة من الآن فصاعدًا، فاستجاب لهم السُلطان وأرسل معهم «سنان چلبي»، مُحافظ كفة، نظرًا لأنه كان واقفًا على أحوال تلك الديار، وكان رجلًا من أرباب البصيرة وأصحاب الخبرة، وحمَّله كتابًا إلى الأمير البُغداني جاء فيه أنَّهُ لو أعلن طاعته، وأتى وقبَّل الأرض بين يديّ السُلطان وتعهَّد بالطاعة والانقياد، فإنَّه سيُعفى عن ذنبه وذلَّته.[174] وهكذا اتجه سنانٌ إلى مدينة ياش عاصمة البُغدان وقابل أميرها، فردَّه خائبًا، ولم يُدلِ بجوابٍ شافٍ، بل ناور وخادع، وظهر كأنه يُدبِّر لاختراع حيلةٍ أو مفسدةٍ كي يلتقي بالعُثمانيين في معركةٍ ميدانيَّة. فما أن علم السُلطان بذلك حتَّى نهض بجيشه وعبر نهر بروت، وانضمَّ إليه صاحب كراي الجنكيزي، خان القرم، وسار الجمع ناحية مدينة ياش، فهرب الأمير البُغداني ناجيًا بنفسه، وانشغل جُنده بإنقاذ أهلهم وأولادهم، وهرب كُلٌ منهم إلى ناحية، فدخل العُثمانيُّون المدينة وسوُّوها بالتُراب، وكلَّف السُلطان جُند سمندريَّة وفرقة من عسكر التتر بتعقُّب الأمير الهارب.[174]
ثُمَّ حطَّ السُلطان رحاله في مدينة صوچوه، وكان جميع أهلها قد اختفوا خوفًا من الجُيُوش العُثمانيَّة، لكنَّ السُلطان أرسل منها كُتُبًا إلى مُختلف أنحاء البلاد يُعلم أهلها أنه منحهم الأمان على أنفسهم وأولادهم وأموالهم ودينهم، وأمر بمجيء جميع الأُمراء وأبنائهم وأعيان الرُهبان والقساوسة إليه، فتوافدوا على مدى أربعة أيَّام وأعلنوا تمرُّد الأمير الهارب وعدم اعترافهم به، وأبدَوا خالص تبعيتهم للسُلطان، وأقسموا بالأيمان على صلبانهم أنَّهم سينصاعون ويخضعون لكل ما يأمرهم به، ورجوه أن يُعيِّن «أسطفان بن إسكندر لَكُسْتَا» (بالرومانية: Ștefan Lăcustă) أميرًا عليهم، فأجابهم السُلطان إلى طلبهم لقاء الجزية. وغنم العُثمانيُّون كُنُوزًا فاخرة من قصر الأمير الهارب، فأنعم السُلطان على جُنُوده وعلى عساكر التتر بخيراتٍ كثيرة، وحُمل الباقي إلى الخزينة العامرة، ثُمَّ قفل السُلطان عائدًا من صوچوه يوم 28 ربيع الآخر 945هـ المُوافق 22 أيلول (سپتمبر) 1538م، بعد أن قلَّص حُدُود إمارة البُغدان بأن ضمَّ الأراضي الواقعة بين نهريّ دنستر وبروت إلى الإدارة العُثمانيَّة المُباشرة. ولمّا بلغ مقرُبةً من مدينة كِلِيَّة، لقي وفدًا أرسله خير الدين بربروس يتقدَّمه ابنه حسن الأكبر، فبشَّر السُلطان بالنصر الكبير في بروزة، فسُرَّ الأخير سُرورًا عظيمًا، وأمر بإقامة الاحتفالات في جميع أنحاء السلطنة ابتهاجًا.[166][174]
تهادن ملك فرنسا وإمبراطور الرومانيَّة المُقدَّسة

بُعيد انتصاره في بروزة والبُغدان، صار السُلطان سُليمان على أهبة الاستعداد للانقضاض على إيطاليا كما اتُّفق مع الملك الفرنسي، فتقدَّم جيشٌ مُؤلَّف من مائة ألف جُندي باتجاه البلاد الإيطاليَّة من جهة الشرق، وفي الوقت نفسه نزل خير الدين باشا في ميناء أطرانط بجنوب إيطاليا استعدادًا لمُهاجمتها من هذه الجهة.[175] لكنَّ الملك فرنسوا أحجم هذه المرَّة أيضًا عن التقدُّم تحت ضغط الرأي العام المسيحي، ما كان سببًا في عدم نجاح المشروع، رُغم أنَّ الجُيُوش الفرنسيَّة دخلت إقليم ساڤوي واحتلَّت طَرُونَة وسيطرت على بِيمُنتة، بل ذهب فرنسوا الأوَّل إلى أبعد من الإحجام عندما أبرم مع شرلكان اتفاقيَّة نِيقَة في 20 مُحرَّم 945هـ المُوافق 18 حُزيران (يونيو) 1538م التي وضعت حدًا،[176][177] ولو مؤقتًا، للنزاع بين الطرفين.
والحقيقة أنَّ الملك الفرنسي كان واقعًا تحت تأثير اتجاهين مُتعارضين؛ فمن جهة، كانت مصلحة بلاده تفرض عليه التعاون مع العُثمانيين، ومن جهةٍ أُخرى، كان يخشى أن يُتهم بالتفريط في دينه نتيجة تعاونه مع المُسلمين. وفي ظل هذا التردًّد، تدخّل البابا في المسار السياسي وتمكّن من إقناع الملك بالانضمام إلى رابطة نيقَة التي أنشأها بالتعاون مع شرلكان والبُندُقيَّة.[178] نتيجةً لذلك، شهدت العلاقات العُثمانيَّة الفرنسيَّة فتورًا بدا وكأنه إنهاءٌ لمسار التعاون بين الطرفين، ولا سيَّما عقب زيارة شرلكان لبَرِيش؛ غير أنَّ الدبلوماسيَّة الفرنسيَّة عرفت كيف تُهدِّئ من روع السُلطان وساسته الذين اغتاظوا من نتائج هذه الزيارة.[177]
أمَّا الحرب مع البُندُقيَّة فقد استمرّت كرًّا وفرًّا قبل أن تهدأ في أواخر سنة 1538م حين أرسلت جُمهُوريَّة البُندُقيَّة إلى السُلطان تطلب الصُلح، فقبل ذلك شرط أن تتنازل البُندُقيَّة عن آخر مُمتلكاتها في شبه جزيرة المورة، أي مدينتيّ مِنَكْشَة وآنابولي، ففعلت. كما تنازلت للدولة العُثمانيَّة عن بعض الجُزُر الواقعة في جنوب بحر إيجة وعن قلعتيّ «نادين» و«أورانة» في دلماسية، مع التزامها بدفع غرامةٍ حربيَّةٍ مقدارها ثلاثمائة ألف دوقيَّة.[160][173]
ضمّ عدن وحملة المُحيط الهندي

كان العُثمانيُّون قد بسطوا سيطرتهم على اليمن مُنذ عهد السُلطان سليم الأوَّل، وبدأوا منذ ذلك الحين يعملون على حماية بحر القلزم (الأحمر) من الخطر الپُرتغالي الزاحف من جهة المُحيط الهندي،[179] وبعد أن استتبّ لهم الأمر في مصر، أصبحت لهم مصلحة مباشرة في الدفاع عن هذا البحر الحيوي، فأرسلوا قوّةً عسكريّة إلى اليمن بقيادة حُسين الرومي، الذي حاول فرض سيطرةٍ كاملةٍ على البلاد، غير أنّه واجه مقاومةً عنيفةً من الحاكم المملوكي ومن القوى المحليَّة على السواء.[180] ويبدو أنّ العُثمانيّين لم يكونوا يهدفون إلى ضمِّ اليمن بالقُوَّة، إذ رُبما اعتقدوا أنَّ مُجرَّد إظهار قوّةٍ عثمانيّةٍ معتبرة في البلاد كفيلٌ بنقل زمام الحكم إلى أيديهم دون إراقة دماء. غير أنّ الديار اليمنيّة كانت تعاني آنذاك من تعدّد القوى المتنازعة على السيطرة، فإلى جانب النفوذ العُثماني، وُجد المماليك والإمامة الزيديَّة، فضلًا عن بقايا الطاهريين في عدن، والپُرتُغاليين الذين سعوا إلى بسط هيمنتهم على السواحل.[181]
وفي سنة 945هـ المُوافقة لسنة 1538م حدث ما حمل السُلطان سُليمان على السعي لفرض السيطرة العُثمانيَّة المُباشرة على اليمن وسواحلها، واتخاذها قاعدةً لانطلاق عمليَّاته البحريَّة ضدّ الپُرتُغاليّين في أعالي البحار. فقد وفد إلى البلاط العُثماني سفيرٌ من قِبَل السُلطان الصوري صاحب دلهي في الهند، يستنجد بالباب العالي لمساعدته في صراعه مع السُلطان المغولي نصير الدين همايون، كما قَدِم سفيرٌ آخر من قِبَل سُلطان الگُجرات بهادُر شاه يطلب العون ضدّ الپُرتُغاليّين الذين أغاروا على بلاده واحتلُّوا أهم ثغورها. عندئذٍ أصدر السُلطان أوامره إلى والي مصر سُليمان باشا الخادم بتجهيز أُسطُولٍ كبير بثغر السُويس والانطلاق لمحاربة الپُرتُغاليّين، وضمّ عدن وبسط الهيمنة العُثمانيَّة على الديار اليمنيَّة كلّها؛ وذلك حذرًا من أن تقع هذه البلاد تحت سيطرة الإمبراطوريَّة الپُرتُغاليّة أو أيّ قوَّة أوروپيّةٍ أُخرى، فتتحوّل إلى عقبةٍ أمام تقدُّم الدولة العُثمانيَّة في الشرق، وإلى قاعدةٍ تُوجَّه منها الأعمال العدائيّة ضدّ إيالة مصر.[182]

امتثل سُليمان باشا لأوامر السُلطان، فأشرف على تشييد أُسطولٍ ضخمٍ تألَّف من سبعين سفينة جُهِّزت بأحدث المدافع الثقيلة، ثم أبحر به في شهر حُزيران (يونيو) سنة 1538م، يصحبه قُرابة عشرين ألف جندي من المُشاة والبحَّارة استعدادًا لتنفيذ المهام الموكلة إليه في اليمن والمُحيط الهندي.[182] وتُعدُّ حملة سُليمان باشا أوَّل حملةٍ عُثمانيَّةٍ استهدفت فرض السيطرة العثمانيّة على اليمن بصورةٍ واضحة، وتصفية الأوضاع هُناك بما يخدم مصالح الدولة العُثمانيَّة. وقد جاءت هذه الحملة في إطار سياسةٍ أوسع ترمي إلى تأمين الجبهة الجنوبيَّة للدولة، تمهيدًا للتفرُّغ لمُواجهة الپُرتُغاليّين وبسط النُفُوذ على طُرُق التجارة المُؤدِّية إلى الشرق الأقصى.[181] والحقيقة أنّ القوى المحليَّة في شبه الجزيرة العربيَّة كانت تدعو العُثمانيّين إلى مُساندتها في مواجهة الخطر الپُرتُغالي، رغبةً في إعادة فتح الطُرُق البحريَّة التجاريَّة وتأمينها بعد أن اضطربت بفعل التدخُّل الپُرتُغالي. وإلى جانب ذلك، وجد العُثمانيُّون أنفسهم أمام دافعٍ استراتيجيٍّ آخر جعل الحرب مع الپُرتُغاليّين أمرًا لا مفرَّ منه، تمثّل في تحالف الپُرتُغاليّين مع أعدائهم الصفويين في إيران. كما حرصت الدولة العُثمانيَّة على الدفاع عن الحرمين الشريفين في الحجاز من التهديد الپُرتُغالي المُتزايد، لما في ذلك من تعزيزٍ لمكانتها الروحيَّة والسياسيَّة في العالم الإسلامي.[183]


إضافةً إلى ذلك، تحالف الپُرتُغاليُّون مع الأحباش في مسعىً لشلِّ النشاط التجاري الإسلامي عبر تطويق المشرق العربي والعالم الإسلامي من الجنوب. ولتحقيق هذه الغاية، استمات الپُرتُغاليّون في صراعهم للسيطرة على بحر القُلزم، ولا سيّما مداخله الجنوبيَّة، وفي مقدِّمتها مدينة عدن التي كانت هدفًا مُتكرِّرًا لحملاتهم العسكريَّة ومحاولاتهم التوسُّعيّة.[184] وما أن وصل الأُسطُول العُثماني إلى عدن حتَّى استدعى سُليمان باشا أمير المدينة عامر بن داود الظاهري لزيارة سفينته، وكان هذا الأخير قد كتب إلى السُلطان العُثماني طالبًا منه المُساعدة ليتغلَّب على الإمام الزيدي يحيى شرف الدين الذي كان يُسيطر على المنطقة الوسطى في اليمن ويطمع إلى ضم عدن لمنطقة نُفُوذه، وأبدى القائد العُثماني له استعداده لمُساعدته، بناءً على مُوافقة السُلطان العُثماني، ما شجَّع عامرًا على تلبية الدعوة والصُعُود إلى السفينة، غير أنَّ القائد العُثماني غدر به قبل أن يستقر به المقام على ظهر السفينة، وأمر بقتله، ونصب جُثَّته على السارية، ومن ثُمَّ أنزل قُوَّاته واستولى على عدن دون قتال، وأمر بقتل من بقي من الطاهريين ومُصادرة مُمتلكاتهم بحُجَّة أنَّهم حاولوا تسليم عدن للپُرتُغاليّين، لكنَّ بعض المُؤرِّخين نفى هذه التُهمة عن الطاهريين. فوَّض سُليمان باشا أحدَ قادته، ويُدعى بهرام، بتولّي إدارة عدن، ثم أقلع بأُسطوله نحو الهند لاستئناف الحرب على الپُرتُغاليّين.[183]
وصل الأُسطُول العُثماني إلى عرض البحر قبالة ديو في الهند، فشرع في مُحاصرة الميناء وقصف قلعة الپُرتُغاليّين بالمدافع. غير أنَّه ما لبث أن انسحب على نحوٍ مُفاجئ في الأُسبوع الأوَّل من شهر تشرين الثاني (نوڤمبر)، عائدًا أدراجه إلى بحر القلزم. وقد أُوردت عدَّة تفسيراتٍ لهذا الانسحاب؛ من بينها أنَّ السُلطان بهادُر شاه كان قد قُتل غدرًا على أيدي الپُرتُغاليّين قُبيل وُصُول الأُسطُول العُثماني، فأبى خليفته أن يُزوِّد الأُسطُول بالمُؤن والذخائر، ارتيابًا في نوايا العُثمانيين بعد ما جرى لأمير عدن على أيديهم.[185] وصف المُؤرِّخ الفقيه أحمد زين الدين المليباري هذا الحدث قائلًا: «وَقَدْ وَصَلَ في تِلْكَ السَّنَةِ سُلَيْمَان باشَا وَزِيرُ السُّلْطَان سُلَيْمَان شاه، في اسْتِعْدَادٍ عَظِيمٍ تَامٍّ، في نَحْوِ مِائَةٍ مِنَ الغُرْبَانِ وَالبَرْشَانِ[يه] وَغَيْرِهِمَا، إِلَى بَنْدَرِ عَدَن... ثُمَّ وَصَلَ إِلَى جَزَرَاتٍ، فَشَرَعَ في حَرْبِ دِيُو، وَكَسَّرَ أَكْثَرَ القَلْعَةِ بِالمَدَافِعِ العِظَامِ السُّلْطَانِيَّةِ، ثُمَّ أَلْقَى الله هَيْبَةَ الإِفْرِنْجِ في قَلْبِ سُلَيْمَانَ باشَا، فَرَجَعَ مِنْ غَيْرِ فَتْحٍ إِلَى مِصْرَ، ثُمَّ إِلَى الرُّومِ، وَذَٰلِكَ مَا قَدَّرَ الله سُبْحَانَهُ امْتِحَانًا لِعِبَادِهِ».[188] وخلال عودته، بسط سُليمان باشا نُفوذه على المخا وجيزان وعددٍ من المواقع الأُخرى، فوطَّد فيها السُّلطة العُثمانيَّة وعيَّن الحُكَّام عليها، فكان ذلك بمنزلة الابتداء الفعلي لضمِّ اليمن إلى الدولة العُثمانيَّة. ثمَّ توجَّه إلى القاهرة بعد أن حجَّ إلى البيت الحرام، ومنها عاد إلى إسلامبول.[181]
والحقيقة أنَّ سُليمان باشا قد أضاع على العُثمانيين فُرصة تكوين جبهةٍ إسلاميَّةٍ مُوحَّدة في البحار العربيَّة والمُحيط الهندي، بعد ما ارتكبه بحق عامر بن داود الطاهري، إذ أدَّى ذلك إلى فقدان العُثمانيّين ثقةَ أهالي المنطقة، ومن ثَمَّ ضاعت إمكانات التحالف في مُواجهة الغزو الپُرتُغالي. وقد انعكس هذا الموقف على سلوك مُسلمي الهند إزاء الحملة العُثمانيَّة، ودفع بعض الباحثين المُعاصرين إلى الرأي بأنَّ الغاية الرئيسة من تلك الحملة كانت بسط السيطرة على السواحل اليمنيَّة أكثر من كونها حربًا ضدَّ الپُرتُغاليّين في الهند. ومع ذلك، فقد حقَّق العُثمانيّون في حملتهم هذه نجاحًا ملحوظًا، إذ أغلقوا ميناء عدن أمام السُفُن الغربيَّة، وجعلوا بحر القلزم بحرًا إسلاميًّا مُغلقًا. ومن ثَمَّ باتت السُفُن التجاريَّة الأوروپيَّة تُفرغ حُمُولتها في الموانئ الجنوبيَّة لليمن، لتنقلها السُفُن الإسلاميَّة عبر بحر القلزم.[189]
الحملة الثانية على المجر

خلال انشغال السُلطان بحملته على البُغدان ثُمَّ بالصلح مع البُندُقيَّة، كان كُلٌّ من فرديناند أرشدوق النمسا ويُوحنَّا زابوليا يتَّفقان على اقتسام بِلاد المَجر والتخلُّص من التبعيَّة العُثمانيَّة، باعتبار أنَّها مُشينة لجميع الممالك المسيحيَّة، وعلى أن يتصرَّف كُلٌّ منهُما آمنًا في الجُزء الخاضع لسيطرته. ولمَّا كان زابوليا ما زال أعزب، اتُّفق أيضًا على أن تؤول مُمتلكاتُهُ بعدَ وفاته إلى فرديناند.[160] غيرَ أنّه قد حدث أن تزوَّج زابوليا من إيزابلَّ يَغلُونِيكة ابنة ملك بولونيا زغمُنت العجوز، فولدت له ابنًا سمَّاه يُوحنَّا زغمُنت ممَّا أعاد فتح المسألة المجريَّة مُجدَّدًا.[190] وكان فرديناند قد بعث بنسخةٍ من اتفاقه مع زابوليا إلى السُلطان، ليُطلعه على عدم ولاء زابوليا له، ساعيًا من وراء ذلك إلى الإيقاع به والتفرُّدِ بحُكم البلاد.[160]
وفي سنة 947هـ المُوافق لسنة 1540م، توفي زابوليا قبل أن تقتص الدولة العُثمانيَّة منه، فتفجَّرت الأزمة جديًّا، حيثُ اغتنم فرديناند هذه الفُرصة فسيَّر قُرابة ثمانين ألف جُندي، قسَّمهم بين فرسانٍ امتطوا خُيولهم حتَّى بلغوا أسوار بودا، ورجَّالةٍ أبحروا عبر نهر الطونة حتَّى وصلوا المدينةَ نفسها، فحاصروها في محاولةٍ لانتزاعها من أيدي العُثمانيين بحجَّة أنَّ يُوحنَّا زغمُنت ليس ابنًا شرعيًّا لزابوليا. كما احتلَّ النمساويُّون مدينة بست، المُقابلة لبودا على الضفَّة الأُخرى من الطونة. وفي الوقت نفسه، بعث فرديناند بوفدٍ إلى إسلامبول يلتمس من السُّلطان أن يمنحه البلاد المجرية.[191][192][193]

ونتيجةً لهذا التقدُّم النمساوي، استنجدت الملكة إيزابلَّ بالسُلطان سُليمان، الذي أزعجه تمدُّدُ نُفوذ آل هابسبورغ. وإلى جانب ذلك، كان السُّلطان قد اعترف بيوحنَّا زغمُنت ملكًا على المجر وتابعًا للباب العالي، بعد أن تأكَّد من صحَّة بُنُوَّته لزابوليا. وعلى هذا الأساس، بعث جيشًا يضمُّ عدَّة آلافٍ من الإنكشاريَّة وجميع عسكر الروملِّي، تحت قيادة الوزير محمَّد باشا الصقللي، إلى بلاد المجر لطرد النمساويين منها. ثم خرج السُّلطان بنفسه في أثر هذا الجيش يوم 25 صفر 948هـ المُوافق 21 أيَّار (مايو) 1541م، متوجِّهًا إلى بلغراد ليكون على مقربةٍ من مجرى الأحداث،[175][192] ومصحوبًا بابنيه سليم وبايزيد، إضافةً إلى قاضي عسكر الروملِّي أبو السعود أفندي والوزير سُليمان باشا الخادم.[194]
أمَّا مُحمَّد باشا، فقد توجَّه إلى بودا، حيث واجه النمساويِّين عند أسوارها، فدار بين الجيشين قتالٌ عنيفٌ استمرَّ شهرًا كاملًا دون أن يُحرز أيٌّ منهما تقدُّمًا حاسمًا. ولمَّا بلغ الخبر السُلطان، نهض مسرعًا لدعم محمَّد باشا وفكِّ الحصار عن المدينة. وحين شاع نبأ قُرب وصوله، دبَّ الخوف والهلع في صفوف المُعسكر النمساوي، فاندفع الجنود ليلًا نحو سُفنهم طلبًا للنجاة. عندها باغتهم مُحمَّد باشا مع قُوَّاته، فأوقع فيهم مذبحةً كبيرة، وأسر عددًا كبيرًا من أعيانهم، كما استولى على ما خلَّفوه من المدافع الثقيلة وآلات الحصار وسائر الأثقال. وقد وقعت هذه المعركة ليلة 29 ربيع الآخر 948هـ المُوافق 22 آب (أغسطس) 1541م.[192] وصف البجوي هذه الوقعة قائلًا: «وعِندَما اقتَرَبَ (السُلطان) مِنَ القَلعةِ بثلاثة أو أربعة مَنَازِل، أذهَلَت هَيبَة عَسكَر الإسلام الجرَّارة مثل النمل، الجوَّ العام، ودَبَّ الخوف والاضطراب في قُلُوب الكُفَّار المأثورين بالهزيمة، ونتيجةً لهذا، لجأ الكُفَّار سرًّا إلى سُفُنهم بعدَ العِشَاء [...]، وما أن علم عسكر الإسلام بأنَّ الكُفَّار قد هَرَبوا، وقد عزموا على العُبُور إلى الشاطئ الآخر لنهر طونة، حتَّى هَجَموا على طوابيرهم المقهورة بجسارةٍ فائقة، وقد تزاحموا ازدحامًا شديدًا في سُفُنهم؛ بسبب خوفهم من جًند الإسلام حتَّى أصبح بعض الكُفَّار طعمًا للسيف قبل أن يرفعوا أقدامهم من البرِّ، وغرق بعضهم الآخر في نهر طونة...».[195]
وصل السُلطان إلى بودا يوم 4 جُمادى الأولى المُوافق 26 آب (أغسطس)، وأمر بقتل جميع الأسرى،[192] ثُمَّ استقبل الملكة إيزابلَّ وابنها، البالغ سنةً واحدة فقط، في مراسمٍ خاصَّة، وأعلن لها أنه منح ابنها إمارة الأردل وأنه يسمح له بحمل لقب «ملك» طوال حياته. غير أنَّ بلاد المجر، نظراً لأهميتها الاستراتيجيَّة للدولة العُثمانيَّة، وبفعل صغر سن يُوحنَّا وعجز والدته الشابة عن فرض نفوذها لقلَّة أنصارها في البلاط المجري، جُعلت ولايةً عُثمانيةً جديدة تابعة للدولة مُباشرةً، وسُميت «إيالة بودين». وعيَّن السُّلطان عليها واليًا هو أوزون سليمان باشا بن رمضان، والي بغداد السابق، وعددًا من الموظفين، وتعهَّد لإيزابلَّ بأنه سيُبقي البلاد تحت السيطرة العُثمانيَّة المُباشرة طوال طفولة ابنها، ويُعيدها إليه متى بلغ سن الرشد.[196][197]
ثُمَّ دخل السُلطان مدينة بودا باحتفالٍ زائد، ونصَّب فيها قاضيًا ودُزدارًا[يو]، وعيَّن لحفظ القلعة جماعةً من الإنكشاريَّة، كما حوَّل أكبر كنائس المدينة، وهي كنيسة متياس كورڤن، إلى مسجدٍ جامعٍ للمُسلمين،[192][196] فعُرف مُنذ ذلك الحين بـ«إسكي جامع» أي «الجامع العتيق» وكذلك بـ«بُيُوك جامع» أي «الجامع الكبير»، و«جامع سُليمان خان».[وب 6] وكذلك أمر ببناء المساجد والجوامع في مدينة بست، وعيَّن لها أيضًا حفاظًا ونوبتجيَّة[يز].[192]
ويبدو أنَّ فرديناند وجد نفسه وحيدًا في مُواجهة العُثمانيين، ففضَّل عقد الصُلح وأرسل وفدًا إلى بودا لهذا الغرض. وعندما وقف أعضاء الوفد بين يدي السُّلطان، قدَّموا له العديد من الهدايا النفيسة، منها ساعة تدل على الأيَّام والشُهُور وحركة الكواكب، كما عرضوا عليه رسالة أرشدوقهم، تتضمن اقتراح دفع مائة ألف فلورين سنويًا جزيةً عن جميع بلاد المجر إذا تُركت له، أو أربعين ألفًا فقط عن الجزء المُحتل من قِبل جُيُوش النمسا. فأجابه السُلطان بعدم التخابر معهم بشأن الصُلح إلَّا بعد أن يُخلي فرديناند القلاع المجريَّة الواقعة في قبضته. ولذا لم يتم الصُلح وبقي العدوان مُستمرًّا.[196]
ولمَّا تمَّ أمر تلك البلاد، غادرها السُلطان في 24 جُمادى الأولى المُوافق 15 أيلول (سپتمبر)، مُتجهًا إلى دار مُلكه إسلامبول، فوصلها في 8 شعبان المُوافق 27 تشرين الثاني (نوڤمبر).[192]
الجهاد البحري في الحوض الغربي للبحر المُتوسِّط
سعي فرنسا إلى تجديد التحالف مع العُثمانيين
بُعيدَ استقرار السُلطان في عاصمة مُلكه، قدم إليه سفيرٌ من طرف ملك فرنسا يُبلغه باستئناف الحرب بين دولته والإمبراطور شرلكان، ويُفيد بأنّ الملك فرنسوا يسعى إلى تجديد التحالف مع الباب العالي.[196] وقد كان سبب ذلك النزاع القائم بين العاهلين الفرنسي والإسپاني على مُلك عددٍ من الأقاليم في أوروپَّا الغربيَّة؛ إذ طمح فرنسوا إلى ضمّ دوقيَّة ميلانو بدعوى أنّ أسلافه حكموها في عصورٍ سابقة، كما رغب في الاستحواذ على بُرغُونية وبلاد النبلطان والفلمنك. أمَّا الإمبراطور الإسپاني فقد أصرّ على إلزام فرنسوا بالوفاء ببُنُود مُعاهدة مجريط، التي أرغمه على القبول بها إبّان أسره كما أُسلف.[la 72] وفي شهر آذار (مارس) 1540م اقترح شرلكان تسوية النزاع القائم عبر تزويج ابنته مارية من الابن الأصغر لفرنسوا، بحيث يرث الزوجان الأراضي المُنخفضة وبُرغُونية وشاروليه بعد وفاة الإمبراطور،[la 73] وفي المُقابل، يتخلَّى فرنسوا عن مُطالبته بدوقيتيّ ميلانو وساڤوي، ويُقرّ بمُعاهدتي مجريط وقمراي، وينضم إلى شرلكان في حُرُوبه ضدَّ المُسلمين والپروتستانت.[la 73] غير أنّ فرنسوا اعتبر خسارة ميلانو ثمنًا باهظًا مقابل حصوله على الأراضي المنخفضة، ولم يكن ليرضى بإقرار المعاهدتين السابقتين مطلقًا. لذلك قدّم إلى الإمبراطور عرضًا بديلًا، يقضي بتنازله عن حقه في ميلانو مقابل تسليمه الأراضي المنخفضة فورًا. وقد دارت بين الطرفين مباحثات امتدّت لأسابيع عدّة، من غير أن تُفضي إلى أي نتيجة.[la 73]
سعى فرنسوا عندئذٍ إلى إبرام أحلافٍ مع بعض الأُمراء اللوثريين في شمال ألمانيا، وفي مقدّمهم أُمراء الاتحاد الشِمَلْكَلْدِي (بالألمانية: Schmalkaldischer Bund). غير أنّ مُعظم هؤلاء سُرعان ما عقدوا معاهداتٍ منفردة مع شرلكان، ضمنت لهم الحفاظ على مُعتقداتهم وصون أراضيهم،[la 74] وإزاء ذلك، لم يجد الملك الفرنسي بُدًّا من أن يُوجّه أنظاره مرّة أخرى نحو الشرق الإسلامي، ساعيًا إلى تجديد تحالفه مع السُلطان سُليمان ضدَّ العدو المُشترك. لكنَّ السُلطان تردَّد في قبول هذا العرض بسبب عدم ثبات ملك فرنسا في المرَّات السابقة ولضعف سياسته.[196]
هزيمة الإسپان في الجزائر

خلال الفترة التي تزامنت مع عودة السُلطان سُليمان من حملته الأخيرة على المجر، كان شرلكان يُعدُّ العدّة للانتقام من الهزيمة التي مُني بها شقيقه، وبالتالي إمبراطوريَّته، في تلك البلاد.[la 75] فتحالف مع جُمهُوريَّّة جنوة وفُرسان الإسبتاريّة في مالطة، وأمدَّه البابا ببعض السُفُن أيضًا، ثم قرّر توجيه ضربته إلى الدولة العُثمانيَّة في المغرب الأوسط. وتولّى شرلكان قيادة هذا الجيش العرمرم بنفسه، فغادر إسپانيا مُتأخرًا في 7 جمادى الآخرة 948هـ المُوافق 28 أيلول (سپتمبر) 1541م، بسبب بعض المُشكلات التي واجهها في ألمانيا والفلمنك.[la 75] تجمَّع الأُسطُول المسيحي في خليج ميورقة، وتجاوز عدد سفنه خمسمائة سفينة، تحمل على متنها أربعةً وعشرين ألف جُنديّ،[la 76][la 77] وما يزيد عن اثني عشر ألف بحَّار.[200]
نزلت هذه القُوَّات البر عند مصبّ وادي الحراش يوم 3 رجب المُوافق 23 تشرين الأوَّل (أكتوبر) من السنتين المذكورتين،[la 75][201] وسُرعان ما تقدَّمت لتُحاصر مدينة الجزائر. وكان حسن الأكبر، نجل خير الدين باشا، ينوب عن والده آنذاك في حُكم الإيالة، فتصدَّى للمُحاصرين بشراسة، يُعاونه في ذلك ستة آلاف جُندي بحري من طائفة اللاوند وما يُقارب ألفيّ رجل من أهل الجزائر،[201] إضافةً إلى ما بين ألف وخمسمائة وألفيّ إنكشاري، فضلًا عن ستة إلى ثمانية آلاف مُجاهد أندلُسي ومغربي.[la 76][la 77][202] وقد نجح النصارى في احتلال مُرتفع «كدية الصابون» المُشرف على المدينة، فدبَّ الخوف في النُفُوس، وحاول بعض الأهالي الضغط على حسن بك للتفاوض مع الإمبراطور تفاديًا للقتال، لا سيَّما وأنَّ ما ارتكبه الأخير في تونس كان ما يزال حاضرًا في الأذهان. غير أنّ حسن بك شدَّد من عزائم رجاله والأهالي، وأصرَّ على قتال الأعداء وكسرهم، فردَّهم بادئ الأمر عن أسوار المدينة، ثُمَّ بيَّتهم (هاجمهم ليلًا) ليلة 3 - 4 رجب = 23 - 24 تشرين الأوَّل (أكتوبر) وأخذهم على حين غرَّة، فأوقع بهم خسائر جسيمة قُدِّرت بثلاثة آلاف قتيل.[201]

ولم تكن الأحوالُ الجويةُ في صالحِ القوَّات المسيحيَّة؛ إذ اندلعت عاصفةٌ عنيفةٌ مصحوبةٌ بأمطارٍ غزيرةٍ أتلفت مراسي عددٍ كبيرٍ من سفنهم وجرفت البعض بعيدًا، وتحطّمت خمسة عشر سفينةً على الشاطئ، وغرقت ثلاثةٌ وثلاثون قُرقُورًا.[la 78] خلَّفت هذه العاصفة جيش النصارى في حالةٍ يُرثى لها؛ فكان معظم الجُنُود ناعسين ومُرهقين، وفي قمة الجوع والعطش نتيجة سوء تنظيمِ مراكز التموين. ولم يجد الإمبراطور بُدًّا من إصدار أمرِ الانسحابِ إلى ما تبقَّى من السُفُن. إلَّا أنَّ حسن بك أصرَّ على مُعاقبة هؤلاء الغُزاة حتى لا يعود عندهم طموحٌ في التسلُّطِ على الجزائر، فهاجم السُفُن الباقية فأحرق بعضها، وأمر بذبح خيل العدوّ التي نجت من الغرق — وما كان منها من مجموع خيله الأصلي قُدِّر قُرابةَ أربعة آلاف — فحرمهم بذلك وسيلةَ تنقُّلٍ برّيةً ومصدرًا مُحتملاً للحومِ في حالة الحاجة. كما ابتلَّ بارودُ النصارى نتيجةَ العاصفة فتعطّلت بنادقُهم، وعجزوا عن نقلِ أمتعتهم الثقيلة إلى السُفُن، فانقضَّ عليهم المُسلمُون ففتكوا بهم فتكًا شديدًا،[201] فصار عددُ القتلى بينهم ما بين ثمانية آلافٍ واثني عشر ألفًا، إضافةً إلى نحو ثلاثمائة قائدٍ من قياداتِهم.[la 79][la 80][203] وامتلأ الساحل — على امتداد كيلومتراتٍ — بجثث العدوِّ وأنقاض السُّفُن، بدءًا من شرشال وحتَّى تنس، وغنم المُسلمون كثيرًا من الأمتعة والأسلحة والأسرى، إضافةً إلى مائةٍ وثلاثين سفينةً من سُفُن العدوّ.[201] ولم يخسر المُسلمون أكثر من مائتيّ جُندي،[204] غير أنّهم فقدوا مُعظم الجدَّافة الأسرى في الأُسطول المسيحي، إذ لم يتمكن حسن بك من إنقاذ سوى نحو ألفٍ وثمانمائةٍ منهم من الغرق.[201]
أمَّا الإمبراطور شرلكان فقد نجا بصعوبةٍ من قبضة حسن بك، إذ حال الإسبتاريُّون دونه وأحاطوا به مُدافعين عنه ببسالة، فلم يتمكَّن الأخير من الوُصًول إليه. واضطرَّ الإمبراطور إلى الفرار صاعدًا إلى إحدى السُفُن، مُلقيًا بتاجه وخُيُوله في البحر،[201][la 81] ثم انسحب عائدًا إلى بلاده يجر أذيال الخيبة.
استنجاد ملك فرنسا بالعُثمانيين

أسهم هذا النصر على الإسپان في تبديل موقف السُلطان سُليمان من مسألة مُساندة الفرنسيين، والحقيقة أنَّ خير الدين بربروس باشا أدّى دورًا بارزًا لا يُستهان به في حثِّ السُلطان على تجديد الحلف مع فرنسا، سعيًا إلى القضاء على الخطر الإسپاني أو الحدِّ من نفوذه.[196] وفي الوقت نفسه، أوفد الملك فرنسوا سفيره الذي كان قد قابل السُلطان من قبل في بلغراد، وهو «أنطونيو رنسون»، ليبحث معه في الترتيبات العسكريَّة اللازمة لمُهاجمة شرلكان. غير أنه ما إن بلغ مدينة رِڤُولي حتّى اغتيل على يد أحد أعوان دوق ميلانو التابع لشرلكان، وبأمرٍ منه،[la 82] طمعًا في العُثُور على أوراقٍ يحملها إلى السُلطان يُظنُّ أنَّ فيها ما يمسُّ المسيحيَّة، ليتمكَّن شرلكان من نشرها بين مُلُوك وأُمراء أوروپَّا فيُثير حنقهم على الملك الفرنسي ويحرمه مُساندتهم، فيظفر هو بالغلبة عليه. غير أنَّ مسعاه باء بالفشل، إذ لم يُعثر مع السفير على شيءٍ من ذلك، فأُهرق دمه هدرًا.[196] ولمَّا بلغ الملك فرنسوا خبرَ مقتل سفيره، بعث مكانه أحدَ قادته البحريِّين، وهو القُبطان «أنطوَن إسْكَلِين دي إيمَار» (بالفرنسية: Antoine Escalin des Aimars) الشهير بـ«القُبطان پولان» (بالفرنسية: Capitaine Paulin). ولمَّا مثل هذا السفير بين يديّ السُلطان، ألحَّ عليه في أن يُساند بلاده في حربها ضدَّ شرلكان بأسطوله العُثماني وقائده خير الدين باشا،[196] فوافق السُلطان على مؤازرة الملك الفرنسي ودعم مسعاه. والواقع أنَّ الدافع الأقوى وراء تحرُّكه كان محاولة فرديناند، أرشدوق النمسا، استعادة مدينة بست من جديد؛ إذ بعث الأخير الأمير الناخب لبرندنبُرغ يواقيم هُوهنِتْسُلرن على رأس جيشٍ كبيرٍ نحوها، فحاصرها وقصفها بالمدافع، غير أنَّه ووجه بمقاومةٍ صلبةٍ من حاميتها، فارتدَّ عنها خائبًا،[194] وكان لا بُدَّ عندئذٍ من تأديب النمساويِّين مرَّةً أُخرى.
قصَّت خُطَّةُ الاتفاق على أن يُهاجم الملك فرنسوا مُمتلكات آل هابسبورغ في الفلمنك شمالًا، وأن يتولَّى قسمٌ من أُسطوله الإغارة على السواحل الإسپانيَّة، فيما يتولَّى القسم الآخر مُهاجمة المُمتلكات الإمبراطوريَّة الإسپانيَّة في البحر المُتوسِّط بالتعاون مع الأُسطول العُثماني. أمّا العُثمانيُّون، فكان من المقرَّر أن يُوجِّهوا جُيُوشهم لقتال قوَّات شرلكان في أوروپَّا الوسطى.[205][la 83]
الحملة الثالثة على المجر والحملة البحريَّة الفرنسيَّة
غادر السُلطان إسلامبول يوم 8 شعبان 949هـ المُوافق 17 تشرين الثاني (نوڤمبر) 1542م متوجِّهًا إلى أدرنة حيث أمضى فصل الشتاء فيها.[206] ثُمَّ غادرها مع جُيُوشه يوم 2 مُحرَّم 950هـ المُوافق 7 نيسان (أبريل) 1543م قاصدًا قتال النمساويِّين. وقد اصطحب في هذه الغزوة ولده الشاهزاده بايزيد، كما انضمَّ إليه بكلربك الروملِّي أحمد باشا، وبكلربك الأناضول إبراهيم باشا.[207] وفي 23 مُحرَّم المُوافق 28 أيَّار (مايو) من السنة نفسها، أبحر خير الدين بربروس باشا من إسلامبول على رأس الأُسطُول الهُمايوني، مُصطحبًا معه السفير الفرنسي القُبطان پولان، قاصدًا مدينة مرسيلية.[201][208]

عبر الجيشُ العُثمانيُّ إلى بلاد المجر من الجسر المُقام على نهر صوه عند قلعة «بكوردلن»، فأوفد السُلطانُ بكلربك الروملِّي أحمد باشا مع عساكر إيالته لفتح بلدة «والبوة»، وكانت هذه البلدة قد خضعت للعُثمانيِّين في إحدى حملات السُلطان سُليمان السابقة، غير أنَّ النمساويِّين استردُّوها بعد انسحاب الجُيُوش الهُمايونيَّة إلى ديارها. فحاصرها أحمد باشا أيَّامًا حتَّى افتتحها. ولمَّا عبر السُلطان نهر دراوة أمر بمُحاصرة بلدة «شقلوش» (بالمجرية: Siklós)، وكانت قد فُتحت من قبل ثمَّ استعادها النمساويُّون كسابقتها، فتمَّ فتحها بعد خمسة أيَّام. وفي اليوم نفسه الذي فُتحت فيه، أُحرز أيضًا فتحُ مدينة بج.[207] وجَّه السُلطان بعد ذلك أنظاره إلى فتح اثنتين من أعظم المدن شأنًا في الديار المجريَّة، وهما «إستركون» و«إستولني بلغراد». أمَّا الأولى، فكانت تُعدُّ المركز الدينيَّ للمجر، ومقرَّ رئيس أساقفة البلاد الكاثوليكي. وأمَّا الأُخرى فكانت المدينة التي دُفن فيها مُلوك المجر، إذ جرت العادة أن يُتَوَّجوا في كاتدرائيَّتها ثم يُواروا الثرى فيها عند وفاتهم.[209]
أمر السُلطان بإرسال المدافع الثقيلة عبر نهر الطونة مع عددٍ كبيرٍ من رجَّالة العسكر، ثم سار هو بنفسه في بقيَّة الجُند فحاصر مدينة إستركون يوم 23 ربيع الآخر المُوافق 24 تمُّوز (يوليو). واستمرَّ الحصارُ والقتال نحو ستة عشر يومًا، حتَّى اضطرَّ المُدافعون إلى تسليم المدينة بالأمان. فتسلَّمها السُلطان يوم 6 جُمادى الأولى المُوافق 10 آب (أغسطس)، وأمَّن أهلها وأحسن إليهم، وأمر ببناء المساجد والجوامع فيها، كما زوَّدها بالذخائر والعساكر، وعيَّن لها قاضيًا وصوباشيًّا لتدبير شؤونها.[207][210]
توجَّه السُلطان بعد ذلك لفتح مدينة «إستولني بلغراد»، فاستولى أثناء زحفه على بلدة «تاتا»، ثُمَّ ظهر عند أسوار المدينة المذكورة يوم 22 جُمادى الأولى المُوافق 26 آب (أغسطس)، وضرب الحصار عليها. واستمرَّ الحصار والقتال نحو اثني عشر يومًا، حتى سلَّمها أهلها بالأمان يوم 4 جُمادى الآخرة المُوافق 7 أيلول (سپتمبر)، فأمَّن السُلطان سُكَّانها، وعلى رأسهم الرُهبان والشمامسة والقساوسة، وسمح لكل من أراد البقاء منهم بالاستقرار. وعيَّن للمدينة أميرًا ودُزدارًا ونوبتجيَّة وغير ذلك من المسؤوليَّات الضرورية.[207] ورغم أن المدينة فُتحت عنوةً، راعى السُلطان مشاعر المجريين فلم يأمر بتحويل الكاتدرائيَّة الكبرى، التي كان يُتوَّج فيها الملوك، إلى مسجدٍ جامع، بل أبقاها تحت إدارة الأسقفيَّة الكاثوليكيَّة، وأمر بتحويل كنيسة أصغر بدلها. كما عيَّن والي بودا أحمد بك أميرًا على سنجق «إستولني بلغراد»، وأصبحت «إستركون» إحدى أهم قواعد الجُند العُثمانيّ نظرًا لموقعها على الحدود النمساويَّة. وبعد إتمام هذه الترتيبات، قفل السُلطان عائدًا إلى عاصمته إسلامبول.[209]
وخلال الفترة التي كان فيها السُلطان يُقاتل برًّا، فاتحًا الحُصُونَ المنيعة، كان أُسطول خيرُ الدين بربروس باشا المؤلَّف من مائةٍ وعشرِ غلايين وخمسين قويدسًا، مُتَّجهًا نحو السواحل التابعة لشرلكان.[la 84] فوصل أوّلًا إلى مضيق مسّينة بصقلية، فاستسلمت له مدينتا مسِّينة ورية قلورية الواقعتان على ضفَّتَي المضيق دون مقاومة.وقد دمّر خيرُ الدين باشا التحصينات العسكريَّة لهاتين المدينتين وجعلهما كأن لم تكونا، من غير أن يتعرَّض لأهاليهما بسوء، ثُمّ تابع طريقه حتّى بلغ مدينة غَيْطَة، فتصدَّى له حاكمها الدون يعقوب الغَيْطِيّ (بالإسبانية: Don Diego Gaetano) وقاوم العُثمانيِّين، غير أنَّه هُزِم، فسقطت المدينة في يد خير الدين باشا بعد أن فقد ثلاثة رجالٍ فقط، ولم يُؤذ أهلها بسوءٍ أيضًا. ولم يلبث بربروس باشا أن وصل ميناء «أُسْطِيَة» (بالإيطالية: Ostia)، وهي ثغر مدينة رومة، وتقع على مصب نهر تَوْذُر على بُعد خمسة عشر كيلومترًا منها، فسيطر عليها أيضًا. وهكذا أصبحت الطريق إلى رومة مفتوحة، فأراد خيرُ الدين باشا دخولها وعرضَ قوّاته العسكريّة على مرأى الناس، غير أنّ السفير الفرنسيّ الذي كان يُرافقه خرَّ على قدميه ورجاه ألّا يفعل، لأنّ ذلك — كما قال — لن يُفيد فرنسا، بل سيحمل البابا على حرمان ملكه حرمانًا كنسيًّا.[211]

انتقل الأسطول العُثماني من البحر التيراني عبر مضيق بُنِفَاسِيُوه إلى غرب البحر المُتوسِّط، ودخل ميناء مدينة طولون، قاعدة إمارة البحار الفرنسيَّة في ذلك العهد، يوم 10 ربيع الآخر المُوافق 11 تمُّوز (يوليو)، فاستقبل الفرنسيُّون العُثمانيِّين بحفاوةٍ بالغة، ورفعوا الرايةَ العُثمانيّة على سُفُنهم، وأطلقوا المدافعَ تحيّةً لقدومهم. دخلت السُّفُن الفرنسيّة، وعددُها أربعةٌ وأربعون سفينة، تحت إمرة خيرِ الدين باشا، واستقبله أمير البحار الفرنسي القُمَّس فرنسوا البُربوني (بالفرنسية: François de Bourbon) استقبالًا رسميًّا مهيبًا لا يُقام إلّا للحكّام، واصطحبه إلى مرسيلية.[211] أقام بربروس باشا في المدينة الأخيرة ستة عشر يومًا، ثمّ عاد إلى طولون، ومنها توجَّه إلى أنتيب فإلى نِيقَة التابعة لدوقيَّة ساڤوي الخاضعة لشرلكان. بدأ حصار المدينة المذكورة يوم 6 جُمادى الأولى المُوافق 6 آب (أغسطس)،[la 85][la 86] حيث واجه العُثمانيُّون وحُلفاؤهم الفرنسيُّون مُقاومةً شديدةً من المُدافعين، بلغت ذروتها في معركةٍ عنيفة دارت رحاها يوم 15 جُمادى الأولى المُوافق 15 آب (أغسطس)، وبعد قتالٍ ضارٍ استمرَّ أيَّامًا، استسلمت المدينة في 22 جُمادى الأولى المُوافق 22 آب (أغسطس).[la 87] ولم يمس العُثمانيُّون أهل المدينة بسوء، وسلَّمها خير الدين باشا للفرنسيين، الذين نهبوها نهبًا فظيعًا ما أن خرج منها الجيش العُثماني.[211]

عاد الأُسطُول الهُمايوني إلى طولون لقضاء فصل الشتاء، وانسحب منها الفرنسيون تاركين المدينة تحت إدارة العُثمانيين طوال مدّة بقائهم فيها، فيما انسحب جميعُ الموظفين الحكوميين الفرنسيين. وقد رفع العُثمانيّون علمهم في المدينة، وحوَّلوا كاتدرائيّتها إلى مسجدٍ مؤقّتٍ كان يُرفع فيه الأذان في الصلوات الخمس. وقد جمع العُثمانيّون الضرائب من المدينة خلال تلك السنة، وظلُّوا فيها قُرابة ثمانية أشهر. وخلال هذه الفترة، أرسل خير الدين باشا ابنه حسن الأكبر وصالح ريّس إلى سواحل قطلونية وجنوة،[211][212] فهاجموها وقصفوا برشلونة وسنريمو وشريالي وغيرها من المُدُن الساحلية.[la 88] ألقت هذه الحملة اليأس في قلب شرلكان وأجبرته على الجُنُوح للسلام مع الفرنسيين، إذ كان وُجُود الأُسطُول العُثماني بالقرب من دياره بمثابة كابوسٍ له.[211] أضف إلى ذلك أنَّ حُرُوبه المُستمرَّة كانت قد استزفت موارده الماليَّة، وبدأت تلوح في الأفق انتفاضات پروتستانتيَّة جديدة ضدَّه في ألمانيا، فسارع إلى مُسالمة الملك الفرنسي. وأُبرمت بينهما مُعاهدة صُلح يوم 21 جُمادى الآخرة 951هـ المُوافق 18 أيلول (سپتمبر) 1544م،[la 89] فكان ذلك إيذانًا بانتهاء دور المُساعدة العُثمانيَّة لفرنسا، فعاد خير الدين باشا إلى إسلامبول، ولم يُكتب له الخُرُوج للحرب والجهاد بعدها، إذ وافاه الأجل يوم 25 ربيع الآخر 953هـ المُوافق 4 تمُّوز (يوليو) 1546م.[211]
الصُلح العُثماني النمساوي

استمرّت الحرب قائمةً بين النمسا والدولة العُثمانيّة فترةً قصيرة بعد الصلح الفرنسي الإسپاني، وكان النصر فيها غالبًا إلى جانب المسلمين. ثمّ رأى السُلطان أنّ مُسالمة النمساويين باتت ضرورةً بعد ظهور علامات نزاعٍ جديد مع الصفويين،[213] فشُرع في المُخابرات بين الطرفين للتوصُّل إلى عقد صُلحٍ يُرضي كلًّا منهما. واستمرَّت المُخابرات جاريةً حتَّى سنة 1547م لعدم توصُّل الطرفين إلى اتفاق، مع سعي سفير فرنسا جبرائيل درامون (بالفرنسية: Gabriel d'Aramon) في منع الوُصُول إلى الوفاق، طمعًا في تجديد علاقات الإلفة بين دولته والدولة العُثمانيَّة. غير أنَّ وفاة الملك فرنسوا الأوَّل في شهر آذار (مارس) 1547م ساعدت على إتمام الصُلح.[196] ووُقِّعت بين الجانبين مُعاهدةً في 1 جُمادى الأولى 954هـ المُوافق 19 حُزيران (يونيو) 1547م، وأهم ما جاء فيها:[214][215]
- اعتراف فرديناند أرشدوق النمسا وشقيقه الإمبراطور شرلكان بالفُتُوح العُثمانيَّة في الديار المجريَّة.
- يدفع فرديناند جزية سنويَّة، مقدارها ثلاثون ألف دوقيَّة، نظير ما تبقَّى تحت سيطرته من بلاد المجر، على أن يكون تابعًا للسُلطان العُثماني فيما يتعلَّق بالأراضي العائدة للتاج المجري والموجودة تحت حُكمه.
- تبقى بلاد المجر تابعة ليُوحنَّا زغمُنت، ابن، زابوليا، تحت وصاية والدته إيزابلَّ ورعاية الدولة العُثمانيَّة.
- السماح للرعايا العُثمانيين ولرعايا الإمبراطوريَّة الرومانيَّة المُقدَّسة بزيارة قطريّ أحدهما الآخر، وكذلك حق المُتاجرة شرط سداد الرُسُوم الجُمرُكيَّة.
- يُعاد الشخص من رعايا الدولة العُثمانيَّة الذي يهرب إلى أراضي ألمانيا، إذا طلبت الدولة العُثمانيَّة ذلك.
- لا يُعاد اللاجئون إلى الأراضي العُثمانيَّة من الرعايا الألمان إذا كانوا مُسلمين، أمَّا إذا كانوا نصارى فإنَّ الدولة العُثمانيَّة ستُعيدهم إذا أسفرت نتيجة التحقيق أنَّهم مُجرمون.
- يُعدُّ الأرشدوق فرديناند في التشريفات العُثمانيَّة مُساويًا للصدر الأعظم، ويكون السُلطان العُثماني أبًا له ويُطيعه كالابن.
- تتعهَّد كُلٌ من مملكة فرنسا وجُمهُوريَّة البُندُقيَّة والبابويَّة برعاية شُرُوط هذه المُعاهدة التي تستمر سبع سنوات.
تُعدُّ هذه الاتفاقيَّة بمثابة اعتراف بأنَّ قبضة العُثمانيين على فُتُوحهم لا يُمكن زحزحتها، أقلُّه حتَّى حُدُوث اختلالٍ في موازين القوى العسكريَّة في أوروپَّا، وصار وُجُود الحُكم العُثماني المُباشر في هذه المناطق بمثابة حماية عسكريَّة لهذه الفُتُوح.[216]
عودة الحرب مع الصفويين والأحداث المُتزامنة معها
لُجوء القاسب ميرزا إلى العُثمانيين

وفي سنة 954هـ المُوافقة لسنتيّ 1547 - 1548م، قدِمَ القاسب ميرزا، الأخ الأصغر للشاه طهماسب الصفوي، إلى إسلامبول طالبًا اللُجوء والحماية العُثمانيَّة. وسبب ذلك أنَّ القاسب المذكور حين تولَّى شروان، نشب خلافٌ شديدٌ بينه وبين أخيه الشاه، إذ إنّ بعض تصرّفاته لم توافق ما كان الشاهُ يرغبه، على ما أورده البجوي.[217] وقيل إنّ الخلاف كان ذا طابعٍ شخصيّ، إذ أذن الشاه طهماسب لأحد قادته، وهو «بكأوغلي أُستاجلوه» أن يتزوَّج والدة القاسب «خانبِگي خانُم» من غير أن يُراعي مشاعر ابنها أو يستأذنه في ذلك، فاشتدّ غضبُ القاسب، فأقدم على إعدام بكأوغلي المذكور، وأعلن العصيان على أخيه الشاه.[la 90] وسرعان ما بادر الشاه بالرَّدِّ على تمرّد أخيه، فجهَّز حملةً عسكريَّة وسار بها لمُقاتلته. فلمّا بلغ القاسب خبرُ ذلك، غادر ولاية شروان، وظلّ يتنقّل بين الأقاليم مدّةً من الزمن، حتّى انتهى به المطافُ في صحراء القفجاق، ومنها توجَّه إلى القرم، حيث استقلَّ سفينةً أقلَّته إلى العاصمة العُثمانيّة.[217] وقد أحسن السُلطان سُليمان استقبال ضيفه القاسب ميرزا، فأكرم وفادته، ورتّب له رواتب مُلُوكيَّة، وأنزله في سرايٍ فخمة، ثُمَّ اجتمع به. وفي ذلك اللقاء استغاث القاسب بالسُلطان، وحثَّه على التوجّه إلى الديار الإيرانيّة للقضاء على الشاه طهماسب،[217][218] مُعلنًا استعداده لمُساندة الحملة بما لديه من القزلباش المُخلصين له، ومُبديًا رضاه بأن يكون تابعًا للدولة العثمانيّة. ويُرجَّح أيضًا أنّه اعتنق العقيدة السُّنَّية تأييدًا لطلبه أمام السُلطان وتعزيزًا لموقفه السياسي.[la 90][la 91]

والواقع أنَّ النشاط الصفوي المُتجدِّد باتجاه الأناضول شكَّل حافزًا قويًّا للسُلطان سُليمان ليتوجَّه مرَّةً أُخرى نحو الشرق؛ إذ كانت حالة السِّلم مُستقرَّة على الحُدود الشرقيَّة منذ الحملة العُثمانيَّة سنتيّ 941 - 942هـ المُوافقة لسنتيّ 1535 - 1536م. غير أنَّ الدعاية الصفويَّة ظلَّت ناشطة في نشر المذهب الشيعي بشرقيّ الأناضول، ولم تُفلح الإجراءات الصارمة التي اتَّخذها السُلطان سليم الأوَّل في القضاء على هذا النفوذ، كما أخفقت مساعي السُلطان سُليمان السابقة في احتوائه. ومن ثَمَّ، بقي خطرُ تراجع سُلطان الدولة العُثمانيَّة في تلك الأنحاء قائمًا، حتّى أتاح الصراع العائلي بين الشاه وأخيه فرصةً سانحةً للسُلطان سُليمان لتجديد مساعيه في تدعيم النُفوذ العُثماني هناك.[219] وتبيَّنت ضرورةُ القيام بحملةٍ جديدةٍ ضدَّ الدولة الصفويَّة، حينما شرع الصفويُّون في فرض مذهبهم بالقوَّة في إقليمي شروان وداغستان، ممَّا دفع أمير تلك البلاد «قرم شامحال» إلى الالتجاء إلى الدولة العُثمانيَّة طالبًا عونها. وفي الوقت ذاته، تبيَّن أنَّ عُملاء الشاه ودُعاته قد بثُّوا دعوتهم بين أهالي توقاد وأماسية وچوروم وسيواس وطربزون وأرزنجان والرُّها وديار بكر وحتَّى قونية، في حين عجز أئمَّة أهل السُنَّة وعُلماؤهم عن التصدّي لتلك الدعاية الشيعيَّة. يُضاف إلى ذلك أنَّ النظام العُثماني لم يكن يسمح برفع السلاح في وجه رعيَّة السُلطان إلَّا إذا تمرَّدوا أو عصوا أمر الدولة، كما لم يكن يُجيز الضغط عليهم في أمور العقيدة والمذهب، وبناءً عليه، لم يكن بوسع المسؤولين الحُكوميِّين التدخُّل في هذا الشأن. ومع ذلك، أُعدم عددٌ من الأشخاص الذين تجاوزوا الحُدود وحاولوا تحريض سكَّان الأناضول علنًا ضدَّ السلطنة العُثمانيَّة ودعوهم إلى الانضمام إلى صفِّ الشاه.[220] كما اتَّضح أنَّ الدعاية الصفويَّة قد تسلَّلت إلى صفوف بعض أفراد الجيش في إيالة الروم، وأنَّ عشرين جنديًّا من اللَّاونديَّة كانوا عملاء للشاه، فأُمر بالقبض عليهم وإعدامهم. وبناءً على ذلك، عُقد الديوان الهُمايُوني، وقرَّر إعلان الحرب على الصفويِّين قبل أن تتفشَّى الفتنة الطائفيَّة في الأناضول.[220] وأصدر السُلطان سُليمان أمره بتسيير حملةٍ عسكريَّةٍ إلى إيران، بهدف كبح طموحات الشاه ووضع حدٍّ لنفوذه المُتنامي.[219]
ضمّ أرمينية مُجددًا وشروان
رأى السُلطان سُليمان أنَّه من الأنسب إرسال القاسب ميرزا على رأس جيشٍ إلى الأراضي الصفويَّة قبل خروج الجُيُوش الهُمايونيَّة بعدَّة أيَّام، فجهَّزه تجهيزًا كاملًا، وعيَّن له «أولامه خان التِكلوي» — الذي أقام عدَّة سنين في إيران كما أُسلف — أتابكًا له، وولَّاه أرضروم. ومنذ ذلك الحين عُرف بـ«أولامه باشا». وسار الاثنان في جمعٍ من القپوقوليَّة باتجاه أذربيجان.[218] وفي الوقت نفسه، أرسل السُلطان بُرهان علي بن خليل الله الدربندي إلى شروان لاستخلاصها من أيدي الصفويين. وكان بُرهان الدين هذا يعيش في ظل الحماية السُلطانيَّة منذ ما قبل وُصُول القاسب ميرزا. وتفصيل ذلك أنَّه، لمَّا تُوفِّي والده خليل الله، وكان لا يزال صغير السن، تولَّى ابن عمِّه شاهرُخ العرش في مدينة شماخى عوضًا عنه. فاستغلَّ الصفويُّون الموقف، فأرسل الشاه طهماسب جُيُوشه للاستيلاء على شروان، فحاصر شاهرُخ سبعة أشهر، ثمَّ قتله بعد أن استسلم له، وعهد بحُكم البلاد إلى أخيه المذكور القاسب ميرزا. وفي تلك الأثناء، جمع بُرهان علي العسكر عدَّة مرَّات وخاض مع القاسب ميرزا معارك متكرِّرة، غير أنَّ النصر كان حليف الأخير في كلِّ مرة، فاضطرَّ بُرهان علي إلى اللجوء إلى إسلامبول، مُحتميًا بالسُلطان سُليمان، الذي أحسن وفادته وخصَّه ورجاله برواتب لائقة. وبينما كان يعيش في ظل الرعاية السُلطانيَّة، قدم القاسب ميرزا هو الآخر إلى العاصمة العُثمانيَّة طالبًا المُساعدة. ولمَّا عزم السُلطان على مُهاجمة الصفويين، وجَّه بُرهان علي إلى شروان عبر بحر البنطس على رأس جماعةٍ من الجُند، ليُشغل الصفويين على جبهتين.[221]

عبر السُلطان إلى الأناضول يوم 18 صفر 955هـ، المُوافق 9 آذار (مارس) 1548م، مُصطحبًا معه ابنه الشاهزاده جهانكير. ولمَّا اقترب من حُدود أذربيجان، كلَّف بكلربك القرمان «أولامه باشا» و«پيري باشا» بمُحاصرة مدينة وان واستردادها إلى حوزة الدولة العُثمانيَّة، إذ كان الصفويُّون قد استعادوها من العُثمانيين نتيجة فساد بعض الحُكَّام وإهمالهم.[221] ففرض القائدان حصارًا عليها، وافتتحاها في مدَّةٍ وجيزة.[la 92] وخلال تلك الفترة، بلغ السُلطان أنَّ بُرهان علي قد وصل إلى شروان تنفيذًا للأمر السُلطاني، فأخضعها واستولى عليها من الصفويين، وقَتَل عددًا كبيرًا من القزلباش الذين كانوا يحتلُّونها. غير أنَّه لم يُكتب لهذا الرجل أن يحكم بلاد أجداده سوى سنتين، إذ تُوفِّي وخلَّف ولدًا صغيرًا غير قادرٍ على تولّي الحُكم.[221]
اتبع السُلطان سُليمان سياسةً واقعيَّةً حكيمة تجاه أهالي البلاد التي افتتحها في أرمينية، فحرص على ألَّا يُضيِّق على الشيعة أو النُصيريَّة أو المُتظاهرين بالتشيُّع، ما لم يُمارسوا دعايةً علنيَّةً مُعاديةً للدولة العُثمانيَّة. غير أنَّ إيالتيّ أرضروم في الشرق وديار بكر في الجنوب لم تتمكَّنا من حماية الأناضول من الاعتداءات والتحرُّشات الصفويَّة، فرأى السُلطان أنَّه من الضروري إنشاء إيالاتٍ جديدةٍ في أقصى شرق دولته. فأسَّس إيالة قارص شرق أرضروم، وعيَّن عليها علي بك الذيقدري واليًا، كما أنشأ إيالة وان شرق ديار بكر، وولَّى عليها إسكندر بك ساري الجركسي. وبذلك تمكَّن السُلطان من تثبيت حُدود الأناضول الشرقيَّة وضمان أمنها ضمانًا نهائيًّا.[220]
ضمّ العُثمانيين مدينة تبريز للمرَّة الثالثة وحملة القاسب ميرزا
تابع السُلطان زحفه نحو العاصمة الصفويَّة تبريز، فوصل إلى ضاحيتها المُسماة «شنب غازان» يوم 20 جُمادى الآخرة 955هـ، المُوافق 29 تمُّوز (يوليو) 1548م، ونصب خيامه فيها.[221] وكان الشاه طهماسب قد أخلى عاصمته وانسحب إلى قزوين، متجنِّبًا الدخول في مواجهةٍ ميدانيَّةٍ مع العُثمانيين.[220] وسرعان ما أرسل السُلطان حرس الإنكشاريَّة وآغواتهم وجاووشيَّتهم إلى المدينة، فسيطروا عليها بسهولةٍ تامَّة دون أن يُصاب أحدٌ من الجُند بأذًى ودون أن يتعرَّضوا للأهالي. قال البجوي: «وَهكذا فُتِحَت على نَحوٍ لم تُفْقَد معهُ بيضةٌ من أيِّ فَردٍ، ولم تَدَّعِ زوجةُ أيِّ شيخٍ بسوءٍ على أيِّ أَحدٍ قائلةً: "سُرِقَت دجاجاتي"».[221]
وكان السُلطان قد عزم على إجلاس القاسب ميرزا على تخت المُلك في تبريز، ومدِّه بما يكفي من العسكر والمال والأسلحة والمدافع وسائر المُستلزمات اللازمة لتثبيت مُلكه. كما فكَّر في أن يجعل القاسب يُمدّه بالعساكر من تلك الأنحاء، وأن يُخضع رعاياها وبعض خَوانينها وأُمرائها.[221] غير أنَّه سرعان ما تبيَّن للسُلطان أنَّ هذا الرجل لا يصلح لتولّي المُلك، لفساد مذهبه وظهور أكاذيبه الواهية، إذ كان قد ادَّعى أمام السُلطان أنَّ جميع الأُمراء القزلباشيَّة وخَوانينهم قد انشقّوا عن أخيه الشاه، وصاروا يترقَّبون قدوم السُلطان إلى إيران ليعلنوا انقيادهم له، غير أنَّ شيئًا من ذلك لم يتحقّق، بل إنَّ من كان حول القاسب فرَّ إلى أخيه الشاه بعد وُصول العُثمانيين إلى أذربيجان.[218] أضف إلى ذلك أنَّ السُلطان عَلِم أنَّ القاسب المذكور، حينما كان واليًا على شروان من قِبَل أخيه الشاه، قد اعتدى على فُقراء البلاد وأغنيائها على حدٍّ سواء، حتَّى ضاقوا به ذرعًا. كما صدرت عنه أفعالٌ غير محمودة ما إن سيطر على تبريز، إذ فرض على الأهالي أموالًا باهظة، وآذى بعض الفُقراء وعذَّبهم، وتبيَّن أنَّه كان يُجالس الأراذل على الدوام، وأنَّه ضعيفُ الشخصية، عاجزٌ عن ضبط الأوباش الذين كانوا تحت قيادته. لذلك صرف السُلطان النظر عن توليته أيَّ حُكُومة.[222]

وكما منع السُلطان الجُند العُثماني من التعرُّض لأيٍّ من أهالي تبريز، فإنَّه لم يسمح كذلك لأيٍّ من أتباع القاسب بأن يمسَّهم بأذًى، بعد ما صدر عنهم من تجاوزات. غير أنَّه أذن في المُقابل بنهب قُصُور الشاه وتخريبها، بل وبإحراقها وهدمها حتّى تتساوى بالأرض. وفي ذلك الوقت، تتبّع جواسيس السُلطان وعُيونه أخبار الشاه طهماسب، فتأكَّد لهم عدم نيّته الخروج للمُواجهة، واستحالة العثور عليه بالتفتيش في الجبال والبوادي التي اختفى فيها. وبعد أن أمضى السُلطان خمسة أيّامٍ في تبريز، رأى أنَّ الوقت قد حان للعودة، فتوجَّه غربًا نحو وان،[222] وما إن وصل السُلطان إلى هذه المدينة حتّى أذن لمن وقع في الأسر من حاميتها القزلباشيَّة بالعودة إلى بلادهم.[218] ثُمَّ تابع سيره نحو ديار بكر ليقضي فيها فصل الشتاء، فوصل إلى ظاهر آمد يوم 25 شعبان 955هـ، المُوافق 29 أيلول (سپتمبر) 1548م،[222] فبلغه أنَّ الصفويّين قد شنّوا غارةً على أطراف أرزنجان، فأرسل الوزير قرەأحمد باشا في جمعٍ من العسكر لردِّ عدوانهم، وسار هو أيضًا في أثره. ولمّا بلغ أحمد باشا نواحي كماخ، التقت طليعته بقيادة عُثمان باشا الجركسي بفئةٍ من القزلباش، فقاتلهم وانتصر عليهم وفرَّق شملهم. ثم عاد أحمد باشا مُظفَّرًا إلى الركاب العالي، وكان السُلطان قد وصل إلى معمورة العزيز، فعاد منها إلى آمد مُجددًا.[218]
ولمَّا عاد السُلطان، استأذنه القاسب ميراز بالإغارة على عراق العجم، والسطو على قُصُور أخويه سام وبهرام، إضافةً إلى منازل ومخازن الخوانين والأُمراء في أصفهان وقُم وكاشان التي احتوت ما لا يُحصى من الذهب والفضة والأمتعة الثمينة. وطلب القاسب من السُلطان أن يُعيِّن له قدرًا كافيًا من العسكر لهذه المُهمَّة، فأذن له السُلطان بذلك، دون السماح له بقيادة أيٍّ من جُيُوش العُثمانيين، بل أذن له بإحضار القدر الكافي من أوباشه، إضافةً إلى مقاتلين أكراد ولاونديين وبعض الرعايا القادرين على حمل السلاح، وأعطاه ما يكفي من المال مصروفًا له ولجيشه. والحقيقة أنَّ السُلطان كان قد دبَّ في قلبه نُفور من القاسب بعد ما صدر عنه من تجاوزاتٍ سابقة، ولم يكن الجُند العُثمانيون يندمجون معه، ولم يألفوه إطلاقًا؛ فقد كان صغيرهم وكبيرهم ينفرون منه، واعتبروا تواجده بينهم شؤمًا عظيمًا، واعتقدوا أنَّ عدم رؤية وجهه بأي عذرٍ نعمة عظيمة. فكان كل ذلك من العوامل التي دفعت السُلطان إلى الموافقة على خروجه في حملته الخاصة هذه.[223]

وهكذا سار القاسب ميرزا في جيشه، ودخل الديار الإيرانيَّة مُخرِّبًا البلاد التي مرّ بها حتى وصل إلى أصفهان، فنهب أطرافها وأسر جمعًا من أهل أخويه طهماسب وبهرام وعيالهما. ثم أحرق أطراف قُم وكاشان حتَّى حُدُود فارس، وعاد بعد ذلك إلى بغداد، وأرسل مع وزيره «عزيز الله» هدايا جليلة مما غنمه إلى ركاب السُلطان، الذي كان حينذاك قد غادر آمد ومضى لقضاء فصل الشتاء في حلب، فأكرم الوزير وأرسل إلى القاسب خلعًا. وكان القاسب قد توجَّه للإشتاء في بغداد، ويُروى أنه حين توجَّه لزيارة العتبة الحُسينيّة في كربلاء والروضة الحيدريَّة في النجف، أظهر شعارات التشيُّع والرفض، فانحرف عنه الساسة العُثمانيون، وتفرَّق من كان معه من أهل السُنَّة ونفروا عنه، فقلَّ أنصاره وأتباعه. وخاف وتوسوس من أن يُرسل إليه الشاه من يقبض عليه بعد هذه الحال، فهرب وتحصّن في جبال كردستان، لكن ذلك لم يُجْدِ نفعًا، إذ تمكن الشاه من الظفر به وأرسله محبوسًا إلى قلعة قهقهة حيث قُتل. وهكذا انتهت حركة القاسب ميرزا دون أن تؤدي لتغيُّراتٍ جوهريَّة في الدولة الصفويَّة. وأمَّا السُلطان فإنَّه أمضى الشتاء في حلب، واستقدم إليه ابنه بايزيد، وزار حماة وشيزر، ووجَّه إسكندر باشا والي وان ليُغير على خوي، فوثب على واليها «دنبوللي خان» وقتل من عنده من القزلباش، وخرَّب تلك النواحي قبل أن يعود إلى وان.[218]
الإغارة على الكرج
وكان الكرجيُّون قد أغاروا على أعمال أرضروم وقتلوا واليها موسى باشا أثناء انشغال السُلطان بحملته على إيران، فأراد الانتقام منهم، فأرسل بكلربك أرضروم في جماعةٍ من العسكر إلى بلاد الكرج. فسار هؤلاء وافتتحوا عددًا من حُصونها، هي: «براكان» و«كومكة» و«تياك» و«برتاك» و«كرمك» و«صماغار» و«أخا». وفي شهر جُمادى الأولى 956هـ المُوافق لشهر أيَّار (مايو) 1549م، خرج السُلطان من حلب عند حلول الربيع، فعبر نهر الفُرات عند البيرة مُتجهًا نحو دار مُلكه، غير أنّه أُصيب بمرضٍ اضطره إلى قصد جبل قرەطاغ للاستشفاء والنقاهة. وبينما هو هناك، بلغه أنَّ الكرجيِّين عاودوا الهُجوم على أطراف الدولة العُثمانيَّة مُجاهرين بالعصيان والطُغيان، فأرسل إليهم الوزير أحمد باشا على رأس عسكرٍ من أرضروم وذي القدرية والقرمان وجمعٍ من الإنكشاريَّة. فسار أحمد باشا وحاصر قلعة تورتوم، وكانت من أحصن قلاع الكرج، فافتتحها بعد قتالٍ شديد، ثُمَّ استولى على قلاع «نحاج» و«أميرآخور» و«آقچة قلعة» و«إشكصور» و«كانحيض» وغيرها من حصون الكرج، وعاد بجيشه مُحمَّلًا بالغنائم الجليلة والسبايا الكثيرة إلى ركاب السُلطان في ظاهر آمد. وبعد وصول أحمد باشا، ارتحل السُلطان مُتجهًا إلى عاصمته.[224]
عودة السُلطان والحملة الرابعة على المجر
وصل السُلطان إلى عاصمة مُلكه إسلامبول يوم 1 ذي الحجة 956هـ، المُوافق 21 كانون الأوَّل (ديسمبر) 1549م.[225] وبعد أن استقرَّ في عاصمته، بلغه أنَّ فرديناند أرشدوق النمسا قد اعتدى على بلاد الأردل واستولى على بعض نواحيها من يد حاكمها يُوحنَّا زغمُنت ابن زابوليا، كما علم أنَّه كان يعتدي على السُفُن العُثمانيَّة المُحمَّلة بالمؤن القادمة من بلغراد وسمندريَّة. فأمر السُلطان بكلربك الروملِّي محمد باشا بالتوجُّه إلى نصرة زغمُنت المذكور. فسار مُحمَّد باشا على رأس عسكر إيالته، وعبر نهر تيسية يوم 6 رمضان 958هـ، المُوافق 7 أيلول (سپتمبر) 1551م.[224][225] فافتتح قلعة «بيجكرك»، ثم قلعتيّ «أراج» و«جناد» (بالرومانية: Cenad)، وتقدَّم إلى معسكر النمساويين بجوار قلعة «لپوه» (بالرومانية: Lipova)، فصادف طليعة جيشهم، فقاتلهم وهزمهم، ففرُّوا ناجين بأنفسهم. واستولى مُحمَّد باشا على قلعة «لپوه» وعيَّن أولامه باشا مُحافظًا عليها، ثم تقدَّم وحاصر قصبة تلك البلاد، وهي مدينة طمشوار، غير أنَّ الشتاء حال دون استكمال الحصار، فاضطرَّ إلى العودة إلى بلغراد.[224]

وفي سنة 958هـ، المُوافقة لسنة 1551م، قدم جيشٌ نمساويٌّ بقيادة أسطفان باطوري، الذي قُدِّر له لاحقًا أن يصبح ملكًا على بولونيا. وقد حاصر قلعة «لپوه» حتى سقطت في يده، فخرج منها أولامه باشا ومعه الجُند المسلمون بعد أن أمَّنهم باطوري المذكور، غير أنَّ معظمهم قُتل بعد ذلك على يد قائدٍ مجريٍّ مع فُرسانه، كان يحمل ثأرًا شخصيًّا على أولامه باشا.[226] وقد ازداد غيظ السُلطان وحنقه على النمسا إثر هذا الحادث، الذي ما كان ليقع لولا تأخُّر فتح طمشوار. لذلك جهَّز الوزير قرەأحمد باشا، وأرسله في جمعٍ من القپوقوليَّة لاستخلاص المدينة المذكورة من أيدي النمساويين، وذلك في ربيع سنة 959هـ، المُوافق لشهر آذار (مارس) 1552م.[224] ولمَّا خرج أحمد باشا للقيام بمهمَّته، لقي بكلربك الروملِّي مُحمَّد باشا في جوار بلغراد، فسارا معًا نحو طمشوار. وكان النمساويُّون قد حصَّنوها تحصينًا بالغًا، وشحنوها بالمقاتلة والعتاد، فحاصرها العُثمانيُّون وقاتلوا حاميتها قُرابة شهرٍ كامل، حتّى افتتحوها عنوةً في غرَّة رمضان من السنة المذكورة. ثم استردّوا قلعة «لپوه» وفتحوا غيرها من القلاع المجريَّة التابعة للنمسا، وسبوا كثيرًا من أهلها، وتابعوا زحفهم حتّى حُدود الأردل، فاستولوا على عددٍ كبيرٍ من القلاع، وهدموا ما وجدوه منها خاليًا. وبلغوا في زحفهم قلعة «إكري»، وهي من أحصن قلاع تلك الديار، فحاصروها حصارًا شديدًا امتدَّ أربعين يومًا، غير أنَّ الشتاء حلَّ بقساوته المعروفة في تلك الأنحاء، فاضطرَّ العُثمانيُّون إلى رفع الحصار يوم 17 شوَّال 959هـ، المُوافق 15 تشرين الأوَّل (أكتوبر) 1552م، فعاد أحمد باشا إلى إسلامبول.[224]
خُرُوج العُثمانيين مُجددًا ردًا على الشاه طهماسب
استغلَّ الشاه طهماسب انشغال السُلطان سُليمان بحملته على المجر وقتاله جُنُود النمسا كما أُسلف، فسيَّر عسكرًا من القزلباش نحو شرقيّ الأناضول، فاستولوا على قلعتيّ أخلاط وأرجيش، ثم حاصروا قلعة عادلجواز، فخرَّبوا ما حولها وأسروا أهلها. ولمّا بلغ الخبر الباب العالي، أمر السُلطان إسكندر باشا والي أرضروم بالتصدي لهم، وأمدَّه بجمعٍ من الإنكشاريَّة لحفظ الحُدود. وعلى الرغم من شجاعة إسكندر باشا، فإنَّه كان مُتهوِّرًا قليل الحذر من مكر العدوّ، فخدعه إسماعيل ميرزا بن طهماسب بأن قدِمَ في الشتاء على رأس جيشٍ كبيرٍ من القزلباش، وأمر بعض قوَّاته بالكمون للعُثمانيين، وسار هو في جمعٍ قليلٍ ظاهرًا على مقربةٍ من أرضروم. فاغترَّ به إسكندر باشا وتبعه بعد قتال، حتى تجاوز موضع الكمين، فباغته الصفويون وأحاطوا به، فقُتل أكثر من كان معه، ولم ينجُ إلَّا القليل. فلمّا بلغ هذا الخبر السُلطان، أمر رُستُم باشا الصدر الأعظم بالتوجّه شرقًا على رأس الجيش العُثماني، غير أنَّ اشتداد البرد عند وصولهم آق سراي حال دون متابعة السير، فأمرهم السُلطان بالعودة. ثم خرج هو بنفسه على رأس جيشٍ كبيرٍ مع حلول الربيع، وذلك يوم 18 رمضان 960هـ، المُوافق 28 آب (أغسطس) 1553م.[224]
مقتل الشاهزاده مُصطفى


ولمَّا وصل السُلطان إلى منزل «آق أُيُوك» قُرب أركلي، وقعت حادثةٌ شنيعة كانت نُقطةً سوداء في تاريخه الذي غلبت عليه النصاعة، وهي إقدامه على قتل ولده الأكبر الشاهزاده مُصطفى. وتفصيل ذلك أنَّ الشاهزاده المذكور لحق بأبيه في هذه الحملة، ووصل إلى مُعسكره يوم 12 شوَّال 960هـ المُوافق 21 أيلول (سپتمبر) 1553م، فاستدعاه السُلطان إلى سُرادقه على الفور، وبمُجرَّد دُخُوله وثب عليه بعض الحُجَّاب المكلَّفين بتنفيذ مثل هذه الأوامر،[227] فخنقوه بالحبل حتى فارق الحياة.[228] وأُخرج جُثمان مُصطفى فعُرض على الملأ أمام سُرادق السُلطان، ليراه عامَّة الجُند وقادتهم، في رسالةٍ واضحةٍ إلى أقرانه وأتباعه ومُؤيِّديه. ثُمَّ أُعدم الذين كانت تربطهم به صِلاتٌ وثيقة، وعلى رأسهم أمير آخوره وأحد آغواته،[229] ونُفي آخرون إلى مناطق مُتفرِّقة من أنحاء الدولة العُثمانيَّة. وبعد ذلك أُرسل الجُثمان إلى بورصة حيث وُري الثرى في كُليَّة المُراديَّة جوار السُلطان مُراد الثاني. وكان مُحمَّد، ابن الشاهزاده مُصطفى، قد أُرسل قبل ذلك إلى بورصة مع عددٍ من أفراد أُسرته، فقُتل هو أيضًا خنقًا ودُفن إلى جانب أبيه.[la 93][la 94]
اختُلِف في تحديد السبب الذي حمل السُلطان سُليمان على قتل وليِّ عهده المذكور؛ فقيل إنَّ الشاهزاده مُصطفى ارتكب أفعالًا عُدَّت خيانةً عُظمى، فأثار بذلك غضب والده عليه، وقيل بل كانت وراء ذلك دسائس ومؤامرات نسجتها نساء القصر بدعمٍ من الصدر الأعظم رُستُم باشا، وقيل أيضًا إنَّها كانت حركة دبَّرها رُستُم باشا نفسه. فقد ورد في تقريرٍ للسفير البُندقيّ في إسلامبول أنَّ الشاهزاده مُصطفى كان محبوبًا ومُفضَّلًا لدى أغلب الساسة العُثمانيين، وكان الإنكشاريُّون على وجه الخصوص يميلون إليه ويُقدِّمونه على سائر أبناء السُلطان.[la 95] كما جاء في تقريرين رفعهما السفير الفرنسي إلى ملكه هنري الثاني، أنَّه لمَّا مرض السُلطان وتوجَّه إلى جبل قرەطاغ للاستشفاء كما أُسلف، استُدعي الشاهزاده مُصطفى ليكون على مقرُبةٍ من أبيه ويتولَّى الأمر مباشرةً إن تُوفِّي قبل أن يصل أحدُ إخوته ويدَّعي الحق في عرش آل عُثمان. غير أنَّ السفير نفسه شكَّك في وقوع ذلك، مُشيرًا إلى أنَّ السُلطان شديدُ الحُبّ لسائر أبنائه، وأنَّه لا شكّ سيحول دون وُصُول مُصطفى إلى العرش خشيةَ أن يُقدم على قتل إخوته كي لا يُنازعوه المُلك.[la 96] كما تُظهر إحدى رسائل الشاهزاده المذكور أنَّه كان يُمهِّد لنفسه لتولِّي العرش، إذ كتب إلى إياس باشا والي أرضروم يُعلمه بأنَّه صاحبُ الحقِّ في عرش آل عُثمان، وأنَّه لا ينوي الانقلاب على أبيه أو التمرُّد عليه، بل ينتظر أن يتولَّى الحُكم تلقائيًّا ما أن ينتقل السُلطان إلى الدار الآخرة. وأضاف أنَّه سيسير على خُطى جدِّه سليم حين تولَّى العرش، فيُعاقب جميع الساسة والقادة الذين لم يقفوا إلى جانبه. فأجابه إياس باشا مُعلنًا تأييده له، ومُقرًّا بأنَّه الوحيد بين أشقَّائه المُستحقّ للعرش.[la 97] ولم يكتفِ مُصطفى بذلك، بل حاول أيضًا الحُصُول على اعترافٍ غربيٍّ بحقِّه في المُلك، فبعث سفيرًا يُدعى «نبي بك» إلى البُندُقيَّة ساعيًا لتأمين الدعم السياسي والسَّوْقيّ لاحتمال صُعوده إلى العرش.[la 97]
ويروي مُنجِّم باشي أنَّ هذه الحادثة كانت بتدبير مهرماه سُلطان، الأخت غير الشقيقة لمُصطفى وزوجة الصدر الأعظم رُستم باشا، ووالدتها خُرَّم، إذ سعتا إلى إقصاء مُصطفى عن ولاية العهد وتحويلها إلى بايزيد، الأخ الشقيق لمهرماه، نظرًا لأنَّ الشقيق الآخر سليم لم يكن يصلح للأمر.[229] وكان رُستم باشا أداتهما في تنفيذ ذلك. ويُفصِّل البجوي هذه القصَّة بقوله إنَّ رُستم باشا استغلَّ بعض الأراذل والسُّفهاء لإغراء الشاهزاده، فكتبوا إليه ما معناه أنَّ السُلطان قد بلغ من العُمر مبلغًا يوجب عليه التفرُّغ للعبادة وترك تدبير الدولة، وأنَّ العرش ينبغي أن ينتقل إلى مُصطفى، وأنَّ الجُند بأجمعهم يترقَّبون وصوله لإعلان طاعتهم له، لولا أنَّ رُستم باشا يمنع ذلك، فلا بُدَّ من التخلُّص منه. ثمَّ تجمَّع أولئك الأراذل ورفعوا أعلام الشاهزاده والأطواغ في إشارةٍ لتبعيَّتهم له. فما كان من رُستم باشا إلَّا أن سارع بإرسال أحد رجاله إلى السُلطان سُليمان ليُعلمه بما جرى. ولم يُصدِّق السُلطان في بادئ الأمر، مُعتقِدًا أنَّ بعضهم غرَّر بوليّ عهده، غير أنَّ تلك الحادثة كانت من أبرز الأسباب التي دفعته إلى الخُرُوج بنفسه على رأس الحملة المُتَّجهة إلى إيران.[230]
وأُضيفت إلى هذه التهمة تُهمةٌ أشنع، وهي أنَّ الشاهزاده مُصطفى كان يتَّصل سرًّا بالشاه طهماسب، وأنَّه اتفق معه على الزواج من ابنته تمهيدًا للانقلاب على والده السُلطان. وعلى الرُغم من أنَّ أكثر ما كان يُخيف الباب العالي في تلك الفترة هو احتمال تسرُّب التشيُّع إلى الأناضول، فإنَّ السُلطان رفض تصديق هذه المزاعم في بادئ الأمر. غير أنَّ الرسائل المُزوَّرة والدسائس التي حِيكَت بإتقانٍ حول هذا الموضوع سرعان ما أقنعته بخيانة ابنه، فكان ما كان.[228][231]

كانت هذه الحادثة من أعظم المآسي التي شهدتها الدولة العُثمانيَّة آنذاك، إذ حزن العامَّة والخاصَّة على مقتل الشاهزاده مُصطفى، لما كان يتمتَّع به من شجاعةٍ وحُسن تدبيرٍ واشتغالٍ بالأدب والشعر. وزاد الموقف حزنًا أنَّ الشاهزاده جهانكير، وهو الأخ غير الشقيق والمُقرَّب جدًا من مُصطفى، اعتراه الغمُّ والهمُّ بعد مقتل أخيه، ولم يلبث أن تُوفي بعد ذلك بوقتٍ قصير «شهيد المحبَّة الأخويَّة». وقد رُثي مُصطفى بقصائد مؤثِّرة نظمها عددٌ كبير من الشُعراء، لم يَخشَ بعضُهم سطوة السُلطان نفسه.[227] ومن هؤلاء يحيى الطاشليجالي، ومن بعض ما قاله:[وب 7]
وتعريبها: «واحسرتاه، هذا الزمانُ انكسر جناحُه. قد جاءَ حتفُ مصطفى، فانهارَ رُكنُ صلاحه. أفِلَ بدرُ الجمال، وضلَّ حُكمُ عدالته، فقد جَنَتْ أيدي البلا على آل عُثمان. كم كان يمضي في الوغى، أسد الحروب مُهنَّدًا، حتى دهاهُ الدهر، فغادره الزمان مُبدَّدَا. بهتانُ كاذبٍ غويٍّ أضرم الحقد الدفين، فأجرى دمع العيون وأشعل نار الحنين. ما كانَ جانيًا كمن جنى، حاشاهُ من ذنبٍ عظيم. لكنَّهُ غرق البلاء به، فتهاوت الدعائمُ والرسيم. يا ليت عيني ما رأت ما كان من ذاك المصاب، فما رأت رأيًا سديدًا، ولا استساغت ذا العذاب».
ولم تقف تبعات مقتل الشاهزاده مُصطفى عند هذا الحدّ؛ إذ ثارت الإنكشاريَّة وأظهروا امتعاضهم الشديد واستياءهم ممَّا جرى، وطالبوا السُلطان بقتل الصدر الأعظم، بعد أن شاع بين صفوفهم أنَّه المُدبِّر الحقيقي لتلك المكيدة. وإزاء هذا الغضب العامّ، اضطرَّ السُلطان إلى عزله تسكينًا لخواطرهم، وولَّى مكانه الوزير قرەأحمد باشا.[227]
مُتابعة الزحف نحو الأراضي الصفويَّة

شتى السُلطان سُليمان في حلب بُعيد هذه الأحداث، ولمَّا حلَّ الربيع خرج منها قاصدًا الديار الإيرانيَّة، وذلك في شهر جمادى الأولى سنة 961هـ، المُوافق لشهر نيسان (أبريل) 1554م. وعيَّن والي حلب خضر باشا مُحافظًا للديار الشاميَّة، كما ولَّى قباذ باشا، المعزول عن إيالة البصرة، مُحافظة أرضروم. وزحف السُلطان بجُيُوشه حتَّى بلغ أطراف أذربيجان، ونزل يوم 17 شعبان المُوافق 27 تمُّوز (يوليو) قُرب أريوان، فأحرق العسكر ما حولها وخرَّبوه. ثمَّ نزلوا بمنزل «أرپەچاي»، فصادفوا طليعة القزلباش فكسروها وقتلوا كثيرًا منهم. ولمَّا بلغ الجمع نهر الرس، وثب جمعٌ من العدوّ على الفرقة القرمانيَّة فانكسروا، فقُتل معظمهم. وعند النُزول في قرەباغ، سار أمير الآقنجيَّة عُمر بك، فظفر بكثيرٍ من الأعداء في الجبال والوهاد، وغنم شيئًا كثيرًا، ثمَّ عاد إلى الموكب السُلطاني.[229]
ثُمَّ وصلت الجُيُوش الهُمايونيَّة إلى نخجوان، ولم يظهر للصفويين أثر، فخرَّب العُثمانيُّون تلك البلاد، وأغاروا على أعمالها في سائر الجهات، ونهبوا وأسروا الرجال والنساء من أهلها، انتقامًا لما كان الصفويُّون قد فعلوه في أخلاط وأرجيش وعادلجواز.[229] وكان شيخ الإسلام الإمام أبو السعود أفندي قد أفتى بجواز أسر الصفويين واسترقاقهم وبيعهم في أسواق النخاسة كما لو كانوا من غير المُسلمين، نظرًا لشِدَّة عدائهم لأهل السُنَّة والجماعة، ولأنَّهم بدورهم لم يُقصِّروا في التعرُّض للعُثمانيين، إذ كانوا يقتلون من يقع في أسرهم منهم على الدوام.[la 98] وأرسل السُلطان أمير العماديَّة «حُسين بك» في جمعٍ من شُجعان الأكراد إلى نواحي أذربيجان، ليُغيروا على تلك البلاد ويُخرِّبوها. فسار حسين بك، وأغار على مراغة وسهند، فنهبهما وخرَّبهما. ولمَّا عاد بلغه أنَّ في موضعٍ يُقال له تخت سُليمان قد اجتمع عدَّة آلافٍ من القزلباش مع كبار قادتهم الصفويين، وأنَّهم بصدد الزحف نحو بغداد. فتوجَّه إليهم حسين بك، فقاتلهم قتالًا شديدًا، وكسرهم وأسر عددًا منهم، ثُمَّ عاد غانمًا إلى السُلطان.[229]
ولمَّا وصل الموكب السُلطاني إلى جوار أرضروم، بلغه أنَّ الشاه طهماسب قد أغار على القلاع العُثمانيَّة في بلاد الكُرج، فأرسل السُلطان الصدر الأعظم قرەأحمد باشا في جمعٍ من القپوقوليَّة لردّ عدوانه. ولمَّا بلغ أحمد باشا قلعة «أُولتي» وصله خبر هرب الشاه وعودته إلى بلاده، فعاد إلى ركاب السُلطان.[232] وأرسل السُلطان إلى الشاه رسالةً شديدة اللهجة هدَّده فيها وتوعَّده، بأنَّه إن لم يكفّ الصفويُّون عن التحرُّش بأطراف الدولة العُثمانيَّة والاعتداء على أهل السُنَّة، فإنَّ الجُيُوش العُثمانيَّة ستُسوِّي أردبيل بالأرض وتُدمِّر مقام الشيخ صفي الدين الأردبيلي، جدّ السُلالة الصفويَّة.[la 99] والحقيقة أنَّ هذه الحرب كانت مرشَّحةً لأن تدوم إلى غير نهاية، إذ لم يكن يُرتجى منها سوى الخراب والدمار، وقد أدرك الشاه ذلك، فمال إلى عقد الصُلح.[233]
الصُلح العُثماني الصفوي

أرسل الشاه طهماسب أحد رجاله الثقات، المدعو «شاهقُلي آغا»، إلى السُلطان سُليمان بخطابٍ يلتمس فيه الصُلح والإصلاح،[234] فاستقبله السُلطان بكل إكرامٍ واحتفالٍ في أماسية. وجرت بين الطرفين مفاوضات لتحقيق الغاية المنشودة، تمخَّضت عن توقيع «صُلح أماسية» في 8 رجب 962هـ المُوافق 29 أيَّار (مايو) 1555م. والواقع أنَّ كلا الطرفين كان يطمح إلى إقرار نوعٍ من الهدوء بينهما لمواجهة التحديات الداخليَّة والظروف الخاصَّة بكلٍّ منهما؛ وقد كانت الأجواء مهيَّأة تمامًا لعقد هذا الصُلح، الذي يُبرز نيَّة الجانبين وآمالهما، ونصَّ الاتفاق على ما يلي:[233]
- اعتراف الدولة الصفويَّة بسيطرة الدولة العُثمانيَّة على الأقاليم الغربيَّة من أذربيجان وأرمينية والكرج، إضافةً إلى العراق، مُقابل اعتراف الدولة العُثمانيَّة بسيطرة الصفويين على الأقاليم الشرقيَّة من تلك البلاد. كما تُركت إيالة قارص وقلعتها في حوزة الدولة العُثمانيَّة لتكون منطقة فاصلة بين الدولتين.[235]
- تُخطَّط حُدُود إيالة شهرزور، منعًا لوُقُوع الحوادث المُعكِّرة لصفو السلام.
- تأمين سلامة الحُجَّاج الإيرانيين الذاهبين إلى زيارة العتبات المُقدَّسة الشيعيَّة في العراق، وإلى الحرمين الشريفين في الحجاز.
- توقُّف الصفويين عن سبِّ الخلفاء الراشدين: أبي بكر وعُمر وعُثمان، وكذلك عائشة بنت أبي بكر وغيرها من الصحابة، على منابر مساجد إيران.[la 100]
- عدم إيواء الفارِّين من الدولتين مع وجوب تسليمهم.[235]
تكشف هذه الاتفاقيَّة، على قلَّة بُنُودها، عن بعض الأسباب التي أدَّت إلى النزاعات بين الدولتين، وهي:[233]
- سعي الدولة العُثمانيَّة إلى تأمين الاستقرار على حُدُودها الشرقيَّة في الأناضول، إذ كانت قارص من القلاع الحصينة التي تمنح العُثمانيين موقعًا استراتيجيًّا يُتيح لهم صدَّ الغزوات الآتية من الشرق.
- أنَّ مسألة الحُدُود بين الدولتين شكَّلت موضع أزماتٍ مُتكرِّرة ومُتطاولة، وكان أعقدها في بادئ الأمر تحديد الحُدُود الشماليَّة في المناطق التي يقطنها الأكراد.
- كانت سلامة الحُجَّاج الإيرانيين من أبرز أسباب الخلاف بين الطرفين، إذ اتَّهم الإيرانيُّون السُلطات العُثمانيَّة، سواء المركزيَّة منها أو المحليَّة في العراق، فضلًا عن بعض العشائر العراقيَّة، بابتزاز الحُجَّاج والإساءة إليهم. غير أنَّ العُثمانيين كانوا يُعاملونهم في الجُملة معاملةً حسنة نظرًا للعائدات الماليَّة التي كانت ترفد بها تلك الرحلات خزينة الدولة، غير أنَّ الأوضاع العشائريَّة في العراق كانت تُعرقل مسير قوافل الحُجَّاج والتجارة على السواء، الأمر الذي خلَّف أثرًا سلبيًّا في نُفوس الإيرانيين.
وهكذا دخلت الدولتان، العُثمانيَّة والصفويَّة، في مرحلةٍ من الهُدُوء استمرَّت ثلاثًا وعشرين سنة.[233]
ضمّ طرابُلس الغرب

خلال فترة استعار نيران الحرب بين العُثمانيين والصفويين، كان السُلطان سُليمان قد فتح جبهةً أُخرى ضدَّ الإسپان، هذه المرَّة في طرابُلس الغرب. ويعود أصل هذا النزاع إلى سنة 916هـ المُوافقة لسنة 1510م، حينما استولت الإمبراطوريَّة الإسپانيَّة على البلاد الطرابُلسيَّة، وعزم شرلكان على إعمارها لتوطين المُستعمرين الأوروپيين عمومًا والإيطاليين خُصوصًا. غير أنَّ المُستعمرين في بلرم وغيرها من المُدن لم يستجيبوا لدعوة الإمبراطور للانتقال إلى شمال إفريقيا والإقامة فيها، على الرغم من التسهيلات والإغراءات السكنيَّة والضرائبيَّة التي عُرضت عليهم.[la 101][236] وقد تعرَّض الإسپان لهجمات المُجاهدين المدعومين من الدولة العُثمانيَّة، وتوجَّه عددٌ من المُجاهدين والبحَّارة العُثمانيين إلى برقة ومنها إلى طرابُلس للانخراط في قتال العدوّ المُشترك. واستقبلهم الأهالي بالترحاب في بنغازي وتاجوراء ومصراتة وغيرها من المُدن الساحليَّة.[237]
ظلَّت طرابلسُ الغرب خاضعةً للحُكم الإسپاني قُرابة عشرين سنة، إلى أن ألقى شرلكان عبء الدفاع عنها على عاتق فُرسان الإسبتاريَّة، كي يتفرَّغ لمُواصلة حملاته في إفريقية والمغرب الأوسط، فضلًا عن مُعالجة المُشكلتين المُتفاقمتين مع السُلطان سُليمان، ومع حركة الراهب مارتن لوثر.[238] وهكذا تخلَّى الإسپان عن المدينة من غير أن يُحقِّقوا أي هدفٍ من أهدافهم، غير أنّهم سلَّموها لطائفةٍ من النصارى أشدَّ تعصُّبًا منهم. وقد علَّق الإسبتاريُّون آمالهم على السُلطان الحفصي مولاي الحسن، فأقاموا معه علاقاتٍ وديَّةً، بل وتحالفًا سياسيًّا وعسكريًّا،[la 102] لكنَّ مولاي الحسن انهزم خلال الصراع على السُلطة في طرابلس، فأسَّس الإسبتاريَّة في المدينة حُكومةً مسيحيَّة متشدِّدة هدفت إلى تغيير طابعها الإسلامي. وقد اصطدمت هذه السياسة بالشعور الديني المُتأجِّج لدى الأهالي،[239] كما حاولت هذه الحُكُومة فرض نظامٍ صارمٍ قوامُه الرهائن والغرامات، الأمر الذي عمَّق كراهية السُكّان لها ودفعهم إلى المُقاومة المُسلَّحة، مُستندين في ذلك إلى دعم السلطنة العُثمانيَّة.[240]

وبرز من بين القادة العُثمانيّين الذين تولَّوا قيادة حركة المُقاومة والجهاد كلٌّ من خير الدين القرماني، ودرغوث ريِّس، ومُراد آغا، وجميعهم من المُجاهدين البحريّين. وقد اضطلع هؤلاء بمهمَّة طرد الإسبتاريّين من الديار الطرابُلسيَّة، غير أنَّ ضعف إمكاناتهم العسكريَّة وقِلَّة مواردهم الماليَّة حملتهم على الاستنجاد بالسُلطان سُليمان سنة 957هـ المُوافقة لسنة 1550م، مُعلنين ولاءهم له، ودخول بلادهم وما يفتحونه تحت السيادة العُثمانيَّة.[la 102] واستجاب السُلطان لنداء الاستغاثة، فأمر بإرسال أسطولٍ بقيادة أمير البحار سنان الدين يُوسُف باشا. وقد ظهر الأخير أمام مدينة طرابُلس يوم 12 شعبان 958هـ المُوافق 15 آب (أغسطس) 1551م، وأنزل ما بين عشرة آلاف واثني عشر ألف جُندي على الشاطئ.[وب 8] وقصف العُثمانيُّون مُنشآت الميناء واقتحموا المدينة، فأجْلَوا من تبقّى من الإسبتاريَّة عنها، وصدر على إثر ذلك فرمانٌ بتعيين مُراد آغا واليًا على طرابُلس الغرب، وجعلها قاعدةً لإيالةٍ جديدة.[241][242] وهكذا أصبحت طرابُلس الإيالةَ البحريَّة الثانية في الدولة العُثمانيَّة بعد إيالة الجزائر. وكان مُراد آغا خير من وُلِّي عليها؛ فقد أخلص الولاء للدولة العُثمانيَّة، وتولّى توطيد سُلطانها في الداخل. وقاد حملةً عسكريَّة باتجاه فزَّان، فضمَّ المُناطق الجنوبيَّة وُصولًا إلى جبال تيبستي، وأخضع الممالك السودانيَّة في تلك الأصقاع، حتّى بلغ النُّفوذ العُثماني بُحيرة چاد.[243]
عودة التعاون بين العُثمانيين والفرنسيين

خلال انهماك السُلطان سُليمان في حربه ضدّ الصفويّين، ورد إليه كتابٌ من ملك فرنسا هنري الثاني، ابن فرنسوا الأوّل، يلتمس فيه تجديد علاقات الودّ والتحالف، ويقترح توثيق عُرا الصداقة بين الدولتين.[244] واللافت أنَّ هنري الثاني لم يُبادر مُسرعًا إلى تجديد المُعاهدة مع العثمانيّين، على الرغم من حرصه على استمرار التحالف ضدّ أعدائه النمساويين. والحقيقة أنَّ هذا التريُّث كان مردُّه انزعاجه من استغلال شرلكان لتحالف والده مع العثمانيين، وما كان يبُثّه من إشاعاتٍ مُغرضة ضدّه. ومع ذلك بقي هنري الثاني محتفظًا بجبرائيل درامون سفيرًا لبلاده في إسلامبول، وظلّ على تواصلٍ مُستمرٍّ مع السُلطان. وتُظهر المُراسلات المُتبادلة بين الجانبين أنَّ الهمّ الأكبر للملك الفرنسي كان يعكس رغبةً واضحة في تدعيم التحالف العسكري قبل الانتقال إلى تحسين أوضاع التجارة مع الشرق الإسلامي.[245] لذلك سعى هنري الثاني إلى توثيق صلته بالدولة العُثمانيَّة حفاظًا على صداقتها، ورغبةً في الاستفادة من قوَّتها البحريَّة عند الحاجة، إضافةً إلى ما تُتيحه هذه العلاقة من مزايا اقتصاديَّة ودينيَّة، وفي مُقدِّمتها وضع جميع النصارى الكاثوليك من رعايا السلطنة تحت الحماية الفرنسيَّة.[246] وقد شدَّد السفير الفرنسي المذكور، جبرائيل درامون، على هذه النقطة حينما زار بيت المقدس بعد عودة السُلطان من حملته على الصفويين، فاجتمع بالرهبان والقساوسة الكاثوليك المقيمين فيها.[244]
ولمَّا عاد هذا السفير إلى فرنسا وجد أنَّ نيران الحرب قد اشتعلت من جديد بينها وبين النمسا، فعاد إلى إسلامبول بأمرٍ من الملك، وأجرى مُباحثات مع الباب العالي بهدف توحيد النشاط البحري ضدَّ آل هابسبورغ. وأسفرت هذه المُباحثات عن معاهدة تحالف أُبرمت يوم 16 صفر 960هـ المُوافق 1 شُباط (فبراير) 1553م، ونصَّت على أن تتحد الأساطيل العُثمانيَّة والفرنسيَّة لفتح جزيرة قُرشقة، مُجازاةً لأهالي جنوة المُحتلّين لها على مُعاونتهم لشرلكان، ولتكون مركزًا لأعمال الأُسطولين في غزو سواحل إسپانيا وإيطاليا.[244]
أرسل السُلطان إلى درغوث ريِّس يأمره بالحضور إليه من طرابُلس الغرب، فلبَّى النداء وأبحر إلى إسلامبول، حيثُ كلَّفه السُلطان بدعم الأُسطول الفرنسي والإغارة على قُرشقة. فخرج من العاصمة برفقة السفير الفرنسي مُتوجِّهًا إلى بروزة، وأقلع منها بأُسطولٍ مُكوَّن من مائةٍ واثنتي عشرة سفينة. ولمَّا وصل بالقرب من جزيرة بانوسة على أطراف إيطاليا، تقابل مع الأُسطول الإسپاني بقيادة أندرية دوريا، فدارت بين الطرفين معركة انتصر فيها العُثمانيُّون، فأغرقوا عددًا من السُّفن الإسپانيَّة وأسروا منها سبعًا. وكان هذا الانتصار أحد أهم إنجازات درغوث ريِّس، وسرعان ما أتبعه بالسيطرة على جزيرة قَبْرَة المُواجهة لمدينة نَابُل، وبلدة سرنت.[243][247] عاد درغوث ريِّس إلى إسلامبول لقضاء فصل الشتاء، ثم غادرها مجددًا ما أن حلَّ الربيع على رأس خمسةٍ وأربعين سفينة، فتوجَّه إلى مودونة وضمَّ إليه السفن الفرنسية الراسية هناك، فارتفع عديد أُسطُوله إلى مائةٍ وخمسين سفينة. وأغار على صقلية مُنزلًا جنوده في مدينة قطانية، ثم هاجم قُرشقة وأنزل جنوده على البر، فاستولوا على مدينة بسطية وقلعتها وأبادوا جيش العدوّ، وحاصروا مدينة بُنِفَاسِيُوه، فصمدت أسبوعًا قبل أن تستسلم. وأنقذ درغوث ريِّس قرابة سبعة آلاف أسيرٍ مسلم كانوا على الجزيرة، ثم عاد إلى إسلامبول بعد أن سلَّم إدارة قُرشقة إلى الفرنسيين بأمر الديوان الهُمايوني.[243]
كان هذا التعاون العسكري الأخير بين العُثمانيين والفرنسيين، بفعل تغيُّر الظروف السياسية على المسرح الدولي، ولم يتجدد هذا التحالف حتى اندلاع حرب القرم بعد قرابة ثلاثمائة سنة. ذلك أنَّ الملك هنري الثاني وقع في شهر رجب 966هـ المُوافق لشهر نيسان (أبريل) 1559م، مُعاهدة صلح مع فيليپ الثاني ملك إسپانيا، الذي خلف شرلكان بعد وفاته، عُرفت بـ«مُعاهدة كاتو كمبريسس» (بالفرنسية: Traités du Cateau-Cambrésis)، وتم بموجبها تسوية أوضاع أوروپَّا. فاستدعى السلطان السفير الفرنسي في إسلامبول وقال له: «اكتب لسيِّدك وقُل له إنه إذا كان صعبًا على الأصدقاء أن يُصبحوا أعداء، فمن الصعب أيضًا على الأعداء أن يُصبحوا أصدقاء».[247]
استنجاد مُلُوك الهند بالسُلطان ضدَّ الپُرتُغاليين

ومن الوقائع البارزة في هذه المرحلة أنَّ سلاطين الهند واليمن وجَّهوا رسائل إلى السُلطان سُليمان يستنجدونه لمواجهة الپُرتُغاليين الذين كانوا قد بسطوا نفوذهم على عددٍ من بلادهم، واحتلُّوا قلعة هُرمُز، وقطعوا طريق الملاحة البحريَّة بين الهند والبصرة، وبين جزيرة هُرمُز وعدن، ومن عدن إلى شرق إفريقيا. كما أحكم الپُرتُغاليُّون السيطرة على مداخل بحر القلزم والخليج العربي باستيلائهم على هُرمُز وسُقطرى. فأصدر السُلطان أمره إلى قُبطان بحر القلزم پيري ريِّس بالتوجُّه لنجدة السلاطين المذكورين وانتزاع هُرمُز من أيدي الپُرتُغاليين.[248] استجاب پيري ريِّس لأوامر السُلطان، فأبحر على رأس عددٍ من السُّفن، واستهلَّ مهمَّته باسترداد عدن من الپُرتُغاليين. ثم عبر مضيق باب المندب إلى بحر العرب، وحرَّر مسقط بعد ثمانية عشر يومًا من مقاومة حاميتها الپُرتُغاليَّة، فأسر أفرادها كافة مع قائدهم يُوحنَّا اللشبوني (بالبرتغالية: João de Lisboa). ثم توجَّه إلى الشحر، حيث أنذر شيوخ حضرموت من مغبَّة مخالفة تعليمات الخليفة في إسلامبول، وأوصاهم بألّا يُقيموا أيَّة علاقة مع الپُرتُغاليين أو يُتيحوا لهم النزول بسواحلهم، وأن يلتزموا بما كُلِّفوا به.[248][249]


توجَّه پيري ريِّس بعد ذلك إلى جزيرة هُرمُز بهدف افتتاح قلعتها، فبادر إلى السيطرة على جزيرة قشم القريبة من الساحل الإيراني لتشديد الخناق على القلعة، وقصفها بمدافعه، غير أنّه عجز عن فتحها. ثم انتقل إلى بندر گمبرون حيث استعرض قُوّاته، ووبّخ المسلمين الذين كانوا يتعاملون مع الپُرتُغاليين. وبعد ذلك توجَّه إلى البصرة وأودع سُفُنه فيها لإصلاحها وترميمها عقب تلك الحملة، قبل أن يعود إلى السُويس مُصطحبًا ثلاث سُفنٍ حربيّة فقط، وتمكّن أثناء عودته من انتزاع اعتراف شيوخ عُمان وأُمرائها بسيادة الدولة العثمانيّة على بلادهم.[249] ولمّا وصل پيري ريِّس إلى مصر فوجئ بصدور أمرٍ يقضي بقتله بتهمة الخيانة والتقصير في الخدمة.[248] فقد كان قباذ باشا—الذي أُعيد والياً على البصرة—قد رفع إلى الديوان الهمايوني تقريرًا يُشير فيه إلى أنّ پيري ريِّس أودع سُفُنه في البصرة على نحوٍ يُدينُه. ولأنّ وزراء الديوان، الذين لم تكن لهم دراية بالمياه الهنديّة، لم يقتنعوا بدفاع پيري ريِّس القائل إنّ إعادة السُّفن قبل إصلاحها كان ضربًا من المخاطرة، فقد صدر الحكم بإعدامه كما سُلف. فاقتيد إلى القاهرة حيث ضُربت عنقه، وكان قد بلغ الثمانين من عمره. وكانت هذه الحادثة من أسوأ ما وقع في عهد السّلطان سُليمان القانوني.[249]
فُوِّضت حملة الهند، بعد إعدام پيري ريِّس، إلى مُراد ريِّس، أمير سنجق القطيف، وكان يومئذٍ في البصرة.[248] فغادرها على رأس ثماني عشرة سفينة، وتوجَّه إلى خليج عُمان، حيث اشتبك مع أُسطولٍ پُرتُغاليّ يضم خمسًا وعشرين سفينة. ولم يستطع أيّ من الطرفين تحقيق الغلبة؛ إذ أغرق العثمانيّون عددًا من السُّفن الپُرتُغاليّة، فيما أصاب الپُرتُغاليّون سفن العثمانيين بأعطاب، فرأى مُراد ريِّس أنّ العودة إلى السُّويس محفوفة بالخطر بسبب الضرر الذي لحق بسفينته، فعاد إلى البصرة.[249] وعُرض الأمر على السُلطان، فاختار لهذه المهمّة سيدي علي ريِّس أحد كُتّاب الديوان الهُمايوني، لما اشتهر به من كفاءةٍ عاليةٍ في علوم البحر وخبرة في حُرُوبها.[248] فقد شارك في شبابه في فتح رودس، وتولّى قيادة الجناح الأيسر في معركة بروزة، وكان مُعاونًا لدرغوث ريِّس في تحرير طرابُلس الغرب من الإسبتاريّة، ثم عُيّن مُستشارًا بحريًّا في الترسانة العامرة، قبل أن يغدو مستشارًا خاصًا للسُلطان سُليمان في الشؤون البحريّة.[249]
توجَّه سيدي علي ريِّس إلى البصرة فور تكليفه بالمُهمّة، وغادرها على رأس خمس عشرة سفينة يوم 22 رجب 961هـ المُوافق 2 تمُّوز (يوليو) 1554م، قاصدًا الهند. وما إن بلغ مضيق هُرمُز حتى اعترضته خمسٌ وعشرون سفينة پُرتُغاليّة، فدارت بين الأسطولين معركةٍ طاحنة استمرّت ثماني عشرة ساعة، أُغرقت خلالها سبع سفنٍ عُثمانيّة وستّ پُرتُغاليّة، قبل أن يبتعد الفريقان وقد أنهكهما القتال. واستأنف سيدي علي ريِّس طريقه بإحدى عشرة سفينة، لكنّه تعرَّض لعاصفةٍ عاتية ألحقت ضررًا بالغًا بها وأغرقت عددًا آخر منها، فلم يصل إلى الهند سوى بست سفن. فرسا في ميناء سورت الگُجراتيّة، وقدّم هذه السفن بما عليها من مدافع هديّةً إلى سُلطان البلاد أحمد شاه المُظفَّري، وترك معظم طواقمها في الهند، ثم غادر ومعه نحو خمسين جنديًّا ممّن لم يرغبوا في البقاء، وذلك بعد أن أعلن أحمد شاه تبعيّته للسُلطان سُليمان.[249] توجَّه سيدي علي ريِّس وجُنوده إلى دلهي، فنزلوا ضيوفًا على السُلطان نصير الدين همايون، الذي أحسن استقبالهم استقبالًا فريدًا لم يتوقعوه؛ إذ كانت العلاقات بين العُثمانيين ومغول الهند التيموريين يشوبها التوتّر، نظرًا لانحدار هؤلاء من تيمورلنك الذي كان قد اجتاح الأناضول وفتك بأهله وشتّت أوصال الدولة في عهد السُلطان بايزيد الأوّل. يضاف إلى ذلك أنَّ التيموريين كانوا خصومًا لسلاطين الگُجرات الذين ساندهم العُثمانيون وأعلنوا تبعيّتهم للسُلطان سُليمان، كما تقدّم. ومع ذلك، لم يُظهر همايون شيئًا من هذا الإرث السلبي، بل بالغ في تكريم ضيوفه، وعيّن سيدي علي ريِّس مستشارًا له. غير أنَّ هذا المنصب لم يدم طويلًا، إذ تُوفّي همايون بعد فترةٍ وجيزة، ولم يحظَ العُثمانيون بالترحيب نفسه من الأمراء الذين بسطوا نفوذهم على الدولة المغوليّة نظرًا لصِغر سنّ وليّ العهد مُحمَّد أكبر، عندئذٍ غادر سيدي علي ريِّس ورجاله الهند برًّا قاصدين الأراضي العُثمانيّة.[249]
ضم العديد من بلاد المغرب

وخلال هذه الفترة كان الديوان الهمايوني قد أعفى حسن الأكبر بن خير الدين بربروس من بكلربكيَّة الجزائر، وأسندها إلى شقيقه حسن الأصغر. وكانت فاتحة أعمال الأخير دفع الإسپان عن أطراف هذه الإيالة؛ إذ كان القُمُّس الكوديت الإسپاني المُقيم في وهران آنذاك يسعى إلى احتلال تلمسان، لكنَّه فشل في الاحتفاظ بها طويلًا، فتنازل عنها لحليفه سُلطان المغرب الأقصى مُحمَّد الشيخ. وسُرعان ما قرَّر هذا الأخير الزحف على الجزائر وانتزاعها من أيدي العُثمانيين. فسار حسن باشا إلى مستغانم حيث التقى بجيش السعديين البالغ قُرابة عشرين ألف جُندي، فانتصر عليهم. وانسحب السعديُّون من تلمسان، فدخلها العُثمانيُّون، وكانت لا تزال محكومة بآخر مُلوك بني عبد الواد، فأُزيح عن العرش وضُمَّت تلمسان إلى إيالة الجزائر، وجُعلت سنجقًا من سناجقها.[250]
عُزل حسن باشا عن إيالة الجزائر بُعيد هذه الأحداث، على إثر تلكُّئه ومُماطلته في تنفيذ الأمر الصادر عن الديوان بشأن مُساعدة فرنسا، وذلك لعدم ارتياحه للفرنسيين. فاستُدعي إلى إسلامبول، وعُيِّن صالح ريِّس خلفًا له، وهو من أصحاب الخبرة الواسعة في الجهاد البحري والعمل العسكري. وما إن تولَّى صالح ريِّس حُكم الجزائر حتى بادر إلى ربط جنوب المغرب الأوسط بالدولة العُثمانيَّة؛ فجمع جيشًا مؤلَّفًا من أربعة آلاف جُندي عُثماني وثمانية آلاف من أبناء البلاد، وعبر بهم الأطلس التلِّي والأطلس الصحراوي، ثم نزل إلى ورقلة، ومنها توجَّه نحو أقصى الجنوب، مُتنقِّلًا بين حواضر الصحراء الكبرى، ومُخضعًا قبائل عديدة من الطوارق. كما أرسل كُلًا من سنان ريِّس ورمضان ريِّس إلى منطقة القبائل سعيًا لجعلها سنجقًا تابعًا لإيالة الجزائر، غير أنَّ هذه البعثة لم تُكلَّل بالنجاح؛ إذ رفض القبائليُّون الخُضوع المُباشر للإدارة العُثمانيَّة، وأعلنوا استعدادهم لاتباع السلطنة ودفع ما يُقرَّر عليهم من ضرائب، وإرسال من يرغب من مُتطوِّعيهم للجيش، لكنهم رفضوا أن يترأَّسهم والٍ عُثماني، مُؤكِّدين قدرتهم على إدارة شؤونهم بأنفسهم.[250]

وفي تلك الأيَّام، كان السعديُّون الأشراف في فاس يعملون على توطيد مُلكهم في المغرب الأقصى، ويُقاتلون بقايا الوطَّاسيين لبسط نُفُوذهم على كامل البلاد. فرأى صالح ريِّس أن يستغلّ حالة الاضطراب القائمة، ويسعى إلى ضمّ المغرب الأقصى إلى الدولة العُثمانيَّة لإحكام الخناق على الإسپان. فأبحر من الجزائر في تشرين الأوَّل (أكتوبر) 1553م، ورسا باثنتين وعشرين سفينة حربيَّة على سواحل بلاد الريف. ثم تقدَّم برًّا في المنطقة حتّى أشرف على تازة، فواجه جيش السُلطان مُحمَّد الشيخ، الذي كان يتألَّف من ثمانين ألف جُندي وعشرين مدفعًا. واندلعت بين الطرفين معركة كبيرة حسمها العُثمانيُّون بفضل تفوُّق مدفعيَّتهم. غير أنَّ السُلطان مُحمَّد أعاد جمع فلول جيشه، وكرَّ على العُثمانيين في يوم 21 مُحرَّم 961هـ المُوافق 5 كانون الثاني (يناير) 1554م، فهُزم مرة ثانية واضطرّ إلى التنازل عن فاس.[250][la 103] ودخلها العُثمانيُّون ليلة 23 مُحرَّم المُوافق 7 كانون الثاني (يناير).[la 104]
مكث صالح ريِّس في فاس أربعة أشهر، فأحسن مُعاملة أهلها، وأرسل زوجة السُلطان مُحمَّد الشيخ وحريمه إلى مُرَّاكش مُعزَّزات مُكرَّمات. كما وجَّه حملةً عسكريَّة نحو الشمال، فانتزع من الإسپان جزيرة قميرة، وهي الميناء التجاري المهم لفاس.[250] ثُمَّ نصَّب آخر من تبقّى من سُلالة بني وطَّاس، علي أبا حسُّون، سُلطانًا على البلاد باسم السُلطان العُثماني.[la 105] سار صالح ريِّس بعد ذلك إلى بجاية، فاستسلمت حاميتها الإسپانيَّة المُكوَّنة من نحو ستمائة جُندي بعد اثني عشر يومًا من القصف المدفعي، وذلك في 9 شوال 961هـ المُوافق 16 أيلول (سپتمبر) 1554م. وبعد أيّامٍ قليلة وصلت الأنباء بأنَّ السُلطان السعدي مُحمَّد الشيخ قد استعاد مدينة فاس، فلم يُقدم صالح ريِّس على استردادها، بل رأى أن يُركِّز جهوده على تطهير المنطقة من الوجود الإسپاني، لما كان يُمثِّله من عقبةٍ أمام توحيد البلاد في مواجهة الإسپان، ولما سبَّبه من اضطرابٍ في السيطرة العُثمانيَّة.[250]
فراسل صالح ريِّس الديوان الهمايوني في إسلامبول طالبًا الإذن والمدد لتنفيذ مشروعه، فأُرسلت إليه أربعون سفينة حربيَّة وستة آلاف إنكشاري. ورأى أن يبتدئ بحملةٍ على وهران نظرًا لأهميَّتها الاستراتيجيَّة، ولأنَّ السيطرة عليها تُسهم في تأمين وحدة المغرب الأوسط. فسيَّر أُسطولًا يضم سبعين سفينة، وسار هو برًّا على رأس جيشٍ قوامه نحو أربعين ألف جُندي، أكثرهم من أهل البلاد؛ غير أنّه لم يبلُغ هدفه، إذ تُوفي أثناء الطريق. فأرسل الديوان الهمايوني حسن باشا الأصغر مُجددًا واليًا على الجزائر، وأبلغه بوجوب صرف النظر، في المرحلة الراهنة، عن مشروع تحرير وهران، نظرًا لظهور ما هو أشدُّ خطورة؛ إذ إنَّ السُلطان السعدي مُحمَّد الشيخ كان قد تحالف مع ملك إسپانيا فيليپ الثاني ضدَّ العثمانيين، الأمر الذي استدعى التصدي لهذا الحلف وتفكيكه، تجنُّبًا لما قد يجرّه من عواقب وخيمة على إيالة الجزائر.[250] وسعى السُلطان سُليمان، في بداية الأمر، إلى تسوية الخلاف مع السُلطان السعدي عبر المراسلة، فكتب إليه مُذكِّرًا بضرورة توحيد صُفُوف المُسلمين في مواجهة الدول المسيحيَّة، ودعاه إلى إقامة الخطبة باسمه على منابر البلاد الواقعة تحت سلطته باعتباره خليفة المُسلمين، وأن تُضرب السكَّة باسمه أيضًا، مع وعده بمدّه بالأساطيل العثمانيَّة القويَّة لحماية سواحل المغرب الأقصى. لكنَّ هذه الرسالة أثارت غضب السُلطان السعدي، فأهان السفير العثماني وطرده من مجلسه، فعاد الأخير إلى إسلامبول ليُحيط السُلطان سُليمان علمًا بما جرى.[251]
اشتدَّ غضب السُلطان العثماني ما إن وصله ردُّ نظيره السعدي، ورأى أنَّ دماء كثيرٍ من المُسلمين قد بُذلت في سبيل تحرير الديار المغربيَّة من الإسپان الذين يُعَادون الإسلام وأهله بروحٍ صليبيَّة، بصرف النظر عن لغتهم أو الدولة التي ينتمون إليها، ومن ثَمّ فإنّ عقد تحالفٍ معهم يُعدّ خيانةً عظمى تستوجب العقاب.[250] وعليه أصدر السُلطان سُليمان أمره إلى حسن باشا بالقضاء على مُحمَّد الشيخ، فابتكر الأخير خُطَّةً محكمة؛ إذ أرسل جماعةً من جُنده إلى البلاط السعدي مُدّعين أنَّهم تمرّدوا على طاعة السُلطان العثماني، وطلبوا اللجوء إلى الدولة السعديَّة والدخول في طاعة سُلطانها. فأُعجب بهم هذا الأخير، وأمر بإكرامهم وتزويدهم بالخيل والسلاح. وكان ممّن أسهم في تعجيل قبول السُلطان السعدي لهؤلاء العثمانيين قائد كتيبة حرسه الخاص، صالح الكيخية، وهو تُركيّ الأصل، ومن رجال صالح ريِّس سرًا. وحين اطمأنَّ السُلطان مُحمَّد الشيخ إلى هؤلاء الرجال، انتهزوا فرصة خُروجه لتفقُّد بعض نواحي البلاد الجنوبيَّة، فانقضّوا عليه ليلًا في موضع أكلكال بظاهر تارودانت، فقتلوه وقطعوا رأسه، ثم أسرعوا بها إلى الجزائر، ومنها إلى إسلامبول. وعندما وصلت الرأس إلى السُلطان سُليمان، أمر بوضعها في شبكةٍ نُحاسيَّة وتعليقها على باب سراي طوپ قاپي.[251]

عزَّز مقتل السُلطان مُحمَّد الشيخ على يد مجموعةٍ من الجُنود العثمانيّين بتهمة خيانة الإسلام وأهله من حضور النُّفوذ العثماني في المغرب الأقصى، فسارع حسن باشا إلى إعادة ضمّ فاس. غير أنَّ السُلطان الجديد عبد الله بن مُحمَّد الغالب بالله بادر للتصدّي للقُوّات العُثمانيَّة عند وادي اللبن شماليّ المدينة، ودارت بين الجانبين معركة كبيرة لم تُحسم لأيٍّ منهما.[250][la 105] وبينما كان حسن باشا يُعدّ لهجومٍ جديد على فاس، بلغه أنَّ القُمُّس الكوديت في وهران يستعد لمباغتته من الخلف. فقد خرج القائد الإسپاني يوم 28 شوال 965هـ الموافق 22 آب (أغسطس) 1558م على رأس قُرابة اثني عشر ألف جندي، واتجه نحو تلمسان. لكن ما إن وقف على متانة التحصينات التي أعدَّها أميرها علج علي بك، حتّى عدل عن خطّته، وتوجّه لحصار مستغانم بدلًا منها. لم يلبث الحصار طويلًا حتى وصلت القُوّات العثمانيّة بقيادة حسن باشا، فاشتبكت مع الإسپان في معركةٍ طاحنة انتهت بانتصارٍ ساحق للعُثمانيّين؛ إذ أُبيد الجيش الإسپاني عن بُكرة أبيه، وقُتل القُمّس الكوديت، فيما وقع ابنه في الأسر. وأسهم هذا النصر الحاسم في تثبيت نفوذ العُثمانيّين في المغرب الأوسط، وترسيخ موقعهم كقوّةٍ مُؤثّرة في سياسات المغرب الأقصى وعلاقاته. كما أخفقت الخطَّة الهادفة إلى القضاء على حسن باشا بوضعه بين ناري السعديّين والإسپان، وانتهى الأمر بانكفاء الإسپان خلف أسوار وهران حتَّى حين.[250]
الفتنة بين أبناء السُلطان سُليمان
وفي هذه السنة (965هـ = 1558م)، اندلعت الفتنة بين ابني السُلطان سُليمان: بايزيد وسليم. وكان منشأ الخلاف أنَّ السُلطان أمر بنقل ابنه سليم من سنجق صاروخان إلى سنجق قونية، ونقل بايزيد من كوتاهية إلى أماسية. فامتثل سليم لأمر والده من غير تردّد، بينما اعترض بايزيد وأبدى تمرّدًا واضحًا، رافضًا الانتقال إلى أماسية، ومُصرًّا على البقاء في كوتاهية.[252] وسبب ذلك أنَّ بايزيد رأى في هذا القرار إشارة ضمنيّة إلى أنَّ السُلطان يُفضِّل سليمًا ويرجِّح كفّته لوراثة العرش، لكون قونية أقرب إلى إسلامبول من أماسية، وبالتالي أقرب إلى مركز السلطة. فاعتبر أنَّ نقله إلى ولايةٍ أبعد لا يعدو أن يكون إجراءً سياسيًّا لإضعاف موقفه في صراع الخلافة.[253]

أمر السُلطان وزراءه بإرسال رسائل مُفعمة بالنصح إلى الشاهزاده بايزيد رجاءَ أن يهدأ ويعود إلى الطاعة، غير أنَّه لم يُصغِ إلى ما ورد فيها. فبعث إليه السُلطان الوزير «برتو باشا» ليُعيد عليه النصيحة، كما أرسل في الوقت نفسه الوزير مُحمَّد باشا إلى ابنه سليم لئلّا يظن بايزيد أنّ الأمر فيه محاباة لأخيه. وقد أحسن سليم استقبال مُحمَّد باشا غاية الإحسان، في حين قابل بايزيد برتو باشا بالإهانة وتعمّد ألّا يراه أيّامًا، ثمّ لمّا اجتمع به أساء معاملته وشدّد في الجواب. وقال له: «إِنَّ القُسْطَنْطِينِيَّةَ مَمْلُوءَةٌ بِالعُلَماءِ، فَلِمَ لَمْ يُرْسِلِ السُّلطانُ إِلَيْنا أَحَدًا مِنهُم حَتّى يَسْمَعَ دَعوانا ونُكَلِّمَهُ بِالحُجَجِ وَالبَرَاهينِ، ونَسْمَعَ ما يَقولُ في أَمْرِنا؟» ثم أكثر من القول الجافي على هذا النحو، فعاد برتو باشا إلى السُلطان مكسور الخاطر. ولم يجرؤ بايزيد هو الآخر على البقاء في كوتاهية بعد ما صدر عنه، فغادرها حزينًا إلى أماسية. فسعى السُلطان إلى تطييب خاطره، فقلَّد أكبر أبنائه أورخان سنجق چوروم، وولّى ابنه الثاني مُراد سنجق جانق.[252] لكنَّ ذلك كلَّه لم يُؤدِّ إلى النتيجة المرجوّة؛ فما إن وصل الشاهزاده بايزيد إلى أماسية حتى عاد إلى عناده، وعمل على تقوية شوكته. واجتمع حوله عدد كبير من الأوباش والمفسدين، فأغروه بالعصيان، وقالوا له إنَّ السُلطان قد شاخ وضعفت قُدرته، وإنَّ عليه اغتنام الفرصة لتولّي العرش، وإلّا فإنَّه سيُسلِّمه إلى أخيه سليم. فأصغى بايزيد إلى هذا الكلام، فعزل نوبتجيّة القلعة ودُزدارها، وولّى مكانهم خواصَّه، ثم أخذ يُرسل إلى أخيه سليم رسائل مشحونة بالترّهات، مُهدِّدًا إيّاه بأنَّه قد أعدَّ عسكرًا لمُقاتلته.[252]
وكان الشاهزاده سليم يُواصل إرسال الكُتُب إلى والده السُلطان سُليمان، فازداد يقين السُلطان بأنَّ بايزيد لا يزداد إلا عنادًا وتماديًا في طُغيانه كلما قوبل بالمُداراة والمُلاطفة، وأنَّ ترك أمره دون حسمٍ لن يُفضي إلّا إلى وقوع فتنةٍ عظيمة. لذلك أمر بالتجهُّز للمسير لدفع شرِّه، فعبر بنفسه إلى أُسكُدار، وأصدر أوامره إلى بكلربك الأناضول أحمد باشا بن جنابي، وبكلربك القرمان صولاق فرحات باشا، وأمير مرعش لاله علي باشا، وأمير أضنة پيري باشا بن رمضان، بأن ينضمّوا بعساكر إيالاتهم وسناجقهم إلى الشاهزاده سليم، وأن يجتمعوا تحت إمرته في قونية. فامتثلوا للأمر ونفذوه.[252] وعند ذلك قصدهم الشاهزاده بايزيد في قُرابة خمسة عشر ألف مقاتل من الفرسان والرجّالة، جلّهم من أوباش التركمان. فالتقى الفريقان عند أطراف قونية يوم 22 شعبان 966هـ المُوافق 8 حُزيران (يونيو) 1559م، ودارت بينهما معركةٌ شديدة الوطيس، انتهت بانكسار بايزيد وفراره، ولجأ من بقي من أصحابه معه إلى أماسية.[252]
أظهر الشاهزاده بايزيد الندم على ما اقترفه ما إن عاد إلى أماسية، فأخذ يُرسل إلى والده رسائل الاعتذار، ويلتمس العفو مرارًا، غير أنّ السُلطان لم يُجبه. وقيل إنَّ الوزير لاله مصطفى باشا كان قد سدَّ الطرق والمعابر، ومنع وصول رسائل بايزيد إلى العتبة السُلطانيّة، بل غيَّر بعضها عن مقصده؛ تقويةً لموقف مخدومه الشاهزاده سليم. وممّا هو معروفٌ أنَّ بايزيد كتب إلى والده شعرًا يستعطفه ويعتذر إليه، فقال:[وب 9]
وتعريبه: «يا والدي السُلطان سُليمان!... سُلطان العالم كُلِّه! يا والدي الذي هو أحبُّ إليَّ من نفسي! أيُطاوعك قلبك على إيذاء ابنك بايزيد؟ الله يعلم أني بريء... يا والدي السُلطان».[254] فأجابه السُلطان بالشعر أيضًا، فقال:[وب 9]
وتعريبه: «يا ولدي الذي كثيرًا ما رفع راية العصيان والطُغيان، ما كُنت أودُّ أن أُعلِّق فرمانًا على عُنُقك. أكان قلبي يُطاوعني ضدَّك يا ولدي بايزيد؟ لا تقل إنِّي بريء... تُب على الأقل يا ولدي».[254] وسلَّم السُلطان أمر متابعة الشاهزاده بايزيد إلى الوزير مُحمَّد باشا، فسيَّره في جمعٍ من الإنكشاريَّة والقپوقوليَّة، ومن عساكر الروملِّي ومعه بكلربكها «قزل أحمدلي مُصطفى باشا»، لينضمّ إلى الشاهزاده سليم ويتوجَّه معه لدفع غائلته. وخرج سليم من قونية باتجاه أماسية يوم 7 رمضان المُوافق 22 حُزيران (يونيو)، فيما غادر بايزيد أماسية قاصدًا إيران على رأس اثني عشر ألف مُقاتل. وحاول أُمراء الأطراف اعتراض طريقه، غير أنّه أفلت منهم وعبر الحُدُود الصفويَّة من قغزمان. فلمّا بلغ أريوان مع أولاده وخاصَّته، راسل أميرها الشاه طهماسب يستأذنه في السماح للشاهزاده الفارّ بدخول البلاد، فأذن له، واستقبله عند تُخُوم قزوين، ثُمّ أدخله إليها مُكرَّمًا.[252]

وسعى الشاه طهماسب إلى استثمار وجود الشاهزاده بايزيد في بلاطه لتحقيق مكاسب سياسيَّة وماليَّة من السُلطان سُليمان، فكاتبَه مقترحًا منحه إمارة إقليمٍ من الأقاليم الحُدُوديَّة، مثل أرضروم المُتحكِّمة بالممرّات الجبليَّة، أو بغداد المُشرفة على طريقي دجلة والفُرات النهريَّين. وكان الشاه يهدف من وراء ذلك إلى أن تنتقل تلك المناطق، بحُكم تمكين بايزيد فيها، إلى دائرة النفوذ الصفوي، مستفيدًا من خضوعه لحمايتهم ورعايتهم. غير أنّ السُلطان رفض هذه المُقترحات جملةً وتفصيلًا؛ إذ إنَّ بايزيد، في نظره، لم يعد ابنًا له مُنذ اللحظة التي غادر فيها الأراضي العُثمانيَّة ولجأ إلى إيران، بل رسَّخ بخطوته تلك عصيانه وثورته. كما أنَّ القادة والأُمراء العُثمانيين رأوا في تصرُّفه تخلّيًا صريحًا عن أصله وولائه. وأوضح السُلطان للشاه أمرين حاسمين: أنَّ ثمن السلم هو تسليم بايزيد، وأنَّه، لتحقيق هذا، لن يُقدِّم سوى المال، من غير أن يتنازل عن شبرٍ واحدٍ من الأرض. وبعث إليه أربعمائة ألف دينارٍ ذهبيّ مع أحد الجلَّادين.[255] وهكذا اختلق الصفويُّون الذرائع لتفريق أتباع بايزيد في القُرى المُتباعدة، حيث نُزعت أسلحتهم وقُتلوا بحجَّة أنهم مُتآمرون خطرون. ثمَّ قُبض على بايزيد نفسه أثناء جلوسه في مأدبةٍ مع الشاه، وسُلِّم إلى الجلَّاد العُثماني الذي أعدمه مع جميع أولاده.[255] ثُمَّ نُقلت نُعُوشهم إلى سيواس حيث وُوروا الثرى.[253]
واقعة جربة
وفي سنة 966هـ المُوافقة لسنة 1559م، خرج أمير البحار بياله باشا على رأس ستين جكدريًا[يح] لتأمين البحر المُتوسِّط والحدّ من التحرّكات المسيحيَّة فيه. فاستولى في المياه الواقعة بين مودونة وكورونة في المورة على سفينةٍ كبيرةٍ تابعة لفرسان الإسبتاريَّة، واستنطق الأسرى حول أوضاع القوى المسيحيَّة، فأعلموه أنَّ الإسبتاريَّة في مالطة، وقد راعهم تنامي القُدرة البحريَّة العُثمانيَّة، استنجدوا بمُلوك أوروپَّا، فأمدُّوهم بسُفُنٍ حربيَّة محمَّلة بالمُقاتلة. كما أشاروا إلى أنَّ نفرًا من أعيان طرابلس الغرب اتفقوا مع الإسبتاريَّة نتيجة خلافهم مع واليهم درغوث باشا. فعرض بياله باشا هذه المعلومات على الباب العالي، فأرسل إليه السُلطان عشرة جكادر إضافيَّة.[256] فأبحر بأُسطوله الذي بلغ ثمانيةً وتسعين سفينة، حتَّى بلغ جزيرة جفلونية في اليونان، ثم دخل البحر الأدرياتيكي مُستعرضًا قُوَّاته، قبل أن يتوجَّه جنوبًا ويلتحق به درغوث باشا، فارتفع عدد قطع الأُسطول العُثماني إلى مائةٍ وخمسين سفينة. وقد قصف هذا الأُسطول الجزائر الشرقيَّة قُرب سواحل قطلونية وأوقع بها تخريبًا كبيرًا، ثم عاد بياله باشا إلى إسلامبول.[257]
وجدت إسپانيا نفسها، إزاء ما لحق بها من إيلامٍ نتيجة الهزائم المُتكرّرة على أيدي العُثمانيين، مُضطرَّةً إلى إثبات حضورها في الساحة السياسيَّة والعسكريَّة حفاظًا على كرامتها وهيبتها، ومن ثَمَّ اختارت مُهاجمة درغوث باشا وقاعدته الرئيسة في جزيرة جربة.[257] وهكذا تحالفت الإمبراطوريَّة الإسپانيَّة مع جُمهوريَّة جنوة وغرندوقيَّة تُسكانة والدولة البابويَّة وفُرسان الإسبتاريَّة، وحشدوا نحو مائتي سفينة في ميناء مسِّينة بقيادة يُوحنَّا دوريا، ابن أخ أندرية دوريا، ثُمَّ أبحروا نحو مالطة، ومنها إلى سواحل طرابُلس الغرب حيث أمضت الشتاء.[la 109]
أرسل درغوث باشا في شهر شُباط (فبراير) 1560م علج علي بك إلى الديوان الهمايوني في إسلامبول، مُبلِّغًا أنَّ النصارى قد جهَّزوا، بمسعى إسپانيا، أسطولًا هائلًا، وأنَّ هدفهم المُحتمل هو جزيرة جربة.[257] فأمر السُلطانُ أميرَ البحار بياله باشا بإعداد مائةٍ وعشرين جكدريًّا والاستعداد للإبحار بها في الربيع لصدِّ غائلة هذا التحالف الصليبي. فاستعدَّ الباشا المذكور، وخرج بأسطوله في يوم 7 رجب 967هـ، المُوافق 12 نيسان (أبريل) 1560م. ولم يكد يصل إلى جزيرة قويون في بحر مرمرة، حتَّى بلغته سفينةٌ من درغوث باشا تُعلمه بأنَّ الصليبيين قد نزلوا جربة واحتلُّوها بعد مقاومةٍ شديدة، وأنَّهم يُعِدّون العدّة للوُثُوب على طرابُلس والاستيلاء عليها أيضًا.[256][257] والتحق ببياله باشا كلٌّ من أمير سنجق رودس أحمد بك بن قورد، وأمير سنجق مدللي مُصطفى بك بسُفُنهما، فبلغ عدد سُفُن الأسطول مائةً وعشرين سفينة. كما أرسل بياله باشا إلى درغوث باشا وحسن باشا في الجزائر يُبلّغهما بوجوب الاستعداد التام. وبعد ثلاثةٍ وثلاثين يومًا وصل الأُسطول العُثماني إلى مالطة، فأنزل قائده الجُنود في برِّ الجزيرة، فخرَّبوها وأسروا عددًا كبيرًا من أهلها، ثُمَّ أقلعوا غربًا، فأرسوا بعد يومين على مقربةٍ من جربة.[256][257]

وعقد بياله باشا مجلسًا حربيًّا مع قباطنته، اتفقوا فيه على اتِّباع خطَّة خير الدين بربروس التي استخدمها في واقعة بروزة، لتكون أساس تحرُّكاتهم في المعركة المرتقبة مع الحلف الصليبي. وفي صباح يوم 9 شعبان 967هـ، المُوافق 14 أيَّار (مايو) 1560م، دارت بين الطرفين إحدى كبرى المعارك البحريَّة في التاريخ العُثماني. وكانت التعبئة العسكريَّة العُثمانيَّة مُحكمةً وخاليةً من العيوب، فأُنزلت بالصليبيين هزيمةٌ قاسية، قُتل فيها قُرابة عشرين ألف جندي، وخسروا ما بين ستين إلى سبعين سفينة، استولى العُثمانيُّون على سبعٍ وأربعين منها. أمّا خسائر العُثمانيين فكانت قليلةً على نحوٍ لافت، إذ لم يقتل منهم سوى أقل من ألف جندي، ولم تغرق سوى بضع سفنٍ معدودة.[la 109][257]
ولمَّا وقعت الهزيمة على الصليبيين، سار بياله باشا فطوَّق قلعة جربة بحرًا، وسرعان ما تبعه درغوث باشا في جمعٍ من عسكر طرابلس ومُتطوِّعين من إفريقية. فأخرجا إلى البر مدافع كثيرة وعساكر عديدة، وحفرا في أطراف القلعة حفرًا وخنادق، وشرعا في الحصار والقتال يوم 3 رمضان، المُوافق 6 حُزيران (يونيو). وبعد أيّام خرج نحو ألف جندي صليبي إلى متراس الإنكشاريّة، فقاتلهم الإنكشاريّة وقتلوا منهم قرابة ستمائة، وفرَّ الباقون إلى داخل القلعة. واستمرّ الحصار والقتال نحو شهرين، وقُتل من الفريقين عددٌ كبير، ولم يبقَ من الصليبيين في ختام الأمر سوى قلّةٍ من الجُنود، فلم يقدروا على الصمود أمام العثمانيّين، ففُتحت القلعة عنوةً يوم 1 ذي القعدة، المُوافق 2 آب (أغسطس). وقُتل عددٌ من حاميتها، وأُسر آخرون، وغنم العثمانيّون كثيرًا من الأموال والمتاع.[256] كما أُسر قائد الحامية الدون «الڤارو دي سَنْدِي» (بالإسبانية: Álvaro de Sande)، وسيق مع جمعٍ من القباطنة والقادة الإسپان إلى إسلامبول.[257] وعيَّن بياله باشا للقلعة المفتوحة دُزدارًا وحفظة، وحُصِّنت القلعة ورُتِّبت لوازمها، ثم توجَّه إلى إسلامبول يوم 15 ذي القعدة، المُوافق 16 آب (أغسطس). ودخل خليجها قاطرًا السُّفن الصليبيّة المأسورة، ورسا في الميناء يوم 6 مُحرَّم 968هـ، المُوافق 6 تشرين الأول (أكتوبر) 1560م. ثم مَثَل بين يدي السُلطان سُليمان ومعه الأسرى، فأكرمه السُلطان إكرامًا كبيرًا، وكذلك القباطنة وأعيان الأُمراء، وخلع عليهم وزاد في إقطاعاتهم.[256]
حصار مالطة

خلال الأحداث سالفة الذكر، كانت نيران الحرب بين العُثمانيين والنمساويين لا تنقطع في الديار المجريَّة. غير أنَّ موت كُلٍّ من فرنسوا الأوَّل ملك فرنسا، ثمَّ شرلكان، أتاح لفرديناند أرشدوق النمسا أن يُباشر التفاهم مع السلطنة العُثمانيَّة، فراسل السُلطان طالبًا الصُلح. وفي شهر جُمادى الأولى 970هـ، المُوافق لشهر كانون الثاني (يناير) 1563م، اعترف فرديناند بخضوع المجر لسيادة الدولة العُثمانيَّة، وتعهَّد بدفع جزيةٍ سنويَّة مقدارها ثلاثون ألف دوقيَّة، ووافق على دفع تسعين ألفًا كمُتأخرات، على أن يستمرَّ الصُلح ثماني سنوات.[258] وممّا أسهم كذلك في إنجاز هذا الصلح ميلُ سيمز علي باشا، الذي خلَف رُستُم باشا في منصب الصدارة العُظمى بعد وفاته، إلى السِّلم، ونفوره من سفك الدماء. يُضاف إلى ذلك أنَّ السُلطان سُليمان كان يرغب في توجيه اهتمامه إلى تعزيز أساطيله الحربيَّة لحماية الجزائر وطرابُلس الغرب بعد المعارك الأخيرة، نظرًا لبُعدهما عن مقرّ الخلافة، ولتوجّه أنظار إسپانيا إلى استعادتهما، رغم ما لحقها من هزائم على يد العُثمانيين. كما أنَّ الحفاظ على هذه البلاد يضمن للدولة العُثمانيَّة اليد العُليا في البحر، بحيث تُصبح هي المُهدِّدة لسواحل إسپانيا والنبلطان التابعة لها حينذاك. ومع ذلك، فإنَّ هذا الصلح ظلَّ أوهى من بيت العنكبوت؛ إذ لم تتوقّف المُناوشات على حدود النمسا والمجر، بل استمرَّت بصورةٍ غير رسميَّة لما كان بين الطرفين من بغضاء.[259]
وهكذا عزَّز السُلطان العجوز، وقد بلغ الحادية والسبعين من عمره، قُدرات الأُسطول العثماني القوي أصلًا، وأصدر أوامره بأن تتوجَّه الحملة التالية لفتح جزيرة مالطة، مركز فُرسان الإسبتاريَّة. وقد جاء هذا القرار نظرًا إلى الموقع الاستراتيجي للجزيرة، إذ لم يكن بُدٌّ لأي دولة تطمح إلى بسط سيادتها على البحر المُتوسِّط من السيطرة عليها.[259] كما أنَّ الإسبتاريين كانوا ما يزالون يُمارسون الأفعال ذاتها التي دأبوا عليها في رودس، موطنهم السابق، من القرصنة والتعدّي على السُفُن الإسلاميَّة عمومًا والعثمانيَّة خصوصًا، وأسر الرعايا المُسلمين، فضلًا عن تقديمهم العون للإسپان وسائر الدول الأوروپيَّة في حُرُوبهم ضد العُثمانيين.[260] وفي سنة 972هـ المُوافقة لسنة 1565م، عيَّن السُلطانُ الوزير «قزل أحمدلي مُصطفى باشا» سردارًا على العسكر والسُفُن العُثمانيَّة، وسيَّره فيهم، وجعل معه أمير البحار بياله باشا. فتوجَّه الأسطول أوّلًا إلى جزيرة جفلونية، وأرسى في مينائها في أوائل شهر شوَّال المُوافق لِشهر أيَّار (مايو) من السنتين المذكورتين. ثُمَّ أقلع منها وسار أربعة أيَّامٍ حتّى بلغ جزيرة مالطة، فأرسى في جانبها الغربي، ودخل في ميناء مرسى شلوق، وخرج العسكر إلى البرّ ونصبوا خيامهم.[261]

كان شيخُ الإسبتاريين حينذاك رجلًا فرنسيًا يُدعى «يُوحنَّا پَرِیزُو دوڤاليه» (بالفرنسية: Jean Parisot de Valette)، وهو من قُدماء أعضاء هذه الطائفة، إذ انتسب إليها سنة 1515م، وشهد فتح العُثمانيين لرودس وانتقال جماعته إلى مالطة. كما وقع في أسر المُسلمين، وعُمل جدَّافًا في إحدى السُفُن العُثمانيَّة التابعة لدرغوث باشا سنين طويلة قبل أن يُخلى سبيله، ومنذ ذلك الحين كرَّس حياته لقتال المُسلمين عامَّةً ودرغوث باشا خاصَّةً. وقد تنبَّأ دوڤاليه بأنَّ العُثمانيين سيقومون عاجلًا أم آجلًا بحملةٍ كبيرةٍ جدًّا على مالطة، فاستعدَّ لذلك قبل سنوات، وحصَّن الجزيرة تحصينًا يفوق ما كان في رودس؛ فأقام فيها السُّدود، وحفر الأنفاق التي يتوه فيها الداخل، وجعل عاصمته منيعة شديدة. والواقع أنَّ دوڤاليه كان قد أُثقل بغارات الأساطيل العُثمانيَّة السنويَّة المتكرِّرة، فكتب إلى الملك الإسپاني يُخبره بأنَّ «قطعة الصخر» هذه لا تستحقُّ ما يُبذل في سبيل الدفاع عنها، وأنَّه ينبغي إخلاؤها وتركها للعُثمانيين، على أن ينال الإسبتاريون جزيرة قُرشقة الأمتنَ حصانةً في الشمال. وقد وافق فيليپ الثاني على هذا المُقترح، غير أنَّ جُمهوريَّة جنوة عارضته واسترحمت الملك، فعدل عن رأيه. وهكذا لم يبقَ أمام دوڤاليه بعد ذلك سوى الدفاع عن مالطة مهما كلَّف الأمر.[262]


تختلفُ المصادر في تحديد عديد الجيشين، غير أنَّه يُتَّفق على أنَّ العُثمانيين كانوا يفوقون الإسبتاريين وحلفاءهم من النصارى عددًا. وكان جُند دوڤاليه يُعدّون من خيرة مُحاربي العالم المسيحي في ذلك العصر، كما كان يعتمد على الأهالي جميعهم الذين اختبأوا خلف الصُّخُور للدفاع عن بلادهم. ومن المعلوم أنَّ قائد العُثمانيين، مُصطفى باشا، كان مغرورًا وعنيدًا، قليل الخبرة في الشؤون البحريَّة، على أنَّه كان عسكريًّا شجاعًا. كما لم يقع الانسجام بينه وبين بياله باشا، ولا مع درغوث باشا الذي عُيِّن مُستشارًا له، وقد أوصاه الديوان الهمايوني ألّا يحيد عن توجيهاته. وقد أدّى تأخُّر وصول درغوث باشا، فضلًا عن الحالة النفسيَّة غير المستقرّة لبياله باشا، إلى أن يرتكب مُصطفى باشا جملةً من الأخطاء التكتيكيَّة، الأمر الذي ولَّد لاحقًا اختلافًا في وجهات نظر القادة، وأفضى في النهاية إلى ضياع الفائدة المرجُوَّة من الحملة وفشلها.[262][263]
بادر العُثمانيّون إلى حصار القلاع الرئيسة في الجزيرة وقصفها، وهي: «قلعة القدّيس أنْجِلُس» و«قلعة القدّيس ميخائيل» و«قلعة القدّيس إيرَسْمُس». فانقضَّ من القلعة الأولى ثمانمائة فارس وعدّة مئات من الرجّالة، فدار قتالٌ شديد انتهى بانكسار الإسبتاريين ومقتل معظمهم، وفرار البقيّة إلى داخل القلعة. فعاود العُثمانيّون قصفها بالمدافع، وكرّروا الهجوم عليها مرّات عدّة، واستمرّ الحصار قُرابة أربعةٍ وعشرين يومًا، حتّى فُتحت عنوةً يوم 24 ذي القعدة المُوافق 2 تمّوز (يوليو). وقد قُتل فيها خلقٌ كثير من الإسبتاريين ومن حالفهم. وفي أثناء ذلك، وصل درغوث باشا لتعزيز القوّات العُثمانيّة بجيشه وأُسطوله، وانضمّ إلى الحصار بعساكره. غير أنَّ سوءَ تدبير مُصطفى باشا، كما تقدّم، كلّف العثمانيين خسارة جسيمة؛ إذ أُصيب درغوث باشا بشظيّةٍ في رأسه، فبقي مُغشيًا عليه أربعة أيّام قبل أن يتوفّى. فصُلّي عليه، وأُرسل جثمانه مع خمس جكادر من سُفُنه إلى طرابلس الغرب، التي دافع عنها سنين طويلة، فدُفن هناك، وأُقيم على قبره مسجدٌ نُسب إليه لاحقًا.[261]


وفي يوم 26 ذي القعدة المُوافق 4 تمّوز (يوليو)، هاجم العُثمانيّون عاصمة الجزيرة نفسها، وفرضوا عليها حصارًا شديدًا، ونازلوا المدافعين أيّامًا طويلة، غير أنّها صمدت في وجوههم لما اتّسمت به من مناعةٍ كما تقدَّم.[261] فشرعوا، ابتداءً من 25 ذي الحجّة المُوافق 2 آب (أغسطس)، في تلغيم أسوارها وأبراجها عبر أنفاقٍ حفروها تحتها. وفي 1 محرَّم 973هـ المُوافق 7 آب (أغسطس) 1565م، شنّ مُصطفى باشا هجومًا واسعًا بآلاف الجُنود دفعةً واحدة، وتمكّن من السيطرة على بُرج القشتاليين، أحد أهم أبراج المدينة. فظنّ أنّ القلعة قد سقطت، غير أنّ دوڤاليه تمكّن ليلًا من تدارك الموقف وإنقاذه. وبالتزامن مع ذلك، وردت أنباء تُفيد بأنّ مائتيّ جنديٍّ مسيحي استطاعوا التسلّل من صقلية إلى مالطة، وأنّ استمرار ذلك بات مرجَّحًا ولا يمكن منعه. فأرسل حسن باشا بن خير الدين بربروس إلى مُصطفى باشا يُعلمه باستعداده لشنّ هجومٍ جديد تحت قيادته، فإن لم يُوافق، فإنّ رفع الحصار أصلح؛ إذ لا يمكن متابعة القتال ما لم تصل الإمدادات من الجزائر وإسلامبول، وما لم يُؤخذ في الحُسبان قضاء فصل الشتاء في مالطة.[262]
أمام هذا الواقع، اتفقت كلمة القادة العُثمانيّين على رفع الحصار، فأغاروا أوّلًا على ما كان في الجزيرة من القرى والبلاد والمرافق الحيويّة، وجعلوها قاعًا صفصفًا.[261] وفي يوم 15 صفر المُوافق 11 أيلول (سپتمبر) رُفع الحصار بالكامل، وأقلع العُثمانيّون عائدين إلى بلادهم.[260]
فتح سكدوار ووفاة السُلطان سُليمان

بعد قُرابة سنةٍ على رفع الحصار عن مالطة، نشبت الاضطرابات مُجدّدًا في بلاد المجر بفعل تدخُّل مكسيمليان إمبراطور الرومانيَّة المُقدَّسة، الذي خلف والده فرديناند بعد وفاته سنة 1564م، في شؤونها الداخليّة واحتلاله مدينة «توكاي» (بالمجرية: Tokaj) مُقابل سيطرة يُوحنّا زغمُنت على إحدى المُدن التابعة له. فاضطرَّ السُلطان، تحت إلحاح الصدر الأعظم مُحمَّد باشا الصقللي—الذي خلف سيمز علي باشا بعد موته، وكان معروفًا بميله إلى الحرب والجلاد—إلى إعلان حملةٍ جديدةٍ نحو المجر لتأديب الإمبراطور.[264] والحقيقة أنَّ السُلطان كان مُستعدًّا لقبول إلحاح صدره الأعظم لسببين: أوّلهما رغبته في محو فشل حملة مالطة من ذاكرة الناس بنصرٍ سريعٍ ومُبينٍ على النصارى،[260] وثانيهما شعوره بدنوِّ أجله، إذ أراد أن يختتم حياته غازيًا مُجاهدًا في سبيل الله بدل أن يموت في قصره، وقد طال مقامه فيه دون خروجٍ مع الجُيُوش قرابة عشر سنواتٍ وتسعة أشهر، بعد أن كبُرت سنُّه واشتدّت عليه وطأة المصائب بموت أربعةٍ من أبنائه وزوجته خُرَّم المحبَّبة إلى قلبه.[265]

وهكذا أمر السُلطان باجتماع العسكر والاستعداد للمسير إلى الجهاد، وخرج مع الصدر الأعظم والوزراء وقاضيَي عسكر الروملِّي والأناضول وآغا الإنكشاريّة يوم 9 شوَّال 973هـ المُوافق 29 نيسان (أبريل) 1566م، وتولّى بنفسه قيادة الجيش، على الرغم من معاناته من داء النقرس وما كان يُكابده من ألم.[260][264] وزحف العُثمانيّون شمالًا حتّى بلغوا بلدة «زملِن» على الشاطئ المُقابل لبلغراد، وهناك التحق بالجيش يُوحنّا زغمُنت أمير الأردل، الذي كان قد أتمّ السادسة والعشرين، ومثُل بين يدي السُلطان، فأحسن إليه وأكرم مقامه، ووعده بأنّه لن يبرح حتّى يستعيد له ما اغتُصب من بلاده.[264][265]
ثُمَّ عبر السُلطان بجيشه الجسر المُقام على نهر صوه عند بلغراد، ثُمَّ الجسر الآخر القائم على نهر دراوة عند أوسك،[266] وكان هدفه الأساسي قلعة «أرلو» (بالمجرية: Arló) التي تُعدّ مفتاح المضيق المُؤدّي إلى الأردل. غير أنّه بلغه في الطريق أنَّ أمير سكدوار القُمّس نقولا شوبچ زرنسكي قد تغلّب على فرقةٍ من جيشه، فقرّر أن يبدأ بغزو بلاده قبل التوجّه إلى القلعة المذكورة.[264]
وصل العثمانيّون إلى سكدوار يوم 9 مُحرَّم 974هـ، المُوافق 15 آب (أغسطس) 1566م.[267] وقبيل الشروع في فرض الحصار الشامل على المدينة، امتطى السُلطان حصانه رغم شدّة مرضه، ورغم إلحاح خاصّته بأن يمتنع عن ذلك، غير أنّه أصرّ وخرج ليتفقّد جيشه، ويلقي التحيّة على الجند، ويُصدر توجيهاته النهائيّة للقادة. ثمّ عاد إلى سرادقه منهكًا، وألقى بنفسه على فراشه، وكانت تلك ضجعة الموت. ويرى المؤرّخ التركي يلماز أوزتونا أنّ السُلطان كان يودّ النظر إلى جيشه نظرة الوداع، لا سيّما في ضوء ما تَجمّع من قرائن تُشير إلى أنّه توقّع ألّا يعود حيًّا من هذه الحملة.[265]

حاصر الوزير فرحات باشا وبكلربك الأناضول «زال باشا» المدينة من جنوبها، وحاصرها الوزير مُصطفى باشا مع أخيه بكلربك الروملِّي شمسي أحمد باشا من شرقها، وسائر الوزراء والأمراء من باقي الجوانب. فقام الضرب والقتال بين العُثمانيين والمُحاصَرين. وأرسل السُلطان والي بودا مُصطفى باشا مع عسكر إيالته وبكلربك القرمان سُليمان باشا مع عسكره إلى مُدافعة القُمُّس «زرنسكي»، وعيَّن أمير كوستنديل مُحمَّد خان لمُحافظة وراء النهر الذي يجري إلى سكدوار.[266] وكان السُلطان قبل الوصول إلى سكدوار قد أرسل الوزير برتو باشا في جمعٍ من العزبيَّة والإنكشاريَّة وبُلُوكات[يط] العزباء إلى فتح قلعة «كُله»، ثُمَّ أرسل في عقبه يُوحنَّا زغمُنت مع عسكره إلى مدده، ووالي طمشوار مُصطفى باشا أيضًا مع عسكر إيالته، إضافةً إلى عسكر البُغدان والأفلاق والقوزاق مع أُمراء التتر الذين كان قد أرسلهم خان القرم إلى دعم الجيش العُثماني. فساروا وحاصروا القلعة المذكورة.[266]

وكان لسكدوار ثلاثةُ أسوارٍ متتابعة، فاستولى العُثمانيّون على السور الخارجيّ قسرًا بعد قتالٍ شديد، وقُتِل عند اقتحامه عددٌ كبير من المُدافعين. وبعد أيّام، تمكّنوا من السيطرة على السور الثاني أيضًا، فلم يتبقَّ سوى القلعة الداخليّة، فاشتدّ سعيهم في تسخيرها. وخلال هذه الفترة كان السُلطان سُليمان يزدادُ ضعفًا على ضعف، ولم يَعُد للعلاج أيُّ أثرٍ يُذكر عليه.[266] وفي ليلة 21 صفر 974هـ المُوافق 6 أيلول (سپتمبر) 1566م، تُوفّي السُلطان عن اثنتين وسبعين سنة. وقد أخفى الصدر الأعظم خبر وفاته خشية اضطراب المعسكر، وبادر بإرسال كتابٍ إلى الشاهزاده سليم في مدينة كوتاهية يُعلمه فيه بالخبر، ويدعوه إلى الإسراع بالقدوم إلى إسلامبول اتّقاءً لحدوث أي قلاقل.[264] وقام الصدر الأعظم بتجهيز السُلطان الفقيد، وغسّله وكفّنه، ودفنه مؤقّتًا داخل السُّرادق، ثم خرج يستميل العسكر ويحثّهم باسم السُلطان على استكمال فتح القلعة. وقد فتحها الجُنْد في صبيحة الليلة التي مات فيها السُلطان، فقتلوا جميع المُقاتلة داخلها، وأسروا أميرها زرنسكي مع أولاده وأتباعه، وغنموا ما وُجد فيها من أموالٍ ومتاع.[266]
وعند انتهاء القتال، وقعت فاجعةٌ كبيرة كلّفت العُثمانيّين ثمنًا باهظًا؛ إذ وقع انفجارٌ شديد أدّى إلى تدمير أرض القلعة وانهيار أبنيتها على من كان بداخلها من المُتحاربين. فقد عمد المحصورون، بعد أن أدركوا أن لا مهرب لهم من الهزيمة أو الموت، إلى تدبير هذه المكيدة بزرع عددٍ من الألغام التي أشعلوها عقب دخول العُثمانيّين إلى المدينة، قاصدين بذلك أن يُهلكوا أنفسهم مع كلّ من دخل من الجُند. وأعلن الصدر الأعظم خبر هذا الانتصار إلى جميع الجهات باسم السُلطان سُليمان، حرصًا على المزيد من التستّر على وفاته.[264]
ثُمَّ أرسل مُحمَّد باشا الوزيرُ مُصطفى باشا مع أخيه بكلربك الروملِّي شمسي أحمد باشا، وجمعٍ من الإنكشاريّة والقپوقوليّة، لفتح قلعة «بوبوفچة» من أعمال سكدوار. فلمّا بلغوها وجدوها خالية، إذ كان أهلها قد أخلوها وفرّوا إلى الجبال، فاستولى عليها العُثمانيّون من غير قتال، وحصّنوها وملؤوها بالجُند الحَفَظة واللوازم. وفي هذه الأثناء وصل المُبشّر من برتو باشا يُعلن فتح قلعة «كُله». ثُمّ شرع الصدر الأعظم في تعمير سكدوار وتحصينها، ونَصَب فيها أميرًا ودُزدارًا وقاضيًا ونوبتجيّة، ثُم نادى بالرجوع إلى إسلامبول على وجه السُرعة قبل أن يتنبه أحد من القادة أو الجُند إلى وفاة السُلطان.[266]
جنازة السلطان ودفنه

حُمل جثمانُ السُلطان على عربةٍ مُغطّاة بالستائر، وكان الصدر الأعظم يُظهر كلَّ يومٍ تدبيرًا دقيقًا يستر به خبر وفاته عن العسكر والأعيان. فكان يذبح القرابين ويتصدّق على الفقراء شكرًا على «صحّة السُلطان وعافيته»، ويخلع على الأطبّاء مكافأةً لهم على «نجاحهم في المُعالجة»، ويدخل على السُلطان لعرض الأمور عليه، ويُولّي البعض مناصب عُليا باسم السُلطان، ويعزل آخرين، ويُظهر الغضب على غيرهم، توطيدًا لإيهام الناس بأنّ السُلطان ما زال حيًّا. ولمّا نُقل الجثمان في العربة أعلن الصدر الأعظم أنّ السُلطان ضعيفٌ لا يقوى على الجلوس، وكان يضعه في بعض الأيّام في هيئةٍ قريبة من الجالس. وظلّ الموكب مُرتّبًا كما كان في حياة السُلطان، والعسكر يُحيطون بالعربة، والصولاقيّة يسيرون أمامها على عادتهم، وكلّما بلغوا موضعًا جديدًا يدخل الصدر الأعظم على السُلطان «ليُعلمه» بما جدّ من أمور. وهكذا ظلّ خبر الوفاة خافيًا عن العسكر مدّة ثمانيةٍ وأربعين يومًا، إلى أن بلغ الموكب مدينة بلغراد.[266]

وما إن بلغ الموكب المدينة المذكورة حتّى لاقاه الشاهزاده سليم، فتوجّه سريعًا إلى العربة التي تحمل جثمان السُلطان باكيًا صائحًا. حيّر هذا المشهد العسكر في البداية، ثم أدرك الغافلون ما حدث، وتأكد الشاكّون من شكوکهم، فـ«ظهرت من جميع العسكر صيحة هائلة تُشعر بقيام القيامة». بعدها استرجعوا أنفسهم، وقبّلوا الأرض بين يديّ السُلطان الجديد، ودعوا له بطول العمر ودوام السلطنة. وبويع سليم بعد ذلك على عرش آل عُثمان، ثم صلّوا على السُلطان الفقيد، وأُرسل نعشه إلى إسلامبول، حيث استقبله الأعيان والأشراف بالتسبيح والتهليل وأدخلوه المدينة، وصلّى عليه نقيب الأشراف، ثم دفنوه في حديقة المسجد الجامع الذي بناه في حياته، وبعدها بُنيت عليه قبّة.[269] وأنشد أهل العلم والأدب مرثيَّات بكوا فيها السُلطان سُليمان، منهم شيخ الإسلام الإمام أبو السعود أفندي الذي قال:[270]
شخصيَّته وصفاته

اجتمعت في سُليمان القانوني صفاتٌ حميدة عديدة، ويتّفق المُؤرِّخون على أنّه فاق مُعاصريه في مُختلف المجالات: أخلاقيًّا وعلميًّا وسياسيًّا وعسكريًّا وثقافيًّا، وقد خلّف وراءه سُمعةً طيّبةً وأفعالًا خيريّةً جليلة. وقد وصفه المُؤرِّخ أحمد بن يوسف القرماني قائلًا: «وکان
عالي الهمَّة، عالمًا، شجیعًا إلى الغایة، طويل القامة، حسن الصورة، وهو ممّن اشتهر في الآفاق بالعدل والخیرات، من بناء المدارس الأربعة بمكّة، وإجراء عين عرفة. وهذا الذي ذکرناه بعض ما فعله من الحسنات، ولو أردنا استیفاء ما فعله من الخیرات لاحتجنا إلى عدّة مُجلّدات».[271] واعتبر المُؤرِّخ الأمريكي «سدني نِتِّلتُن فيشر» (بالإنگليزية: Sydney Nettleton Fisher) إنَّ شخصيّة سُليمان القانوني، بوصفه حاكمًا نموذجيًّا، لا تُقارن إلّا بقليلٍ من الشخصيّات التاريخيّة. وقد قال: «ظهر سُليمان الشاب بوصفه سُلطانًا مُهيبًا، لا يقلُّ شأنًا عن معاصريه الشباب شرلكان، وفرنسوا الأوَّل، وهنري الثامن».[la 110]
وقال السياسي والمُؤرِّخ الروماني نقولا يورغا: «كانت شخصيَّته أعظم من شخصيَّة شرلكان. طوَّر الإمبراطوريَّة التُركيَّة التي يحكمها وسلَّمها إلى خلفه بدرجةٍ من التكامل لا يمكن قياستها مع تكامل أيِّ دولةٍ أوروپيَّة خلال المُدَّة ذاتها».[272] وقال المؤرّخ الأمريكي ويل ديورانت إنَّ هذا السُّلطان كان أجرأ وأكرم من أنداده المسيحيين في ميدان التسامح الديني؛ إذ أباح للنصارى واليهود ممارسة شعائرهم الدينيّة في ربوع الدولة العثمانيّة بحريّة كاملة. وكان ذلك في الوقت الذي عَدَّت فيه ممالك إسكتلندا وإنگلترا وألمانيا اللوثريّة الكثلكةَ جريمة، وعدَّت إسپانيا والدول الإيطاليّة الپروتستانتيّة جريمة كذلك. كما جعل القانوني دولته ملاذًا آمنًا لليهود الفارّين من محاكم التفتيش في إسپانيا والپُرتُغال.[273] ويُضيف ديورانت أنَّ عُيوب السُّلطان سُليمان كانت تبرز في حياته العائليّة أكثر ممّا تظهر في إدارته لشؤون الدولة، وأنَّه—على الرغم من حروبه الكثيرة—كان رجلًا مُهذَّبًا، رحيمًا، كريمًا، إنسانيًّا، وعادلًا، قد تعلق به شعبه وأحبَّه. فقد كان الناس، عندما يتوجَّه إلى المسجد يوم الجُمُعة، يلتزمون الصمت عند مُروره، بينما يُحيّيهم هو بانحناءة احترام، من غير تمييز بين يهوديٍّ أو نصرانيٍّ أو مُسلم. وكان يمكث في المسجد ساعتين في العبادة والخشوع. ولم يُعرف عنه أنَّه لازم الحريم لزومًا مُفرطًا يُضعف صحّته أو قُدرته، كما وقع لبعض السلاطين من بعده، غير أنّه كان شديد الحساسيّة، سريع التأثُّر بعواطف الحُب، ولا سيّما ما يتّصل بعاطفة الأُبوّة، إلى حدٍّ كان قد ينسى معه أحيانًا ما تقتضيه مكانته من الحكمة والحذر والعدل.[273]
وقال المُؤرِّخ اللُبناني مُحمَّد سُهيل طقُّوش إنَّه، على الرُّغم من أنَّ المصادر التُركيَّة تنظر إلى هذا السُلطان بعينٍ واحدة، فلا يُصادف فيها غالبًا إلَّا الإغراق في مدحه والثناء عليه، ورغم أنَّ المصادر الغربيَّة—على ما يُؤخذ على بعضها من نقدٍ مُبالغٍ فيه أو نبرة تحامُل—تبقى أكثر ميلاً إلى التحليل النقدي؛ فإنَّ الفريقين معًا يتَّفقان على أنَّ مُقارنة سُليمان القانوني بنظرائه في الغرب تُظهر أنَّه كان أكثر منهم تمدّنًا وتحضّرًا. ولا ريب أنَّ القانوني حكم دولته حكمًا صالحًا اتَّسم بالعدل وعدم التحيّز، وأنَّ ما نُسِب إليه من أخطاءٍ إنَّما يندرج في إطار ما تُلازمه عادةً السُلطة المُطلقة غير المحدودة.[274]

وصف المُؤرِّخ والأديب ابن أبي السُّرور البكري المصري السُلطان سُليمان، مُعتبرًا إيّاه مُجدِّد الأُمَّة الإسلاميَّة في القرن العاشر الهجري، فقال: «وأيَّدَ الدينَ الحنيفيَّ بسيفه القاطع، وأقام أركان الملَّة الحنيفيَّة وأحيا ما اندثر من مآثرها، ومنع أهل الإلحاد وقمعهم، فما وجدوا لهم ناصرًا. وكان مُجدِّد دين هذه الأُمَّة المُحمَّديَّة في هذا القرن العاشر... وكان رؤوفًا شفوقًا، صادقًا صدوقًا، إذا قال صدق، وإذا خوطب صدَّق، لا يَقبل الغِلَّ والخداع، ويتنزَّه عن سيِّئ الطباع، ولا يعرف المكر ولا النفاق، ولا يألف مساوئ الأخلاق. بل كان صافي الفؤاد، صحيح الاعتقاد، مُنوَّر الباطن، كامل الإيمان، سليم القلب، خالص الجَنان... وكان كثير العطف على الرعايا، مُحبًّا للصدقة».[275] واعتبر يلماز أوزتونا أنَّ هذا السُلطان يلي جدَّه مُحمَّد الفاتح من حيث ما أبداه من دهاءٍ في المجالات الدبلوماسيَّة وفي إدارة شؤون دولة آل عُثمان عامَّة، كما رأى أنَّه يلي الفاتح ووالده سليم الأوَّل من حيث الدهاء العسكري.[272]

أمَّا من حيثُ الهيئة الخارجيَّة، فقد وصف مُنجِّم باشي السُلطان سُليمان بأنَّه كان طويل القامة والعُنق، مائل الوجه إلى الطول، عريض ما بين الحاجبين، وسيع الصدر وما بين الكتفين.[6] كما وصفه أحد الفُرسان الإسبتاريين، ممَّن رآه بأُم العين، بأنَّه طويل القامة، نحيل البنية، أسمر الوجه، ذو جبهةٍ عريضةٍ ومرتفعة. وتذكرُ مصادر أُخرى أنَّه لم يكن مُقطَّب الجبين كأبيه، غير أنّه كان نادر الابتسام، شديد الوقار، لا يرضى قلَّة الاحتشام، قليل الكلام، حاسمًا في قوله وفعله.[276] ووصفه الباحث التُركي «وصفي ماهر قوجه تُرك» (بالتركية: Vasfi Mahir Kocatürk) بأنَّه كان طويل القامة، شديد سواد الحاجبين، أشهل العينين، أسمر البشرة، نسريَّ الأنف، مُتفرِّق الأسنان، طويل الوجه. كما ذكر المُؤرِّخ التُركي إسماعيل حقَّي أوزون چارشلي أنَّه كان مُستدير الوجه، أشهل العينين، متباعد الحاجبين، صقريَّ الأنف، طويل القامة والرقبة قليلًا، خفيف اللحية. أمَّا صولاق زاده فصوَّره بأنَّه بيضاويُّ الوجه، أسود الرموش، أشهل العينين، صقريُّ الأنف، شهمٌ، عريض الصدر، أسديُّ الهيبة، طويل القامة، مُتباعد الأسنان «كأنَّها دُرر»، يسيرُ بوقارٍ وهيبةٍ على مهل.[277] وفي مصدرٍ آخر ورد أنَّه كان قصير القامة، أشقر البشرة، خرنوبيَّ اللحية القصيرة، أزرق العينين، عريض المنكبين، قويَّ البنية، طويل الشارب الكثِّي الذي يرتفعُ فوق أنفه. وحين تقدَّمت به السُّنون واشتدَّ عليه المرض، قيل إنَّه كان يمسح وجهه بمسحوقٍ ليبدو في هيئةٍ صحيَّةٍ حسنة عند مُقابلة الناس في المراسم.[8]
كان السُلطان سُليمان مولعًا بالأناقة والفخامة، شديد العناية بزركشة الملبس، على خلاف ما عُرف به والده وجدّه من ميلٍ إلى البساطة. وقد أحبَّ ارتداء الثوب الطويل الخالي من الكمين، واستعمال الأدوات والحُليّ التي تُظهر وفرة الثراء. وكان يرتدي أنواعًا متعدّدة من السراويل، حتّى لُقّب من قِبَل والده السُلطان سليم بـ«المسرول».[8] وفي إحدى الروايات أنَّ السُلطان سليم سخر من شغف ابنه سُليمان بزينته واعتنائه الفائق بمظهره، فقال له: «يَا وَلَدِي يَا سُلَيْمَان!... إِنْ كُنْتَ تَلْبَسُ هَكَذَا فَمَا أَبْقَيْتَ لِأُمِّك؟!!».[278] وكان السُلطان سُليمان، على غرار والده، هاويًا لِمِهنة الصياغة، بل بلغ فيها درجة التمكُّن والبراعة، حتّى إنَّه اطّلع على نماذج الفنّ الإيطالي في هذا المجال وطبقها بمهارة.[8] كما كان شغوفًا بالأحجار الكريمة كسلفه الفاتح. ومن أشهر ما ارتبط بمظاهر فخامته أنَّ صائغًا بُندقيًّا صنع له خوذةً ذهبيّةً –كما تقدّم– رُصِّعت بأربع ياقوتات وأربع ألماسات، وكثيرٍ من اللؤلؤ، وزُمردة ضخمة، وحجر فيروز. واتخذ السُلطان هذه الخوذة، التي تشبه التاج، وسيلةً للدعاية وإظهار العظمة، في ظلّ عدم وجود تقليد ارتداء التاج لدى العُثمانيين. وقد شوهد أثناء استقباله أحد السُفراء واضعًا الخوذة على كرسيٍّ مجاور لا على رأسه.[279]

ومن المُتفق عليه بين الدارسين أنَّ الشاعرية التي بلغها السُلطان سُليمان القانوني تُضاهي ما امتاز به من عظمةٍ في القيادة العسكريَّة والإدارة. وقد اتخذ القانوني اسمًا فنيًّا يُوقّع به أشعاره، هو «مُحبِّي»، كما استخدم –لضرورات الوزن الشعري– أسماءً أُخرى مثل «مُحب» و«السُلطان سُليمان» و«مفتوني» و«عاجزي». ويضمّ ديوانه ألفين وسبعمائة وتسعًا وسبعين قصيدة على بحر الغزل، في حين لم يكتب أشهر الشُعراء التُرك الكلاسيكيين، «سُليمان زاتي»، أكثر من ألفٍ وثمانمائةٍ وخمسٍ وعشرين قصيدة. وبهذا يُعدّ القانوني صاحب الرقم القياسي في النظم على هذا البحر. كذلك فإنَّ أكثر الشُعراء التُرك إنتاجًا على هذا البحر، وهو علي شير النوائي، لم يتجاوز ألفين وستمائةٍ وستّ عشرة قصيدة، أي أنَّه تأخَّر عن القانوني بمائةٍ وستٍ وستين قصيدة.[279] أجاد السُلطان سُليمان القانوني اللغات العربيَّة والفارسيَّة والجغتائيَّة،[280][281] ونُقل عنه بالفارسيَّة قصائد لو جُمعت لشكَّلت ديوانًا مستقلًّا. أمَّا ديوانه المعروف بعنوان «مُحبِّي»، فقد قامت عديلة سلطان ابنة محمود الثاني بطباعة جزءٍ منه في سنة 1899م، مشتملٍ على ثمانمائةٍ وخمسٍ وسبعين قصيدة، تكريمًا لجدِّها.[279] ومن نماذج شعر القانوني ما كتبه لزوجته خُرَّم خاتون:[وب 10]
وتعريبه: «خلوتي وأنيسي أنتِ، حبيبتي وقمري المشرق. رفيقتي، سري، وملكتي، يا سلطانة الحِسان. أنت حياتي، وثمرة عمري، وخمرة سروري الكوثرية، وجنّتي، ربيعي، بهجتي، نهاري، وصورتي الحسناء، وردتي الضاحكة. أنت نشوتي، ومسرّتي، ومجلس سمري، ونوري وضيائي وشمعتي، أنت ترنجي وناري ونارنجتي، وشمعة مخدعي في الليالي. شعرُك هو نصيبي، وحاجباكِ قوسي، وعيناكِ فتنة أوقعتني بالهوى، وإن مِتُّ فدمي فداءٌ لعنقك يا من لستُ أفقه كيف لي أن لا أكون لكِ! ما دمتُ ببابكِ مادحًا، سأمدحكِ دومًا، فقلبي منك ممتلئ، وعيناي لك شاخصتان. وأنا «محبِّي»، فطوبى لحالي بك».

تذكر بعض المصادر أنَّ السُلطان سُليمان كان يُجيد التخطيط، وقد كتب خط التعليق بمهارةٍ لافتة، ويُستدلّ على ذلك من اعتماده هذا الخط في عددٍ من خطاباته. أمَّا في ما يتعلَّق بالموسيقى، فلا تُوجد معلومات واضحة تُشير إلى مدى اهتمامه بهذا الفن أو ممارسته له.[279] غير أنَّه يُذكر أنَّ الملك فرنسوا الأوَّل أهدى السُلطان جوقةً موسيقيَّة صغيرة تعبيرًا عن امتنانه لمُساندته، وقد استمع القانوني إلى عزفها، لكن يبدو أنَّه لم يُبدِ إعجابًا بالمقطوعات التي قدَّمتها. وإذا ما أُخذ في الاعتبار أنَّه أمر بإعادة توزيع إحدى تلك المقطوعات، فربما يُستدلّ من ذلك على تمتّعه بأُذنٍ موسيقيَّة جيِّدة.[281] وكان هذا السُلطان هاويًا للخزف، وبالأخصّ الصيني، وقد احتفظ في سراي طوپ قاپي بقطعٍ بديعةٍ زرقاء وبيضاء قدّمها له سفير الهند في إسلامبول. وكغيره من السلاطين العثمانيين، كانت له مهنة يدويَّة، وتُشير المصادر إلى أنَّها الإسكافة. كما أُتيح للسُلطان سُليمان أن يُظهر براعةً في الفُروسيَّة وألعاب السيف، وكان من هواة الألعاب العسكريَّة ورياضات الصيد. ويُستشفّ شغفه بالرياضة من أمره بإنشاء ساحةٍ للمُصارعة غرب جامع السليمانيَّة، تقع بينه وبين ميدان بايزيد، وقد أُلحقت هذه الساحة اليوم بحرم جامعة إستنبول وبُنيت عليها بعض المنشآت.[281]

أمَّا على الصعيد الديني، فمن الثابت أنَّ السُلطان سُليمان كان مُتديّنًا، متمسِّكًا بعقيدة أهل السنة والجماعة، وقد أحسن إلى الحرمين الشريفين إحسانًا كبيرًا لا يُقاربُه، بحسب كثيرٍ من المصادر، إلَّا ما قدَّمه والده سليم، وأحفاده أحمد الأول ومراد الرابع وعبد الحميد الثاني. فأرسل منبرين يُعدّان من الروائع الفنيَّة المنحوتة من الرخام إلى المسجد النبوي والمسجد الحرام، وأضاف إلى الأخير مئذنتين جديدتين، وأعاد بناء بيت السيِّدة آمنة بنت وهب الذي وُلد فيه الرسول، وجرَّ عين زبيدة إلى مكَّة، مُسدِّدًا في سبيل ذلك مائة ألف دينار من ماله الخاص. وإلى جانب هذه الأعمال، أنشأ السُلطان مدرسةً في مكَّة، فيما أنشأت زوجته خُرَّم مطبخًا لإطعام الفقراء، كما أتمّ ابنه سليم تنفيذ وصيَّته القاضية بجلب الماء إلى جدَّة كي لا يُعاني الحُجَّاج من العطش.[281] ولم يُغفل السُلطان سُليمان رعاية بيت المقدس، إذ أعاد بناء أسوارها على أنقاض الأسوار القديمة، ولا تزال هذه الأسوار تُحيط بالبلدة القديمة حتَّى اليوم.[la 111]
ومن المعلوم أنَّ السُلطان سُليمان القانوني أولى اهتمامًا خاصًّا للمتصوِّفة والصوفيَّة، فانتسب إلى الطريقة المولويَّة، واستمدَّ «العزوة» من النقشبنديَّة، و«الذِكر» من الخلوتيَّة.[281] ومن الدلائل المُعبرة عن تديُّن السُلطان سُليمان القانوني ونزعته الروحانيَّة، تلك الرسالة التي بعث بها إلى شيخ الإسلام أبو السعود أفندي أثناء حصار سكدوار، يلتمس منه فيها ألَّا ينساه في دُعائه. ونصُّها المُعرَّب هو:[282]
يا شريكي عند الهم، ومؤنسي عند الغم، وأخي في الآخرة، ورفيقي في طريق الحق، حضرة الشيخ أبو السعود أفندي
بعد السلام والدعاء بالخير، ليمنحك حضرة الحق كمال القُوَّة والسلامة مما عنده.
أمنيتنا ورجاؤنا ألَّا نكون خارج قلبك الشريف في الأوقات المُباركة. على أمل أن يُهزم الكُفَّار، ويُكسروا ويُنهكوا، وينصر جنود الإسلام عمومًا بنيل رضاء الله.
الدُعاء ثُمَّ الدُعاء.عبد الهُدى
كاره الرياء سُليمان خان
الدولة في عهده

اعتبر المُؤرِّخ الأمريكي ويل ديورانت أنَّ السُلطان سُليمان كان عظيمًا في حجم تجهيزات جيوشه، وفي مدى اتساع حملاته العسكريَّة، وفي منجزاته العمرانيَّة، وفي ضخامة حاشيته، وفي قوَّة سُلطته، وفي مجمل ما وصل إليه أو حقَّقه من إنجازات. ويرى ديورانت أنَّ القانوني طوَّر الدولة العُثمانيَّة وورَّثها لخلفه في درجةٍ من التكامل المؤسَّسي والإداري لا يُمكن مقارنتها بتكامل أيِّ دولةٍ أوروپيَّةٍ معاصرةٍ له خلال المدَّة نفسها.[283] ويُعزِّز هذا التقدير ما أورده الراهب مارتن لوثر، إذ قال في سياق حديثه عن الدولة العُثمانيَّة: «يُقال إنَّه لم تكن ثمَّة حكومةٌ زمنيَّةٌ أفضل من حكومة الأتراك».[273]
وقد اتَّسعت حُدود الدولة العثمانيّة اتّساعًا ملحوظًا خلال عهد هذا السُلطان، إذ تجاوزت مساحتها أكثر من ضعفيّ ما كانت عليه عند وفاة السُلطان سليم الأوّل. فقد بلغت مساحتها آنذاك نحو 1,702,000 كلم2 في أوروپّا، و1,905,000 كلم2 في آسيا، و2,950,000 كلم2 في إفريقيا، لتصل المساحة الإجماليّة إلى 6,557,000 كلم2. وعند وفاة السُلطان سُليمان، بعد ما يُقارب نصف قرنٍ من الحُكم، كانت مساحة الدولة العثمانيّة قد ارتفعت إلى نحو 14,893,000 كلم2، توزّعت على 1,998,000 كلم2 في أوروپّا، و4,169,000 كلم2 في آسيا، و8,726,000 كلم2 في إفريقيا.[284] ولم يكن عهدُ القانوني هو الذي بلغت فيه الدولة العثمانيّة أقصى اتساعٍ جغرافيٍّ لها، بقدر ما كان العهد الذي أُديرت فيه شؤون الدولة بأعلى درجات الكفاءة والتنظيم، وبلغت فيه مؤسّساتها السياسيّة والإداريّة ذروة نُضجها ورُقيّها.[284] وقد أدَّت الانتصارات الكبرى التي حقَّقتها الدولة العُثمانيَّة إلى إحداث تحوُّلٍ جذريٍّ في مكانتها ضمن منظومة العلاقات الدوليَّة، إذ غدت قوَّةً لا يُستهان بها في ميزان السياسة العالميَّة. ونتيجةً لذلك، فقدت الدول الأوروپيَّة كافَّة آمالها في إمكانيَّة إخراج العُثمانيين من القارَّة العجوز، أو الحدِّ من نفوذهم فيها بصورةٍ حاسمة.[285]

واشتهر السُلطان سُليمان بلقب «القانوني» لما سنَّه من أنظمةٍ داخليَّة شاملة طالت مختلف فروع الحُكم وإدارات الدولة. فقد أدخل تعديلاتٍ مهمَّة على نظام العُلماء والمُدرِّسين الذي كان قد أرساه السُلطان مُحمَّد الفاتح، وجعل أرفع المناصب العلميَّة منصب مُفتي العاصمة إسلامبول، الذي حمل لقب «شيخ الإسلام». كما أعاد تنظيم طائفة الإنكشاريَّة فقسَّمها إلى ثلاث فرق تبعًا لسنوات الخدمة؛ فجعل راتب الجندي في الفرقة الأولى يتراوح بين ثلاثة غُرُوش وسبعة غُرُوش يوميًّا، وفي الفرقة الثانية بين ثمانية وتسعة غُرُوش يوميًّا، أمَّا الفرقة الثالثة، المُؤلَّفة من المصابين بعاهاتٍ دائمة، فقد حدَّد راتب أفرادها بين ثلاثين ومائةٍ وعشرين غرشًا شهريًّا. وبلغ عدد الجيش العُثماني عند وفاته نحو ثلاثمائة ألف جندي، منهم خمسون ألفًا من الجُنود النظاميِّين، والباقي من القوَّات غير النظاميَّة، كما بلغ عدد المدافع ثلاثمائة مدفع، وعدد السُفن الحربيَّة ثلاثمائة سفينة.[264]
واستند السُلطان سُليمان في تشريعاته إلى فتاوى كبار الفُقهاء، وفي مقدِّمتهم الإمام أبو السعود أفندي، كما اعتمد على جملةٍ من الأقوال الفقهيَّة المُرجَّحة، وعلى ما تُقرِّره الشريعة الإسلاميَّة من صلاحيَّةٍ مُقيَّدة لأولي الأمر في سنِّ تشريعاتٍ اجتهاديَّة قابلة للنقاش، رآها أقرب إلى تحقيق المصلحة العامَّة في سياق ظروف عصره. وشملت هذه التشريعات جملةً من القضايا، من أبرزها ما يتعلَّق بالأراضي الأميريَّة، وكراء الأوقاف ذات الإجارتين لمددٍ غير محدودة، وسنُّ بعض القوانين المنظِّمة لأصحاب المِهَن، التي اقتُبست من أنظمة المِهَن الأوروپيَّة، وهي تشريعاتٌ لم تكن في تعارضٍ مع أحكام الشريعة. كما شملت تنظيم مؤسسة الامتيازات، وسَنَّ قوانين خاصَّة بالمُزوِّرين، وحول الشاذين جنسيًا وغيرهم من الذين كانوا يقترفون أفعالًا تُعدُّ من المُنكَرات التي يرفضها الإسلام خصوصًا، والأديان الإبراهيميَّة عمومًا، مع تقرير التعزير المناسب لهم. كذلك أقرَّ وجود أوقاف التخصيصات، المعروفة باسم «الأوقاف الإرصاديَّة»، واعتمد نظام «المُعاملة الشرعيَّة»، الذي قد يُوهم من لا يُحيط بأصوله الفقهيَّة بوجود الرِّبا في الدولة العُثمانيَّة، وهو وهمٌ لا يستند إلى أساسٍ علميٍّ دقيق.[286] وقد حرص السُلطان سُليمان حرصًا بالغًا على ألَّا يشتمل عمله على ما يُخالف أحكام الشريعة الإسلاميَّة، وسعى إلى تحمُّل تبعات قراراته في بُعدها الدينيّ والأخلاقيّ. ولشدَّة ما كان يستشعره من المسؤوليَّة المعنويَّة أمام الله، أوصى قُبيل وفاته بأن تُدفن معه فتاوى شيخ الإسلام أبو السعود أفندي التي استند إليها في تشريعاته، رغبةً في أن يُبعث وهي معه شاهدًا على اجتهاده في الالتزام بالشريعة، وتبرئةً لذمَّته ممَّا قد يُسأل عنه يوم الحساب.[286]
يرى بعض الباحثين أنَّ السبب الأهمّ والأبرز في إطلاق لقب «القانوني» على السُلطان سُليمان يعود إلى قيامه بتدوين وتنقيح القوانين التي وُضعت في عهود أسلافه، ولا سيَّما في عهد السُلطان محمد الفاتح، وجدِّه بايزيد الثاني، ووالده سليم الأول. وقد استند هؤلاء السلاطين، كما فعل السُلطان سُليمان، إلى ما خوَّلته الشريعة الإسلاميَّة لأولي الأمر من صلاحيَّةٍ محدودة في وضع التشريعات وسنِّ القوانين بما يحقِّق المصلحة العامَّة. وعلى الرغم من أنَّ هذه القوانين كانت مُدوَّنة قبل عهده، فإنَّ السُلطان سُليمان تميَّز بحُسن تحريرها، وتبويبها، وصياغتها في صورةٍ أكثر إحكامًا وتنظيمًا. وفي هذا السياق، أشار الباحث الحُقوقي والمُؤرِّخ التُركي أحمد آق كوندوز، صاحب الموسوعة الشاملة في القوانين العُثمانيَّة، المؤلَّفة من اثني عشر مُجلَّدًا وتضمّ أكثر من مائتي قانون، إلى أنَّ القوانين الصادرة في عهد السُلطان سُليمان وحدها شكَّلت ثلاثة مُجلَّدات كاملة، أي ما يُعادل رُبع مجموع القوانين العُثمانيَّة.[286] وقيل إنَّ هذا اللقب أُطلق عليه لكونه طبَّق القوانين على جميع رعيَّته تطبيقًا قائمًا على العدل المطلق، من غير تمييزٍ بين طبقةٍ وأخرى أو فئةٍ وأخرى. ويستدلُّ على ذلك بما ورد نصًّا في إحدى تلك القوانين، حيث جاء: «القاعدة الثابتة أنَّ العُقُوبات الموضوعة للجرائم تكون عامَّة للجميع، سواء كان سپاهيًّا أو من الرعايا، أو شريفًا أو وضيعًا أو دنيئًا، فمن ارتكب أيَّ جريمةٍ من هذه الجرائم فإنَّه يُلاقي العُقُوبة المنصوص عليها».[286]
ويرى الباحث في التاريخ والحضارة الإسلاميَّة مُحمَّد إلهامي أنَّ حرص السُلطان سُليمان على إرساء العدل ونشره في سائر أقاليم الدولة العُثمانيَّة، إلى جانب تعدُّد آراء القُضاة في المسألة الواحدة، قد دفعه إلى توحيد القوانين وإلزام القُضاة في مختلف أنحاء الدولة بالاحتكام إليها. وقد أسهم هذا التوجُّه، من جهةٍ، في الحدِّ من تسرُّب الفساد إلى الجهاز القضائي عبر الرشوة وغيرها من الممارسات، كما ساعد على ضبط التفاوت في الأحكام، سواء الناتج عن تشدُّد بعض القُضاة وحدَّتهم، أو عن التساهل المفرط لدى بعضهم الآخر. غير أنَّ هذا الاجتهاد، على وجاهته ومقاصده الإصلاحيَّة، حمل في طيَّاته خللًا جوهريًّا لم يتنبَّه له السُلطان ولا شيخ الإسلام أبو السعود أفندي؛ إذ أدَّى توحيد القوانين وإلزام القُضاة بها إلى تقليص استقلاليَّة القضاء، وكان ذلك، في نظر إلهامي، أوَّل مظهرٍ من مظاهر «تغوُّل» الدولة في تاريخ الإسلام، وتدخُّلها المباشر في عمل العُلماء. ونتيجةً لذلك، ضاق نطاق الاجتهاد عمَّا كان عليه في السابق؛ فبعد أن كان القاضي يتمتَّع بحُريَّة الرجوع إلى فتاوى واجتهادات العُلماء المتقدِّمين، سواء من داخل مذهبه أو من خارجه، وانتقاء الحكم الأنسب للقضيَّة المعروضة عليه، أصبح مُلزَمًا باتباع النصِّ القانوني المُوحَّد، حتَّى وإن لم يكن هذا النصُّ أرجحَ الآراء أو أليقَ بمصلحة القضيَّة التي ينظر فيها.[وب عر 1]


واقترن التقدُّم السياسي الذي شهدته الدولة العُثمانيَّة، داخليًّا وخارجيًّا، بتقدُّمٍ موازٍ في الميدان الثقافي، وهو تقدُّم يُمكن القول إنَّه اتَّسم بدرجةٍ أعلى من الاستقلال عمَّا كان عليه في العُهُود السابقة. ففي هذا العصر، اكتسبت الثقافة العُثمانيَّة سماتٍ خاصَّةً ومميَّزة، ولا سيَّما في مجالي الأدب والفن، الأمر الذي أسهم في بلورة هويَّتها الثقافيَّة المستقلَّة. وكان للسُلطان دورٌ بارز في الحياة الأدبيَّة خلال عهده، إذ لم يقتصر تأثيره على الرعاية والتشجيع، بل شارك فيها بوصفه شاعرًا، كما تقدَّم ذكره.[285] ورعى القانوني أربابَ العلم والفن رعايةً مستمرَّة، واهتمَّ بتشجيع حركة الترجمة والتأليف، فأمر علاء الدين چلبي بترجمة كتاب كليلة ودمنة إلى التُركيَّة. وقد اطَّلع السُلطان على هذه الترجمة، التي قُدِّمت إليه بعنوان «سيرة سُلطانيَّة»، فقرأها في ليلةٍ واحدة، ثم كافأ المُترجم بتعيينه قاضيًا على مدينة بورصة، وهو منصبٌ كان يتطلَّب في الأحوال العاديَّة ما لا يقلّ عن سبع سنواتٍ من الخدمة للوصول إليه.[281] وأمر السُلطان شاعرًا يُدعى «مُحمَّد ضعيفي» بترجمة أحد كُتُب السياسة النموذجيَّة من الفارسيَّة إلى التُركيَّة، ويُعدّ هذا العمل مُحاولةً واعية في اتجاه بلورة فلسفةٍ للدولة من خلال الرسائل السياسيَّة وأخبار الحُكماء والشُعراء. وإلى جانب ذلك، قام مُراد بك، أحد مُترجمي البلاط السُلطاني، بترجمة كتاب الفيلسوف والخطيب الرومي شيشرون وقدَّمه إلى القانوني؛ وكان عنوانه الأصلي باللاتينيَّة «Cato Maior de Senectute»، فنقله مُراد بك إلى التُركيَّة تحت عنوان «كتاب مديح الشيخوخة».[281]
أمَّا في ميدان العمارة، فإنَّ الثقافة العُثمانيَّة تَدينُ بقدرٍ كبير لمواهب السُلطان سُليمان الأصيلة ورعايته المباشرة لهذا الفن، إذ شهد عهده ازدهارًا معماريًّا واسع النطاق عكس قوَّة الدولة ورُقيّ ذائقتها الحضاريَّة. ويأتي في مُقدِّمة ذلك تشييده عددًا من المساجد في العاصمة إسلامبول، أبرزها المسجد الذي حمل اسمه، أي مسجد السُليمانيَّة، والذي يُعدّ من أعظم منجزات العمارة العُثمانيَّة الكلاسيكيَّة. ومن أشهر العمائر التي شُيِّدت أو رُمِّمت في عهده أيضًا: جامع الإمام الأعظم في بغداد، ومسجد ومقام جلال الدين الرومي في قونية.[285] كما شملت الحركة العمرانيَّة معالم أُخرى بارزة، منها جامع شاهزاده في إسلامبول، وتكيَّة حَراباطي بابا في قالقاندلن بمقدونية،[وب عر 2] والتكيَّة السُليمانيَّة في دمشق،[وب عر 3] والجسر العتيق في مُستار بالبوسنة.[وب عر 4] ويُضاف إلى ذلك مشروعه المائي في ثلاث بُرك أمر بحفرها في قرية أرطاس جنوب بيت لحم، لتزويدها وبيت المقدس بالمياه اللازمة،[وب عر 5] في دلالةٍ واضحة على اهتمامه بالبُنى التحتيَّة والخدمات العامَّة، إلى جانب العمارة الدينيَّة والمدنيَّة.
زوجاته وأولاده


كان للسُلطان سُليمان محظيتان معروفتان، أعتق إحداهما ثم تزوَّجها، وقد أنجب منهما جميع أبنائه وابنتيه. أمَّا هاتان المحظيتان فهما:
- ماهدوران خاتون: تُرجِّح المصادر أنَّ أصلها شركسي أو أرناؤوطي أو صربي. دخلت حرملك السُلطان سُليمان في الفترة التي كان فيها وليًّا للعهد ويتولَّى حُكم مغنيسية. عاشت عمرًا مديدًا، إذ تُوفّيت سنة 1581م بعد أن جاوزت الثمانين من عمرها، ودُفنت في كُلِّيَّة المُراديَّة إلى جوار ابنها الشاهزاده مُصطفى.[la 94]
- خُرَّم خاتون: عُرفت في المصادر الغربيَّة باسم «رُكسلانة»، وهي روتينيَّة الأصل. كانت المحظيَّة المُفضَّلة لدى السُلطان سُليمان، فهام بها هيامًا شديدًا، ثم أعتقها وتزوَّجها، وأنجب منها معظم أولاده، وفي مقدِّمتهم خليفته سليم. وبزواجها منه أصبحت أوَّل امرأة في التاريخ العُثماني تُلقَّب بـ«خاصكي سلطان». كما تُعدّ أوَّل امرأة يظهر لها تأثيرٌ ملحوظ في الشؤون السياسيَّة للدولة العُثمانيَّة، إذ ارتبط نفوذها وبدايات تدخُّلها غير المُباشر في دوائر القرار بتشكُّل المرحلة التاريخيَّة المعروفة بـ«سلطنة الحريم». وإلى جانب ذلك، اشتهرت بأعمالٍ خيريَّة واسعة وُجِّهت لخدمة عموم الرعيَّة. تُوفّيت سنة 1558م بعد أن جاوزت الخمسين من عمرها.
أمَّا أبناء السُلطان سُليمان فثمانية، هم:
- محمود: وُلِد سنة 1513م، وتوفّي طفلًا قبل أن يُكمل السابعة من عمره، وذلك سنة 1520م، ودُفن في جامع السليميَّة.[la 112]
- مُراد: وُلِد سنة 1515م، وتوفّي وهو في نحو الخامسة من عمره سنة 1520م، ودُفن في جامع السليميَّة إلى جوار أخيه محمود.[la 112]
- مُصطفى: ابن ماهدوران. وُلِد قرابة سنة 1515م، وتولَّى ولاية العهد لفترةٍ طويلة من حكم والده، وتمتَّع بصفاتٍ حميدةٍ عديدةٍ جعلته موضع آمالٍ واسعة ليكون خير خلفٍ له. غير أنَّ مسيرته انتهت نهايةً مأساويَّة، إذ صدر الأمر بقتله سنة 1553م بعد اتِّهامه بالخيانة، وذلك كما أُسلف.
- مُحمَّد: ابن خُرَّم. وُلد سنة 1521م وتوفي سنة 1543م بعد أن جاوز العشرين بقليل، ودُفن على إحدى هضاب إسلامبول، وشُيِّد على قبره مسجد عُرف بجامع شاهزاده.
- سليم: ابن خُرَّم. وُلد سنة 1524م. كُتب له أن يخلف والده على عرش آل عُثمان، ويُصبح السُلطان الحادي عشر في سلسلة سلاطين الدولة العُثمانيَّة. دام حكمه حتَّى وفاته سنة 1574م، فدُفن في جامع آيا صوفيا.
- عبد الله: ابن خُرَّم. وُلد قُرابة سنة 1525م وتوفي طفلًا سنة 1528م.[la 112]
- بايزيد: ابن خُرَّم. وُلد سنة 1527م وقُتل سنة 1561م في قزوين بأمر أبيه بعد أن أعلن العصيان كما أُسلف.
- جهانكير: ابن خُرَّم. وُلِد سنة 1531م، وعانى منذ ولادته من الحُداب،[la 113] الأمر الذي استبعده عمليًّا من المنافسة على ولاية العهد. عُرف بلطافة المعشر، وحُسن الحديث، وميله إلى العلوم والآداب، فحظي بمحبَّة والده وإخوته. تُوفِّي سنة 1553م، لشدَّة حزنه على مقتل أخيه مُصطفى، كما أُسلف، ودُفن في جامع شاهزاده.
أمَّا ابنتا السُلطان فهما:
- راضية سلطان: وُلدت قُرابة سنة 1519م وتوفيت بعدها بسنةٍ واحدةٍ فقط.
- مهرماه سلطان: ابنة خُرَّم. وُلدت سنة 1522م. تزوَّجت الصدر الأعظم رُستم باشا سنة 1539م. توفيت سنة 1578م ودُفنت في مسجد السُليمانيَّة جوار والدها.
في الثقافة الشعبيَّة
ظهرت شخصيَّة السُلطان سُليمان القانوني في عددٍ من الأعمال المرئيَّة والمكتوبة الحديثة، ولا سيّما في مجال الألعاب الإلكترونيَّة. ومن أبرز الأمثلة على ذلك لُعبة «عقيدة الحشَّاشين: الوُحيّ» (بِالإنگليزيَّة: Assassin’s Creed: Revelations)، حيث أُسنِد إليه دورٌ محوريّ في مجريات القصَّة، وأدَّى صوته الممثِّل اللُّبناني الأمريكي هاز سليمان.[وب 11] كما ظهرت شخصيَّته في مجموعةٍ أُخرى من الألعاب الإلكترونيَّة، من بينها الجزء الثالث من سلسلة «عصر الإمبراطوريَّات» (بِالإنگليزيَّة: Age of Empires III)، بما يعكس استمرار حضور القانوني في الثقافة الشعبيَّة المعاصرة بوصفه إحدى أبرز الشخصيَّات التاريخيَّة العالميَّة.
ولعلَّ أبرز الأعمال التي صوّرت السُلطان سُليمان القانوني وحياته في الثقافة المعاصرة هو المُسلسل التلفازي التركي «مُحتشم یوزییل» (بالتركية: Muhteşem Yüzyıl)، والذي يعني «القرن العظيم». ويروي هذا المسلسل حياة السُلطان سُليمان منذ توليه عرش الدولة العثمانية وزواجه من خُرَّم خاتون،[وب 12] في إطارٍ دراميٍّ لا يخلو من عددٍ من التحريفات والأخطاء التاريخية. وقد دُبلج هذا المسلسل إلى العربية تحت عنوان «حريم السلطان»، مع تغييرات في أسماء بعض الشخصيات التاريخية، مثل تحويل اسم «خُرَّم» إلى «هويام»، و«ماهدوران» إلى «ناهد دوران».
هوامش
- ^ أي المُبارز لإعلاء شأن الدين والدولة.[1]
- ^ هي التي عُرفت عند كثيرٍ من الناس في الوطن العربي باسم «هويام» بسبب مُسلسل «حريم السُلطان»، حيثُ حُرِّف اسمها تحريفًا مُبالغًا لسببٍ غير معلوم، لعلَّه بسبب قربه من اللفظ التُركي من جهة (بالتركية: Hürrem)، والجهل بكيفيَّة كتابته بالأحرف العربيَّة من جهةٍ أُخرى.
- ^ لم يُذكر التاريخ الدقيق كاملًا وفق التقويم الهجري في المراجع المُستخدمة في هذه المقالة، وإنَّما حُدِّد باستخدام مُحوِّل التاريخ في موقع «نداء الإيمان» نظرًا لأنَّ تاريخ ميلاد صاحب الترجمة وفق التقويم الميلادي ذُكر كاملًا. ذُكرت هذه المعلومة في هذه الحاشية لإتمام الفائدة.
- ^ البيت في مثل هذا التعبير يُقصد به العائلة. يُقال: «بَيتُ الرَّجُل: عِيَالُه»،[16] أي إنَّ السُلطان سليم اصطحب معه قُرابة ستمائة عائلة من عائلات أعيان مصر والشَّام إلى إسلامبول.
- ^ «الجَاوُوْشِيَّة» مُفردُها «جَاوُوشٌ» أو «جَاوِيشٌ» وحُرِّف لفظُه بِالعربيَّة فصار «شَاوِيشٌ»، والرَّسمُ العُثماني الأصلي هو «چَاوُش» (بالتركية: Çavuş). هو نوعٌ من المُوظفين في الدولة العُثمانيَّة كانوا يُستخدمون في مجموعةٍ من الوظائف، أهمها: خدمة الديوان الهُمايُوني أثناء انعقاده، ونقل الأخبار بين القادة والعساكر في ساحات القتال على وجه الخُصُوص، وخدمة السُفُن وأُمراء البحريَّة. والجاووش في الأصل يعني الحاجب، وهو صاحب البريد والدليل في الحُرُوب وجامع الأخبار وقائد الفرقة المُكوَّنة من عشرة جُنُود.[23]
- ^ «الكاشف» مُصطلح أُطلق في العصر المملوكي للدلالة على النقيب أو الرئيس أو القائد.[53] وكان حامل هذا اللقب يتولَّى عدَّة مهام قضائيَّة وعسكريَّة، وبوجهٍ خاص تحمُّل مسؤوليَّة المُحافظة على نظام الريّ في الأقاليم والنواحي، وقد استُخدم هذا المُصطلح في العصر العُثماني للدلالة على هؤلاء الذين كانوا يُديرون أكثر من مُقاطعة ريفيَّة في نفس المنطقة.[54]
- ^ لقبٌ منحوت من «خاص» العربيَّة و«أوده» التُركيَّة، ومعناها «غُرفة». أُطلق خلال العصر العُثماني على العاملين في خدمة السُلطان الخاصَّة داخل السراي.[56]
- ^ كان التوحُّد التُركي العُثماني مع الإسلام قويًّا جدًّا إلى درجة أنَّ الأوروپي كان يقول عن أخيه الذي يدخل الإسلام أنَّهُ «تترَّك» بِمعنى أسلم، فكانت كلمتا «تُركي» و«مُسلم» تعنيان لِلأوروپي شيئًا واحدًا بِحيثُ إذا كان مُمكنًا القول بِوُجُود «عربي مسيحي» فإنَّهُ غير ذي معنى القول بِوُجُود «تُركي مسيحي»، فالتُركي والمسيحيَّة لا يجتمعان في العقليَّة الأوروپيَّة العائدة لِذلك الزمن، فالتُركي هو المُسلم والمُسلم هو التُركي. والواقع أنَّ العثمانيون أنفُسهم مُنذُ بدايتهم وحتَّى وقتٍ مُتأخرٍ جدًا من تاريخهم كانوا يُعرِّفون أنفُسهم على أنهم مُسلمون قبل أن يكونوا أتراكًا، وأنَّ دولتهم دولة إسلاميَّة وليست دولة تُركيَّة، وبِالتالي فهي استمرارٌ لِلسُلالات الأُمويَّة والعبَّاسيَّة والمملوكيَّة والأيُّوبيَّة، بِغض النظر عن عرقيَّة هذه السُلالة سواء أكانت عربيَّة أو قفقاسيَّة أو كُرديَّة أو تُركيَّة.[72]
- ^ «السَكْبَانْبَاشي» هو قائد فرقة «السَكْبَان» وقائممقام آغا الإنكشاريَّة. و«السَكْبَان» كلمة فارسيَّة منحوتة من «سَگْ» بمعنى «كلب» و«بان» وهي لاحقة تُفيد الحماية والحراسة، فيصير المعنى «حارس الكلب». أُطلقت اصطلاحًا خلال العصر العُثماني على الفرقة الثالثة من فرق الإنكشاريَّة، كما أُطلقت على الشخص الذي يسير في ركاب الحاكم ومعه كلبه.[86]
- ^ «الجاشنكيريَّة» كلمة فارسيَّة، أصلها «چَاشَنْگير»، وهي منحوتة من «چَاشَنْ» بمعنى التذوُّق، و«گير» بمعنى الأخذ، فيصير معنى الكلمة «المُتذوِّق». وفي الاصطلاح هو المُتصدِّي لتذوُّق المأكول والمشروب قبل السُلطان خوفًا من أن يُدسّ فيه السُّم.[94]
- ^ «القبُّوجيَّة»، مفردها «قبُّوجي»، كلمة تُركيَّة تعني «حارس الباب». استُخدمت للدلالة على المُوظفين في الإدارة السُلطانيَّة الذين يُكلَّفون بمُهمَّاتٍ خاصَّةٍ خارج الإدارة في الإيالات البعيدة.[95]
- ^ «بَچْ» هو الاسم العُثماني لمدينة ڤيينَّا، وقد أخذ العُثمانيين هذه الكلمة عن المجريَّة «Bécs»، ومعناها «الضاحية» أو «الربض»، وفي النصف الأوَّل من القرن التاسع عشر الميلادي حلَّ الاسم «ويانة» محل «بچ» في الكتابة العُثمانيَّة.[103]
- ^ الكتابة واللفظ العُثماني لاسم «فرديناند» كما ورد في كتاب جامع التواريخ لأحمد مُنجِّم باشي.
- ^ جمع «كورك چى»، وهو مُصطلحٌ عُثماني أُطلق على مُجدّفي سُفُن الأُسطُول العُثماني قبل أن تكون لها قُلُوع، وكان منهم عدَّة طوائف.[168]
- ^ «البرشان» جمع «برشة»، من الپُرتُغاليَّة واللاتينيَّة «Barca»، وهي سفينة كبيرة لحمل الركَّاب والبضائع.[186] وهي المُشمَّاة بالعربيَّة «البَرك»[187]
- ^ «الدُزْدار» تسمية فارسيَّة منحوتة من «دُژ» بمعنى الحصن والقلعة، و«دار» بمعنى الحامي أو الصاحب. وفي الاصطلاح يُطلق على حاكم القلعة أو حارسها. تُجمع على «دُزْدَاريَّة».[198]
- ^ «النوبتجيَّة» جمع «نوبتجي» وهي تسمية كانت تُطلق على الجُندي الإنكشاري الذي يقوم بالحراسة في القلعة لثلاث سنوات، وكان في الأغلب يُؤدِّي عمله في القلاع الواقعة على السواحل أو الحُدُود. كُتبت بالعُثمانيَّة «نوبتچى يَڭِيچِرِى».[199]
- ^ «الجكدريَّة» تسمية أُطلقت على فئةٍ من السُفُن الصغيرة التي كانت تُدار أساسًا بالمجاديف، مع إمكان تزويدها بشراعٍ مُساعد. وتمتاز هذه السُفُن بأنَّها أصغر حجمًا من الغليون، وأكبر قليلًا من القارب العادي. وقد شملت هذه التسمية عددًا من الأنواع العُثمانيَّة الخفيفة، مثل الـ«قرەمُرسل» والـ«قادرغة» والـ«باشطاردة».[la 106][la 107][la 108]
- ^ «البُلُوك» تسمية تُركيَّة يُقصد بها الفوج أو الزُمرة أو الفرقة. وفي الاصطلاح أُطلقت على مجموعةٍ من الجُند تُؤلِّف وحدة صُغرى، فكُل اثنيّ عشر بُلُوكًا يُشكِّلون فرقة، وهي التي تُسمَّى بالتُركيَّة «أورطة». وقد ترد هذه التسمية بصيغة «بُلُك» وتُجمع على «بُلُكات».[268]
المراجع
فهرست الإحالات
- المنشورات
- باللُغتين العربيَّة والعُثمانيَّة
- ^ منجم باشي (2009)، ص. 702.
- ^ ا ب ج د ه و ز ح ط فريد بك (1981)، ص. 198-199.
- ^ ا ب جحا وآخرون (1972)، ص. 146.
- ^ فريد بك (1981)، ص. 252.
- ^ البكري (1995)، ص. 104-105.
- ^ ا ب ج منجم باشي (2009)، ص. 703.
- ^ حلاق (2000)، ص. 29.
- ^ ا ب ج د ه أرمغان (2014)، ص. 66-67.
- ^ حلاق (2000)، ص. 31.
- ^ أوزتونا (2010)، ص. 206.
- ^ منجم باشي (2009)، ص. 598.
- ^ أوزتونا (2010)، ص. 213.
- ^ منجم باشي (2009)، ص. 664، 688.
- ^ منجم باشي (2009)، ص. 694.
- ^ ا ب أوزتونا (2010)، ص. 236.
- ^ مسعود (1992)، ص. 184.
- ^ ا ب ج د ه و ز ح منجم باشي (2009)، ص. 704-707.
- ^ ا ب ج د ه بجوي (2015)، ص. 32-33.
- ^ ابن إياس (1984)، ص. 365.
- ^ الزركلي (2002)، ص. 147.
- ^ مصطفى (1986)، ص. 87.
- ^ ابن إياس (1984)، ص. 385-386.
- ^ صابان (2000)، ص. 80 - 81.
- ^ ا ب ج د ه و إيفانوف (1988)، ص. 77-78.
- ^ ا ب أوزتونا (2010)، ص. 261.
- ^ ابن إياس (1984)، ص. 382.
- ^ سعد الدين (1863)، ص. 382-383.
- ^ ا ب ابن إياس (1984)، ص. 383.
- ^ حتي (1972)، ص. 311.
- ^ ا ب طقوش (2013)، ص. 209.
- ^ مصطفى (1986)، ص. 88.
- ^ الشناوي (1985)، ص. 225-235.
- ^ ا ب ج الكيلاني (1999)، ص. 111-112.
- ^ ا ب ج طقوش (2013)، ص. 179-180.
- ^ ا ب ج د ه طقوش (2013)، ص. 181.
- ^ كولنز (1993)، ص. 83-84.
- ^ ا ب ج د ه و ز ح أوزتونا (2010)، ص. 262.
- ^ طقوش (2013)، ص. 182.
- ^ بجوي (2015)، ص. 107.
- ^ ا ب ج منجم باشي (2009)، ص. 707-708.
- ^ ا ب ج د فريد بك (1981)، ص. 202-203.
- ^ ا ب الصباغ (1989)، ص. 94-95.
- ^ ا ب طقوش (2013)، ص. 183.
- ^ ا ب ج د ديورانت (1988)، ص. 102-103.
- ^ ا ب ج د فريد بك (1981)، ص. 203-206.
- ^ ا ب ج د ه و ز ح منجم باشي (2009)، ص. 709-712.
- ^ ا ب بجوي (2015)، ص. 113-114.
- ^ ا ب ج أوزتونا (2010)، ص. 263-264.
- ^ ا ب ج طقوش (2013)، ص. 184.
- ^ جحا وآخرون (1972)، ص. 142.
- ^ ابن إياس (1984)، ص. 481-482.
- ^ ابن إياس (1984)، ص. 489.
- ^ حلاق وصباغ (1999)، ص. 185.
- ^ منجم باشي (2009)، ص. 714 (الهامش).
- ^ ا ب ج د ه و ز منجم باشي (2009)، ص. 714-716.
- ^ حلاق وصباغ (1999)، ص. 78.
- ^ ا ب ج بجوي (2015)، ص. 120.
- ^ ا ب ج د ه و ز فريد بك (1981)، ص. 207-208.
- ^ النهروالي (1967)، ص. 38.
- ^ ا ب ج د أوزتونا (2010)، ص. 265.
- ^ منجم باشي (2009)، ص. 716-717.
- ^ محمود (2019)، ص. 60-61.
- ^ الشناوي (1985)، ص. 236.
- ^ طقوش (2013)، ص. 185.
- ^ ا ب ج د أوزتونا (2010)، ص. 267-268.
- ^ ا ب ج الشناوي (1985)، ص. 254-255؛ 263-266.
- ^ ا ب ج د فريد بك (1981)، ص. 209.
- ^ لام (2007)، ص. 139.
- ^ جودت (1890)، ص. 387-388.
- ^ ا ب ج د ه و ز ح ط أوزتونا (2010)، ص. 268-271.
- ^ ا ب طقوش (2013)، ص. 187.
- ^ نور الدين (1998)، ص. 24.
- ^ كلو (1991)، ص. 105.
- ^ ا ب كلو (1991)، ص. 103-105.
- ^ طقوش (2009)، ص. 86.
- ^ ا ب ج د فريد بك (1981)، ص. 211.
- ^ ا ب ج د ه و ز منجم باشي (2009)، ص. 718-721.
- ^ ا ب بجوي (2015)، ص. 125-127.
- ^ كلو (1991)، ص. 107.
- ^ يحيى (1982)، ص. 235.
- ^ كلو (1991)، ص. 106.
- ^ بجوي (2015)، ص. 132-133.
- ^ الشناوي (1985)، ص. 276.
- ^ ا ب ج د ه و بجوي (2015)، ص. 138-140.
- ^ ا ب ج د فريد بك (1981)، ص. 214.
- ^ حلاق وصباغ (1999)، ص. 117.
- ^ ا ب بجوي (2015)، ص. 141-142.
- ^ منجم باشي (2009)، ص. 722-724.
- ^ ا ب بجوي (2015)، ص. 161-162.
- ^ ا ب بجوي (2015)، ص. 159.
- ^ لطفي باشا (2018)، ص. 389.
- ^ بجوي (2015)، ص. 162.
- ^ ا ب ج د ه و منجم باشي (2009)، ص. 722-725.
- ^ حلاق وصباغ (1999)، ص. 59.
- ^ نوفل (1990)، ص. 209.
- ^ ا ب الشناوي (1985)، ص. 278.
- ^ ا ب طقوش (2013)، ص. 188-189.
- ^ ا ب ج د ه و ز ح ط ي يا أوزتونا (2010)، ص. 272-274.
- ^ ا ب ج د ه و ز ح ط ي يا يب يج فريد بك (1981)، ص. 215-219.
- ^ ا ب كلو (1991)، ص. 115.
- ^ كولز (1993)، ص. 86.
- ^ ا ب ج د بجوي (2015)، ص. 174.
- ^ دائرة المعارف الإسلامية (1998)، ص. 206.
- ^ جحا وآخرون (1972)، ص. 145.
- ^ ا ب ج د ه بجوي (2015)، ص. 175-177.
- ^ ا ب ج د ه و ز منجم باشي (2009)، ص. 728-732.
- ^ ا ب طقوش (2013)، ص. 190.
- ^ ا ب كلو (1991)، ص. 119-120.
- ^ ا ب كلو (1991)، ص. 119.
- ^ ا ب ج بجوي (2015)، ص. 179-180.
- ^ ا ب ج د ه و ز ح ط ي طقوش (2013)، ص. 191-194.
- ^ بجوي (2015)، ص. 180-181.
- ^ بجوي (2015)، ص. 182.
- ^ ا ب ديورانت (1988)، ص. 104.
- ^ ا ب ج كلو (1991)، ص. 142.
- ^ ا ب خوري وإسماعيل (1990)، ص. 5-6.
- ^ منجم باشي (2009)، ص. 734.
- ^ أوزتونا (2010)، ص. 275.
- ^ الشناوي (1985)، ص. 414-416.
- ^ كلو (1991)، ص. 145.
- ^ كولنز (1993)، ص. 91.
- ^ ا ب فريد بك (1981)، ص. 219.
- ^ أوزتونا (2010)، ص. 275-276.
- ^ ا ب ديورانت (1988)، ص. 106-107.
- ^ ا ب طقوش (2013)، ص. 195.
- ^ ا ب رافق (1993)، ص. 66-67.
- ^ عمر (1985)، ص. 92.
- ^ ا ب ج منجم باشي (2009)، ص. 737-739.
- ^ أوزتونا (2010)، ص. 339.
- ^ كلو (1991)، ص. 153.
- ^ ا ب ج د ه و ز فريد بك (1981)، ص. 222-223.
- ^ ا ب ج د ه أوزتونا (2010)، ص. 289-291.
- ^ ا ب ج د ه و ز ح ط أوزتونا (2010)، ص. 339-342.
- ^ ا ب ج د ه و ز منجم باشي (2009)، ص. 741-745.
- ^ ا ب ج د بجوي (2015)، ص. 222-225.
- ^ ا ب ج د ه بجوي (2015)، ص. 226-230.
- ^ ا ب ج إيفانوف (1988)، ص. 86-87.
- ^ العزاوي (2004)، ص. 23-25.
- ^ ا ب طقوش (2013)، ص. 213.
- ^ العزاوي (2004)، ص. 36-37.
- ^ ا ب ج رافق (1993)، ص. 68.
- ^ طقوش (2013)، ص. 214.
- ^ إيفانوف (1988)، ص. 177.
- ^ ا ب ج طقوش (2013)، ص. 220-221.
- ^ إيفانوف (1988)، ص. 180-181.
- ^ التر (1989)، ص. 93.
- ^ ا ب ج د ه و ز أوزتونا (2010)، ص. 291-294.
- ^ الشناوي (1985)، ص. 915-916.
- ^ ا ب التر (1989)، ص. 112-113.
- ^ إيفانوف (1988)، ص. 189.
- ^ الشناوي (1985)، ص. 916.
- ^ إيفانوف (1988)، ص. 194.
- ^ كلو (1991)، ص. 174.
- ^ فريد بك (1981)، ص. 223-229.
- ^ ا ب فريد بك (1981)، ص. 229-230 (مع الهامش).
- ^ ا ب منجم باشي (2009)، ص. 745-746.
- ^ نوفل (1990)، ص. 349.
- ^ بجوي (2015)، ص. 234.
- ^ ا ب كلو (1991)، ص. 221-222.
- ^ ا ب ج د ه فريد بك (1981)، ص. 234-235.
- ^ خوري وإسماعيل (1990)، ص. 7.
- ^ طقوش (2013)، ص. 198.
- ^ ا ب ج د أوزتونا (2010)، ص. 276-277.
- ^ ا ب سرهنك (1895)، ص. 540.
- ^ ا ب ج د ه و منجم باشي (2009)، ص. 747-749.
- ^ ا ب ج د ه و ز ح ط ي يا أوزتونا (2010)، ص. 294-297.
- ^ بجوي (2015)، ص. 235.
- ^ المصري (2004)، ص. 114.
- ^ ا ب ج بجوي (2015)، ص. 242-243.
- ^ منجم باشي (2009)، ص. 750-751.
- ^ ا ب منجم باشي (2009)، ص. 754-757.
- ^ ا ب بجوي (2015)، ص. 258-259.
- ^ ا ب أوزتونا (2010)، ص. 278-279.
- ^ ا ب ج د بجوي (2015)، ص. 248-256.
- ^ ا ب طقوش (2013)، ص. 199.
- ^ البطريق ونوار (1997)، ص. 78.
- ^ ا ب الشناوي (1985)، ص. 299-300.
- ^ كلو (1991)، ص. 222-223.
- ^ إيفانوف (1988)، ص. 122.
- ^ عمر (1985)، ص. 99.
- ^ ا ب ج طقوش (2013)، ص. 226-227.
- ^ ا ب فريد بك (1981)، ص. 239-240.
- ^ ا ب محمود (2019)، ص. 70-72.
- ^ يحيى (1959)، ص. 12.
- ^ الطيبي (1999)، ص. 169.
- ^ الطيبي (1999)، ص. 169 (الهامش).
- ^ البعلبكيان (2008)، ص. 109.
- ^ المليباري (1985)، ص. 277-278.
- ^ محمود (2019)، ص. 72-73.
- ^ سرهنك (1895)، ص. 543.
- ^ كلو (1991)، ص. 268.
- ^ ا ب ج د ه و ز منجم باشي (2009)، ص. 758-758.
- ^ حليم (1905)، ص. 92.
- ^ ا ب أوزتونا (2010)، ص. 280-281.
- ^ بجوي (2015)، ص. 270-271.
- ^ ا ب ج د ه و ز ح ط فريد بك (1981)، ص. 236-238.
- ^ كولز (1993)، ص. 87.
- ^ حلاق وصباغ (1999)، ص. 90-91.
- ^ المصري (2004)، ص. 151.
- ^ دراج (2012)، ص. 311.
- ^ ا ب ج د ه و ز ح أوزتونا (2010)، ص. 297-300.
- ^ دراج (2012)، ص. 309.
- ^ التلمساني (2017)، ص. 122.
- ^ التلمساني (2017)، ص. 120.
- ^ كلو (1991)، ص. 225.
- ^ بجوي (2015)، ص. 291.
- ^ ا ب ج د منجم باشي (2009)، ص. 760-762.
- ^ طقوش (2013)، ص. 202.
- ^ ا ب أوزتونا (2010)، ص. 282-285.
- ^ بجوي (2015)، ص. 297-298.
- ^ ا ب ج د ه و أوزتونا (2010)، ص. 301-302.
- ^ كولز (1993)، ص. 93.
- ^ طقوش (2013)، ص. 203.
- ^ فريد بك (1981)، ص. 238-239.
- ^ كلو (1991)، ص. 201-202.
- ^ كولز (1993)، ص. 88.
- ^ ا ب ج بجوي (2015)، ص. 311-312.
- ^ ا ب ج د ه و منجم باشي (2009)، ص. 762-766.
- ^ ا ب كلو (1991)، ص. 235.
- ^ ا ب ج د أوزتونا (2010)، ص. 344–347.
- ^ ا ب ج د ه و بجوي (2015)، ص. 315–317.
- ^ ا ب ج بجوي (2015)، ص. 318–319.
- ^ بجوي (2015)، ص. 321–322.
- ^ ا ب ج د ه و منجم باشي (2009)، ص. 766-770.
- ^ ا ب بجوي (2015)، ص. 329–330.
- ^ بجوي (2015)، ص. 334–335.
- ^ ا ب ج فريد بك (1981)، ص. 246-248.
- ^ ا ب أوزتونا (2010)، ص. 349-350.
- ^ ا ب ج د ه منجم باشي (2009)، ص. 771-775.
- ^ بجوي (2015)، ص. 344.
- ^ آق كوندوز وأوزتورك (2008)، ص. 248.
- ^ منجم باشي (2009)، ص. 776.
- ^ ا ب ج د طقوش (2013)، ص. 215-216.
- ^ بجوي (2015)، ص. 369.
- ^ ا ب عيجولي (2022)، ص. 97-98.
- ^ فلكاوي وعبيد (2015)، ص. 329.
- ^ إيفانوف (1988)، ص. 217.
- ^ الشناوي (1985)، ص. 703-712.
- ^ الشناوي (2004)، ص. 199.
- ^ فلكاوي وعبيد (2015)، ص. 333.
- ^ إيفانوف (1988)، ص. 225.
- ^ الشناوي (2004)، ص. 929.
- ^ ا ب ج أوزتونا (2010)، ص. 312-313.
- ^ ا ب ج فريد بك (1981)، ص. 241-242.
- ^ الصباغ (1989)، ص. 145.
- ^ كلو (1991)، ص. 462.
- ^ ا ب خوري وإسماعيل (1990)، ص. 8.
- ^ ا ب ج د ه منجم باشي (2009)، ص. 780-784.
- ^ ا ب ج د ه و ز أوزتونا (2010)، ص. 333-336.
- ^ ا ب ج د ه و ز ح ط أوزتونا (2010)، ص. 304-308.
- ^ ا ب الناصري (1997)، ص. 304-308.
- ^ ا ب ج د ه و منجم باشي (2009)، ص. 792-798.
- ^ ا ب أوزتونا (2010)، ص. 350-351.
- ^ ا ب آق كوندوز وأوزتورك (2008)، ص. 249.
- ^ ا ب لام (2007)، ص. 368-369.
- ^ ا ب ج د ه منجم باشي (2009)، ص. 788-792.
- ^ ا ب ج د ه و ز أوزتونا (2010)، ص. 314-318.
- ^ كلو (1991)، ص. 270.
- ^ ا ب فريد بك (1981)، ص. 249.
- ^ ا ب ج د طقوش (2013)، ص. 206.
- ^ ا ب ج د منجم باشي (2009)، ص. 798-800.
- ^ ا ب ج أوزتونا (2010)، ص. 319-322.
- ^ كلو (1991)، ص. 265.
- ^ ا ب ج د ه و ز فريد بك (1981)، ص. 250-251.
- ^ ا ب ج أوزتونا (2010)، ص. 352-353.
- ^ ا ب ج د ه و ز منجم باشي (2009)، ص. 801-805.
- ^ طقوش (2013)، ص. 207.
- ^ حلاق وصباغ (1999)، ص. 43.
- ^ منجم باشي (2009)، ص. 816-817.
- ^ طاشكبري زاده (1975)، ص. 801-805.
- ^ القرماني (1865)، ص. 324.
- ^ ا ب أوزتونا (2010)، ص. 354.
- ^ ا ب ج ديورانت (1988)، ص. 125–126.
- ^ طقوش (2013)، ص. 230.
- ^ البكري (1995)، ص. 105.
- ^ أوزتونا (2010)، ص. 355.
- ^ أرمغان (2014)، ص. 66 (الهامش).
- ^ آق كوندوز وأوزتورك (2008)، ص. 233-234.
- ^ ا ب ج د أرمغان (2014)، ص. 68-70.
- ^ طقوش (2013)، ص. 228.
- ^ ا ب ج د ه و ز أرمغان (2014)، ص. 71-73.
- ^ أرمغان (2014)، ص. 75.
- ^ ديورانت (1988)، ص. 124.
- ^ ا ب أوزتونا (2010)، ص. 356-357.
- ^ ا ب ج طقوش (2013)، ص. 229.
- ^ ا ب ج د آق كوندوز وأوزتورك (2008)، ص. 242-244.
- باللُغات التُركيَّة والأوروپيَّة
- ^ Tüzün (2004), p. 19.
- ^ Tüzün (2008), p. 477.
- ^ Mansel (1998), p. 61.
- ^ ا ب Ágoston (2009), p. 541–545.
- ^ Sakaoğlu (2012), p. 20.
- ^ Atıl (1987), p. 24–33.
- ^ Lowry (1993), p. 21.
- ^ Clot (1992), p. 25.
- ^ Öztuna (2014), p. 9.
- ^ Fisher (1993), p. 9.
- ^ Özdamarlar (2009), p. 4.
- ^ ا ب Noel (1973), p. 36.
- ^ Uzunçarşılı (1983), p. 234.
- ^ ا ب ج Sakaoğlu (2012), p. 4.
- ^ Clot (1992), p. 28.
- ^ Spuler, Bagley and Kissling (1997), p. 68-69.
- ^ Clot (1992), p. 61.
- ^ Popović (2018), p. 6.
- ^ Küçükdağ (2007), p. 68-69.
- ^ Uslubaş & Keskin (2007), p. 482.
- ^ Triposkoufi & Tsitouri (2002), p. 170.
- ^ Altintop (2021), p. 91.
- ^ Kinross (1977), p. 176.
- ^ Afyoncu (2011), p. 35.
- ^ Sakaoğlu (2012), p. 5.
- ^ Гайворонський (2007), p. 139.
- ^ ا ب ج Гайворонський (2007), p. 166-167.
- ^ Tarver (2016), p. 27.
- ^ ا ب Knecht (1994), p. 247.
- ^ Frieda (2018), p. 193.
- ^ Urzainqui (2013), p. 21.
- ^ Merriman (2007), p. 129.
- ^ Stavrianos (2002), p. 26.
- ^ Rady (2023), p. 110.
- ^ ا ب Nicolle (1988), p. 13.
- ^ Ágoston (2009), p. 388–389.
- ^ Ágoston (2008), p. 24.
- ^ Nolan (2006), p. 602.
- ^ Severy (1987), p. 580.
- ^ Kann (1980), p. 611.
- ^ ا ب Spieralski (1977), p. 124–125.
- ^ Turnbull (2003), p. 50.
- ^ Duffy (1979), p. 201.
- ^ Turnbull (2003), p. 50–51.
- ^ Holmes et al. (2001), p. 953.
- ^ Hammer (1836), p. 145-146.
- ^ Garnier (2008), p. 52.
- ^ Shaw (1976), p. 94.
- ^ Bonney (2012), p. 2.
- ^ Holt et al. (2005), p. 330.
- ^ Cavendish (2006), p. 193.
- ^ ا ب Crowley (2008), p. 58.
- ^ Boubaker (2011), p. 18.
- ^ Courtinat (2003), p. 29.
- ^ Petit (1887), p. 148–156.
- ^ Jenkins (1911), p. 109-125.
- ^ Merriman (1944), p. 184–185.
- ^ Spandouginos (1997), p. 75.
- ^ Setton (1984), p. 421.
- ^ Bousfield (2003), p. 313.
- ^ Perojević (1931), p. 198.
- ^ ا ب ج Garnier (2008), p. 134-135.
- ^ Setton (1984), p. 431.
- ^ Garnier (2008), p. 138.
- ^ Crowley (2008), p. 67–69.
- ^ Partridge (2015), p. 100.
- ^ de Lusinge (1588), p. 167-169.
- ^ Korpás (2022), p. 84-85.
- ^ Fernández Duro (1895), p. 237.
- ^ Fernández Duro (1895), p. 242-243.
- ^ Blackmore (2011), p. 48-49.
- ^ Knecht (1994), p. 385–387.
- ^ ا ب ج Knecht (1994), p. 394-395.
- ^ Knecht (1994), p. 478.
- ^ ا ب ج Garnier (2008), p. 201-202.
- ^ ا ب Wolf (1979), p. 27.
- ^ ا ب Kaddache (2003), p. 385-386.
- ^ Garnier (2008), p. 204ff.
- ^ Lane-Poole (1890), p. 114ff.
- ^ Garcés (2005), p. 24.
- ^ Crowley (2008), p. 73.
- ^ Mattingly (2008), p. 270 .
- ^ Setton (1984), p. 461.
- ^ Setton (1984), p. 470ff.
- ^ Faroqhi (2005), p. 70.
- ^ Goffman (2002), p. 21.
- ^ Harley (2000), p. 245.
- ^ Elgood (1995), p. 38.
- ^ Knecht (1994), p. 493.
- ^ ا ب Fleischer (1989), p. 907-909.
- ^ Şahin (2013), p. 117.
- ^ Fisher (2001), p. 382–383.
- ^ Şahin (2020), p. 143.
- ^ ا ب Şahin (2023), p. 235.
- ^ Şahin (2023), p. 228.
- ^ Şahin (2023), p. 228–229.
- ^ ا ب Atçıl (2016), p. 78–79.
- ^ Erdem (1996), p. 21.
- ^ Scherberger (2014), p. 60.
- ^ Newman (2014), p. 46.
- ^ Guiga (1974), p. 93.
- ^ ا ب Guiga (1974), p. 95-96.
- ^ Abitbol (2014), p. 157.
- ^ Elbl (2013), p. 619.
- ^ ا ب Abun-Nasr (1987), p. 157-158.
- ^ Oğuz (1999), p. 617.
- ^ İskit (1957), p. 940.
- ^ Odabaşi (2015), p. 211.
- ^ ا ب Carr (2009), p. 138.
- ^ Fisher (1959), p. 218.
- ^ Sheikh (2024), p. 104.
- ^ ا ب ج Uzunçarşılı (1983), p. 401.
- ^ Şahin (2023), p. 171.
- مواقع الشابكة
- بالعربيَّة:
- ^ هل كان السلطان سليمان القانوني عاشقاً للنساء وحاول أن يقنن الشريعة؟ 100 سؤال في التاريخ، الحلقة 48. قناة «تاريخنا» (لقاء وثائقي). يوتيوب. 7 تشرين الثاني (نوڤمبر) 2025. مؤرشف من الأصل في 2025-11-28.
{{استشهاد بوسائط مرئية ومسموعة}}: تحقق من التاريخ في:|تاريخ=(مساعدة) - ^ ديزهات عليجو (12 أبريل 2017). "تركيا ترمم تكية " هرباتي بابا" العثمانية في مقدونيا". وكالة الأناضول. مؤرشف من الأصل في 14 ديسمبر 2025. اطلع عليه بتاريخ 14 ديسمبر 2025.
{{استشهاد ويب}}: تحقق من التاريخ في:|تاريخ الوصول=،|تاريخ=، و|تاريخ أرشيف=(مساعدة) - ^ "بناه سليمان القانوني بعد رؤيته للنبي في منامه.. قصة مسجد التكية السليمانية في دمشق!". عربي بوست. 29 أبريل 2022. مؤرشف من الأصل في 14 ديسمبر 2025. اطلع عليه بتاريخ 14 ديسمبر 2025.
{{استشهاد ويب}}: تحقق من التاريخ في:|تاريخ الوصول=،|تاريخ=، و|تاريخ أرشيف=(مساعدة) - ^ عبد الباقي خليفة (3 ذو القعدة 1428هـ - 14 نوفمبر 2007م). "موستار.. مدينة الأسرار في زمن البوح". الشرق الأوسط. ع. 10578. مؤرشف من الأصل في 14 ديسمبر 2025. اطلع عليه بتاريخ 14 ديسمبر 2025.
{{استشهاد بمجلة}}: تحقق من التاريخ في:|تاريخ الوصول=،|تاريخ=، و|تاريخ أرشيف=(مساعدة) - ^ نزار نبيل أبو منشار (18 شوال 1435هـ - 14 أغسطس 2014م). "برك السلطان سليمان القانوني". شبكة الألوكة. مؤرشف من الأصل في 14 ديسمبر 2025. اطلع عليه بتاريخ 14 ديسمبر 2025.
{{استشهاد ويب}}: تحقق من التاريخ في:|تاريخ الوصول=،|تاريخ=، و|تاريخ أرشيف=(مساعدة)
- باللُغات التُركيَّة والأوروپيَّة:
- ^ "Teodosie". Enciclopedia României (بالرومانية). Archived from the original on 2021-07-30. Retrieved 2025-01-19.
- ^ Dănuţ Zuzeac (17 Aug 2016). "Povestea lui Radu de la Afumaţi, domnitorul celor 20 de războaie. A sfârşit măcelărit într-o biserică". adevarul (بالرومانية). Archived from the original on 2025-01-19. Retrieved 2025-01-19.
- ^ Olivieri, Achille (1975). "CAPPELLO, Vincenzo". Dizionario Biografico degli Italiani (بالإيطالية). Istituto dell'Enciclopedia Italiana. Vol. 18. ISBN:9788812000326. Archived from the original on 2025-08-23.
- ^ "Barbarossa Kheir-ed-Din". Corsari del Mediterraneo (بالإيطالية). 1 Sep 2012. Archived from the original on 2025-08-30. Retrieved 2025-08-30.
- ^ "Preveze Deniz Savaşı (1538)". Türk Korsanları (بالتركية). Retrieved 2025-08-30.
- ^ Végh András. "Szentháromság tér – Parish Church of Our Lady (Matthias Church)". Budapest History Museum website (بالإنجليزية). Archived from the original on 2021-04-13. Retrieved 2019-09-02.
- ^ "ŞEHZADE MUSTAFA MERSİYESİ". Şiir Parkı (بالتركية). Archived from the original on 2014-02-20. Retrieved 2025-11-08.
- ^ Grima, Joseph F. (16 Jul 2023). "History: The July 1551 Turkish attack on Gozo". Times of Malta (بالإنجليزية). Archived from the original on 2025-01-01.
- ^ ا ب Şehzade Bayezid. "Süleyman'a sesleniş". Lyrics Translate (بالإنجليزية). Archived from the original on 2025-11-29. Retrieved 2025-11-29.
- ^ Süleyman I (Muhibbi). "Hürrem Sultana Gazel". Lyrics Translate (بالإنجليزية). Archived from the original on 2025-12-08. Retrieved 2025-12-08.
- ^ Fahey, Mike (26 May 2011). "Assassin's Creed: Revelations Reveals Fresh New Details". Kotaku (بالإنجليزية). Gizmodo Media Group. Archived from the original on 2019-05-08. Retrieved 2019-05-08.
- ^ Fowler, Suzanne (20 Mar 2011). "Magnificent Century divides Turkish TV viewers over the life of Süleyman". The Observer (بالإنجليزية). Retrieved 2011-03-20.
ثبت المراجع (مُرتَّبة حسب تاريخ النشر)
- كُتُب ودوريَّات باللُّغة العربيَّة:
- أحمد بن يوسف القرماني (1865)، أخبار الدُّول وآثار الأُول في التَّاريخ (PDF)، بغداد: مطبعة الميرزا عباس التبريزي، OCLC:40611708، QID:Q119792227
- أحمد جودت باشا (قرابة 1890)، تاريخ جودت، ترجمة: عبد القادر الدنا، بيروت: مطبعة جريدة بيروت، ج. 1، QID:Q119850432
{{استشهاد}}: تحقق من التاريخ في:|publication-date=(مساعدة) - إسماعيل سرهنك (قرابة 1895)، حقائق الأخبار عن دُول البحار (ط. 1)، القاهرة: الهيئة العامة لشؤون المطابع الأميرية، ج. 1، QID:Q119269108
{{استشهاد}}: تحقق من التاريخ في:|publication-date=(مساعدة) - إبراهيم بك حليم (1905)، كتاب التُحفة الحليميَّة في تاريخ الدولة العليَّة (PDF) (ط. 1)، القاهرة: مطبعة ديوان عموم الأوقاف، OCLC:4770987464، QID:Q107563203
- جلال يحيى (1959)، التنافس الدولي في شرق إفريقية (ط. 1)، القاهرة: دار المعرفة الجامعية، OCLC:21359481، QID:Q136530431
- قطب الدين النهروالي (1967)، البرق اليماني في الفتح العُثماني (ط. 1)، الرياض: دار اليمامة للبحث والترجمة والنشر، OCLC:1354942651، QID:Q131749392
- شفيق جحا؛ منير البعلبكي؛ بهيج عثمان (1972)، المُصوَّر في التاريخ (ط. 1)، بيروت: دار العلم للملايين، ج. 6، QID:Q119020382
- فيليب حتي (1972)، تاريخ سورية ولُبنان وفلسطين، ترجمة: جورج حداد؛ عبد الكريم رافق، مراجعة: جبرائيل جبور (ط. 3)، بيروت: دار الثقافة، OCLC:891846493، QID:Q127155770
- طاشكبري زاده (1975)، الشقائق النُعمانيَّة في عُلماء الدولة العُثمانيَّة: ويليه العقد المنظوم في ذكر أفاضل الرُّوم، بيروت: دار الكتاب العربي، OCLC:14820694، QID:Q119418883
{{استشهاد}}: صيانة الاستشهاد: ref duplicates default (link) - محمد فريد (1981)، تاريخ الدولة العليَّة العُثمانيَّة، تحقيق: إحسان حقي (ط. 1)، بيروت: دار النفائس، OCLC:14988514، QID:Q113541212
- جلال يحيى (1982). تاريخ العلاقات الدُوليَّة في العُصُور الحديثة. الإسكندرية: دار المعارف. ISBN:977-02-0147-2. OCLC:4770070647. QID:Q132191656.
- ابن إياس (1984)، بدائع الزُهُور في وقائع الدُهُور (PDF)، القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، ج. 5، QID:Q123956503
{{استشهاد}}: صيانة الاستشهاد: ref duplicates default (link) - عبد العزيز الشناوي (1985). أوروبَّا في مطلع العُصُور الحديثة (ط. 5). القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية. ج. 1.
- أحمد زين الدين المليباري (1985)، تُحفةُ المُجاهدين في بعض أخبار البُرتُغاليين (PDF)، تحقيق: محمد سعيد الطريحي (ط. 1)، بيروت: مؤسسة الوفاء، OCLC:928970210، QID:Q118126152
- عمر عبد العزيز عمر (1985)، تاريخ المشرق العربي (1516-1922)، بيروت: دار النهضة العربية، OCLC:15640311، QID:Q125899225
- أحمد عبد الرحيم مصطفى (1986)، في أُصُول التاريخ العُثماني (ط. 2)، القاهرة: دار الشروق، OCLC:4771066482، QID:Q119368991
- نيقولاي إيفانوف (1988)، الفتح العُثماني للأقطار العربيَّة 1516 - 1574، ترجمة: يوسف عطا الله، مراجعة: مسعود ضاهر (ط. 1)، بيروت: دار الفارابي، OCLC:25214737، QID:Q125952959
- ويل ديورانت (1988)، قصَّة الحضارة (PDF)، ترجمة: مجموعة، بيروت: دار الجيل للطبع والنشر والتوزيع، ج. 26، QID:Q114441478
- عزيز سامح التر (1989)، الأتراك العُثمانيون في إفريقيا الشماليَّة، ترجمة: محمود علي عامر (ط. 1)، بيروت: دار النهضة العربية، OCLC:4770679547، QID:Q126925723
- ليلى الصباغ (1989)، الجاليات الأوروبيَّة في بلاد الشَّام في العهد العُثماني في القرنين السادس عشر والسابع عشر (العاشر والحادي عشر الهجريين) (ط. 1)، بيروت: مؤسسة الرسالة، ج. 1، OCLC:27113273، QID:Q126382586
- إميل الخوري؛ عادل إسماعيل (1990)، السياسة الدوليَّة في الشرق العربي: من القرن السادس عشر إلى مؤتمر فينّا سنة 1815 (ط. 1)، بيروت: دار النشر للسياسة والتاريخ، ج. 1، OCLC:25342134، QID:Q134664359
- نوفل نعمة الله نوفل (1990). كشف اللِّثام عن محيا الحُكُومة والأحكام في إقليمي مصر وبرّ الشام. تحقيق ميشال أبي فاضل وجان نخُّول. طرابلس: جروس برس.
- أندري كلو (1991). سليمان القانوني: مُثلٌ من التمازج بين الهويَّة والحداثة. ترجمة: البشير بن سلامة (ط. 1). بيروت: دار الجيل. OCLC:745138583.
- جبران مسعود (1992)، الرائد: معجم لغوي عصري رتبت مفرداته وفقاً لحروفها الأولى (ط. 7)، بيروت: دار العلم للملايين، OCLC:122863932، QID:Q115308810
- بول كولنز (1993). العُثمانيُّون في أورُبَّا. ترجمة: عبد الرحمن عبد الله الشيخ. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب. ISBN:977-01-3231-4. QID:Q119114178.
- عبد الكريم رافق (1993)، العرب والعُثمانيُّون: 1516 - 1916 (ط. 2)، دمشق: د.ن.، OCLC:4770464925، QID:Q119824027
- ابن أبي السرور البكري (1995)، المنح الرحمانيَّة في الدولة العُثمانيَّة: وذيله، اللطائف الربَّانيَّة على المنح الرحمانيَّة، تحقيق: ليلى الصباغ (ط. 1)، دمشق: دار البشائر، OCLC:33598636، QID:Q125850560
- أحمد بن خالد الناصري (1997)، الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى، تحقيق: جعفر الناصري، محمد الناصري، الدار البيضاء: دار الكتاب، ج. 5، OCLC:741098443، QID:Q125545057
- عبد الحميد البطريق؛ عبد العزيز نوار (1997). التاريخ الأوروبي الحديث: من عصر النهضة إلى أواخر القرن الثامن عشر. القاهرة: دار الفكر العربي. ISBN:977-10-0708-4. OCLC:745263427. QID:Q136038938.
- محمد نور الدين (1998)، تُركيَّا الجُمهُوريَّة الحائرة: مُقاربات في الدين والسياسة والعلاقات الخارجيَّة (PDF) (ط. 1)، بيروت: مركز الدراسات الاستراتيجية والبحوث والتوثيق، OCLC:40747903، QID:Q125966864، مؤرشف من الأصل في 2019-12-22
- عدة مؤلفين (1998)، إبراهيم زكي خورشيد؛ عبد الحميد يونس؛ أحمد الشنتناوي (المحررون)، دائرة المعارف الإسلاميَّة، القاهرة: دار الشعب، ج. 6، QID:Q133766461
- حسان حلاق؛ عباس صباغ (1999)، المُعجم الجامع في المُصطلحات الأيوبيَّة والمملوكيَّة والعُثمانيَّة ذات الأُصُول العربيَّة والفارسيَّة والتُركيَّة: المُصطلحات الإداريَّة والعسكريَّة والسياسيَّة والاقتصاديَّة والاجتماعيَّة والعائليَّة (بالعربية والفارسية والتركية العثمانية) (ط. 1)، بيروت: دار العلم للملايين، OCLC:45287094، QID:Q118039384
- أمين توفيق الطيبي (صيف 1999 \ 1420هـ). "المُواجهة العُثمانيَّة - البُرتُغاليَّة في القرن السادس عشر" (PDF). مجلَّة الاجتهاد. دار الاجتهاد. ج. 11 ع. 43. مؤرشف من الأصل (PDF) في 2025-12-23.
{{استشهاد بدورية محكمة}}: تحقق من التاريخ في:|سنة=(مساعدة) - شمس الدين الكيلاني (صيف 1999 \ 1420هـ). "العُثمانيُّون والأوروبيُّون في القرن السادس عشر". مجلَّة الاجتهاد. دار الاجتهاد. ج. 11 ع. 43.
{{استشهاد بدورية محكمة}}: تحقق من التاريخ في:|سنة=(مساعدة) - حسان حلاق (2000)، تاريخ الشُعُوب الإسلاميَّة الحديث والمُعاصر (ط. 1)، بيروت: دار النهضة العربية، OCLC:4770535155، QID:Q119079207
- سهيل صابان (2000). المعجم الموسوعي للمُصطلحات العُثمانيَّة التاريخيَّة (PDF) (بالعربية والتركية العثمانية). الرياض: مكتبة الملك فهد الوطنية. ISBN:9960-00-149-0. OCLC:46695616. OL:13209635M. QID:Q124168574. مؤرشف من الأصل (PDF) في 2020-08-05.
- خير الدين الزركلي (2002)، الأعلام: قاموس تراجم لأشهر الرجال والنساء من العرب والمستعربين والمستشرقين (ط. 15)، بيروت: دار العلم للملايين، ج. 7، OCLC:1127653771، QID:Q113504685
- حسين مجيب المصري (2004). معجم الدولة العثمانية: يحتوي من الأسماء ما تنعقد صلته بالأتراك العثمانيين على امتداد تاريخهم مع الشرح والتأصيل (ط. 1). القاهرة: الدار الثقافية للنشر والتوزيع. ISBN:978-977-339-131-7. OCLC:899575127. OL:19971098M. QID:Q123650690.
- عباس العزاوي (2004)، موسوعة تاريخ العراق بين احتلالين (ط. 1)، بيروت: الدار العربية للموسوعات، ج. 4، OCLC:57301745، QID:Q120097670
- عبد العزيز محمد الشناوي (2004)، الدولة العُثمانيَّة: دولة إسلاميَّة مُفترى عليها، القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية، ج. 2، QID:Q136800942
- هارولد لام (2007)، سُلطان الشرق العظيم سُليمان القانوني: 1529-1566م، ترجمة: شكري محمود نديم، مراجعة: أحمد ناجي القيسي، محمود حسين الأمين (ط. 1)، بيروت: الدار العربية للموسوعات، OCLC:949620560، QID:Q123734851
- أحمد آق كوندوز؛ سعيد أوزتورك (2008). الدولة العُثمانيَّة المجهولة: 303 سُؤال وجواب توضح حقائق غائبة عن الدولة العُثمانيَّة. إسطنبول: وقف البحوث العثمانية. ISBN:978-975-7268-39-0. OCLC:4770841329. QID:Q114411691.
- منير البعلبكي؛ رمزي البعلبكي (2008). المورد الحديث: قاموس إنكليزي عربي (بالعربية والإنجليزية) (ط. 1). بيروت: دار العلم للملايين. ISBN:978-9953-63-541-5. OCLC:405515532. OL:50197876M. QID:Q112315598.
- أحمد منجم باشي (2009)، جامع الدُّول في التَّاريخ: قسم سلاطين آل عُثمان إلى سنة 1083هـ، تحقيق: غسان علي الرمال (ط. 1)، مكة المكرمة: دار الشفق للطباعة والنشر، OCLC:543658290، QID:Q119705199
- محمد سهيل طقوش (2009). تاريخ الدولة الصفويَّة في إيران (ط. 1). بيروت: دار النفائس. ISBN:978-9953-18-474-6. LCCN:2010322823. OCLC:1121277619. OL:24795569M. QID:Q107406680.
- يلماز أوزتونا (2010)، موسوعة تاريخ الإمبراطوريَّة العُثمانيَّة السياسي والعسكري والحضاري: 629 - 1341هـ / 1231 - 1922م، ترجمة: عدنان محمود سلمان (ط. 1)، بيروت: الدار العربية للموسوعات، ج. 1، QID:Q119025953
- محمد دراج (2012). الدُخُول العُثماني إلى الجزائر ودور الإخوة بربروس (1512-1543) (ط. 1). الجزائر العاصمة: شركة الأصالة للنشر والتوزيع. ISBN:978-9961-9963-4-8. LCCN:2012341791. QID:Q136387119.
- محمد سهيل طقوش (2013). تاريخ العُثمانيين من قيام الدولة إلى الانقلاب على الخلافة (ط. 3). بيروت: دار النفائس. ISBN:978-9953-18-443-2. OCLC:1025663587. QID:Q107311111.
- مصطفى أرمغان (2014). التاريخ السرِّي للإمبراطوريَّة العُثمانيَّة: جوانب غير معروفة من حياة سلاطين بني عُثمان. ترجمة: عبد القادر عبد اللي (ط. 1). بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون. ISBN:978-614-01-1122-6. OCLC:913807734. QID:Q119023002.
- بجوي إبراهيم أفندي (2015). التاريخ السياسي والعسكري للدولة العُثمانيَّة: من عهد السُلطان سُليمان القانوني حتَّى عهد السُلطان سليم الثاني. ترجمة: ناصر عبد الرحيم حسين (ط. 1). القاهرة: المركز القومي للترجمة. ج. 1. ISBN:978-977-92-0181-8. QID:Q123996363.
- رشيد فلكاوي؛ مصطفى عبيد (2015). "طرابلس الغرب من الإحتلال الإسباني إلى دخول العثمانيين 1510-1551م". مجلة الآداب والعلوم الإنسانية. كلية الآداب والحضارة الإسلامية جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية. ج. 14 ع. 1. ISSN:2588-2449.
- ابن رقية التلمساني (2017). الزهرة النائرة فيما جرى في الجزائر حين أغارت عليها جُنُود الكفرة (PDF). تحقيق: خير الدين سعيدي (ط. 1). جيجل: أوراق ثقافية للنشر والتوزيع. ISBN:978-9931-310-27-3. OCLC:1183792565. QID:Q136394814.
- لطفي باشا (2018). تواريخ آل عُثمان. ترجمة: محمد عبد العاطي محمد (ط. 1). القاهرة: دار البشير للثقافة والعلوم. ISBN:978-977-278-622-0. OCLC:1201745693. QID:Q126279697.
{{استشهاد بكتاب}}: صيانة الاستشهاد: ref duplicates default (link) - جمال كمال محمود (2019). البحر الأحمر في الاستراتيجيا العُثمانيَّة (1517 - 1801) (ط. 1). بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. ISBN:978-614-445-273-8. OCLC:1120208659. OL:44220539M. QID:Q126280074.
- حمزة عيجولي (2022). "الصراع العثماني الصفوي في عهد الشاه طهماسب الأول 1524-1576". مجلة مدارات تاريخية. مركز المدار المعرفي للأبحاث و الدراسات. ج. 4 ع. 4. ISSN:2716-9057.
- باللُّغة العُثمانيَّة:
- سعد الدين محمد حسن جان التبريزي (١٨٦٣). تاج التواريخ في تاريخ آل عثمان (بالتركية العثمانية). إستانبول: طبعخانۀ عامره. مؤرشف من الأصل في 2025-12-22.
- كُتُب ودوريَّات باللُغات التُركيَّة والأوروپيَّة:
- de Lusinge, René (1588). De la Naissance, durée et cheute des estats, où sont traittees plusieurs notables questions sur l'establissement des Empires et Monarchies (بالفرنسية). Paris: Marc Orry. Archived from the original on 2017-08-13.
{{استشهاد بكتاب}}: صيانة الاستشهاد: ref duplicates default (link) - von Hammer-Purgstall, Joseph (1836). Histoire de l'Empire ottoman (بالفرنسية). Paris: Bellizard, Barthès, Dufour & Lowell. Vol. 5.
- Petit, Edouard (1887). André Doria: un amiral condottiere au XVIe siècle (1466-1560) (بالفرنسية). Quantin. Retrieved 2021-02-16.
- Lane-Poole, Stanley (1890). The Story of the Barbary Corsairs (بالإنجليزية). New York: G. P. PUtnam’s Sons. Archived from the original on 2025-06-05.
{{استشهاد بكتاب}}: صيانة الاستشهاد: ref duplicates default (link) - Fernández Duro, Cesáreo (1895). Armada Española, desde la unión de los reinos de Castilla y Aragón, tomo I (بالإسبانية). Instituto de Historia Naval.
{{استشهاد بكتاب}}: صيانة الاستشهاد: ref duplicates default (link) - Jenkins, Hester Donaldson (1911). Ibrahim Pasha: grand vizir of Suleiman the Magnificent (بالإنجليزية). London: Longmans, Green & co., Agents.
{{استشهاد بكتاب}}: صيانة الاستشهاد: ref duplicates default (link) - Perojević, Marko (1931). Petar Kružić, kapetan i knez grada Klisa (بالكرواتية). Matica hrvatska.
{{استشهاد بكتاب}}: صيانة الاستشهاد: ref duplicates default (link) - Merriman, Roger Bigelow (1944). Suleiman the Magnificent 1520-1566 (بالإنجليزية). Cambridge, Massachusetts: Harvard University Press.
{{استشهاد بكتاب}}: صيانة الاستشهاد: ref duplicates default (link) - İskit, Servet Rıfat (1957). Resemli-haritalı mufassal Osmanlı tarihi (بالتركية). İskit Yayını. Vol. 2. Archived from the original on 2025-12-22.
{{استشهاد بكتاب}}: صيانة الاستشهاد: ref duplicates default (link) - Fisher, Sydney Nettleton (1959). The Middle East: a History (بالإنجليزية) (1st ed.). London: Routledge & Kegan Paul LTD.
{{استشهاد بكتاب}}: صيانة الاستشهاد: ref duplicates default (link) - Barber, Noel (1973). The Sultans (بالإنجليزية). New York: Simon & Schuster. ISBN:0786106824. Archived from the original on 2025-12-22.
- Guiga, Tahar (1974). Dorgouth Rais: le magnifique seigneur de la mer (بالفرنسية). Tunis: Maison tunisienne de l'édition.
{{استشهاد بكتاب}}: صيانة الاستشهاد: ref duplicates default (link) - Shaw, Stanford J. (1976). History of the Ottoman Empire and Modern Turkey (بالإنجليزية). Cambridge University Press. Vol. 1, Empire of the Gazis: The Rise and Decline of the Ottoman Empire 1280-1808. ISBN:9780521212809. Archived from the original on 2020-06-08.
{{استشهاد بكتاب}}: صيانة الاستشهاد: ref duplicates default (link) - Kinross, Lord (1977). The Ottoman Centuries (بالإنجليزية). İstanbul: Sander Kitabevi. ISBN:0688030939. Archived from the original on 21-03- 2022.
{{استشهاد بكتاب}}: تحقق من التاريخ في:|سنة=and|تاريخ أرشيف=(help) - Spieralski, Zdzisław (1977). Jan Tarnowski: 1488-1561 (بالبولندية). Warszawa: Min. Obrony Narodowej. Archived from the original on 2025-12-23.
{{استشهاد بكتاب}}: صيانة الاستشهاد: ref duplicates default (link) - Duffy, Christopher (1979). Siege warfare:the fortress in the early modern world, 1494-1660 (بالإنجليزية) (1st ed.). London: Routledge & Kegan Paul. ISBN:071008871X.
{{استشهاد بكتاب}}: صيانة الاستشهاد: ref duplicates default (link) - Wolf, John Baptiste (1979). The Barbary Coast: Algiers under the Turks, 1500 to 1830 (بالإنجليزية). New York, NY: Norton. ISBN:978-0-393-01205-7. OCLC:4805123.
{{استشهاد بكتاب}}: صيانة الاستشهاد: ref duplicates default (link) - Kann, Robert A. (1980). A History of the Habsburg Empire, 1526–1918 (بالإنجليزية). University of California Press. ISBN:9780520042063. Archived from the original on 2023-04-15.
- Uzunçarşılı, İsmail Hakkı (1983). Osmanlı Tarihi (بالتركية). Ankara: Türk Tarih Kurumu Yayınları. Vol. II. ISBN:975160012X.
{{استشهاد بكتاب}}: تحقق من التاريخ في:|سنة=(help) - Setton, Kenneth Meyer (1984). The Papacy and the Levant, 1204–1571: The Sixteenth Century, Vol. III (بالإنجليزية). Philadelphia: The American Philosophical Society. ISBN:0871691612.
{{استشهاد بكتاب}}: صيانة الاستشهاد: ref duplicates default (link) - Abun-Nasr, Jamil M. (1987). A history of the Maghrib in the Islamic period (بالإنجليزية) (1st ed.). Cambridge University Press. ISBN:0521337674. Archived from the original on 2025-12-23.
{{استشهاد بكتاب}}: صيانة الاستشهاد: ref duplicates default (link) - Atıl, Esin (Jul–Aug 1987). "The Golden Age of Ottoman Art". Saudi Aramco World (بالإنجليزية). Houston, Texas: Aramco Services Co. Vol. 38, no. 4. ISSN:1530-5821. Archived from the original on 2011-07-06. Retrieved 2007-04-18.
{{استشهاد بمجلة}}: صيانة الاستشهاد: ref duplicates default (link) - Severy, Merle (Nov 1987). "The World of Süleyman the Magnificent". National Geographic (بالإنجليزية). Washington, D.C.: National Geographic Society. 172 (5). ISSN:0027-9358.
{{استشهاد بدورية محكمة}}: صيانة الاستشهاد: ref duplicates default (link) - Nicolle, David (1988). Hungary and the Fall of Eastern Europe 1000–1568 (بالإنجليزية). Osprey Publishing Ltd. ISBN:0850458331. Archived from the original on 2025-12-22.
{{استشهاد بكتاب}}: صيانة الاستشهاد: ref duplicates default (link) - Fleischer, C. (15 Dec 1989). "ALQĀS MĪRZA". Encyclopedia Iranica (بالإنجليزية). Bibliotheca Persica Press. Vol. I. Archived from the original on 2025-10-19.
{{استشهاد بموسوعة}}: صيانة الاستشهاد: ref duplicates default (link) - Clot, André (1992). Suleiman the Magnificent : The Man, His Life, His Epoch (بالإنجليزية). London: Saqi Books. ISBN:9780863561269. Archived from the original on 2025-12-23.
{{استشهاد بكتاب}}: صيانة الاستشهاد: ref duplicates default (link) - Fisher, Alan (1993). "The Life and Family of Süleymân I". In Halil İnalcık; Cemal Kafadar (eds.). Süleymân The Second [i.e. the First] and His Time (بالإنجليزية). Istanbul: Isis Press. ISBN:9754280525.
{{استشهاد بكتاب}}: صيانة الاستشهاد: ref duplicates default (link) - Lowry, Heath (1993). "Süleymân's Formative Years in the City of Trabzon: Their Impact on the Future Sultan and the City". In Halil İnalcık; Cemal Kafadar (eds.). Süleyman the Second [i.e. the First] and His Time (بالإنجليزية). Istanbul: The Isis Press. ISBN:9754280525.
{{استشهاد بكتاب}}: صيانة الاستشهاد: ref duplicates default (link) - Knecht, Robert J. (1994). Renaissance Warrior and Patron: The Reign of Francis I (بالإنجليزية). Cambridge: Cambridge University Press. ISBN:978-0-521-57885-1.
{{استشهاد بكتاب}}: صيانة الاستشهاد: ref duplicates default (link) - Elgood, Robert (1995). Firearms of the Islamic World: In the Tared Rajab Museum, Kuwait (بالإنجليزية). ISBN:9781850439639. Archived from the original on 2023-02-13. Retrieved 2016-12-01.
- Erdem, Y. (1996). Slavery in the Ottoman Empire and its Demise 1800-1909 (بالإنجليزية). Palgrave Macmillan UK. ISBN:978-0-230-37297-9. Archived from the original on 2022-09-27.
{{استشهاد بكتاب}}: صيانة الاستشهاد: ref duplicates default (link) - Spandouginos, Theodōros (1997). On the Origin of the Ottoman Emperors (بالإنجليزية). Cambridge: Cambridge University Press. ISBN:9780521585101.
{{استشهاد بكتاب}}: صيانة الاستشهاد: ref duplicates default (link) - Spuler, Bertold; Bagley, F. R. C.; Kissling, H. J. (1997). The Last Great Muslim Empires (بالإنجليزية). Leiden: Brill. ISBN:9004021043. Archived from the original on 2025-12-23.
- Mansel, Philip (1998). Constantinople: City of the World's Desire, 1453–1924 (بالإنجليزية). New York: St. Martin's Griffin. ISBN:0312187084.
{{استشهاد بكتاب}}: صيانة الاستشهاد: ref duplicates default (link) - Oğuz, Cem (1999). Osmanlı: Teşkilat (بالتركية). Ankara: Yeni Türkiye Yayınları. Vol. 6. Archived from the original on 2025-12-22.
{{استشهاد بكتاب}}: صيانة الاستشهاد: ref duplicates default (link) - Harley, John Brian (2000). Cartography in the Traditional Islamic and South Asian Societies (بالإنجليزية). University of Chicago Press. ISBN:9780226316352. Archived from the original on 2023-02-08. Retrieved 2016-12-02.
- Fisher, William Bayne (2001) [1986]. The Cambridge history of Iran (بالإنجليزية) (Reprinted ed.). Cambridge University Press. Vol. 6. ISBN:0521200946. Archived from the original on 2025-12-24.
{{استشهاد بكتاب}}: صيانة الاستشهاد: ref duplicates default (link) - Holmes, Richard; Strachan, Hew; Bellamy, Chris; Bicheno, Hugh; Strachan, Hew (2001). The Oxford Companion to Military History (بالإنجليزية). Oxford: Oxford University Press. ISBN:978-0-19-866209-9. Archived from the original on 2025-08-21.
- Goffman, Daniel (2002). The Ottoman Empire and Early Modern Europe (بالإنجليزية). Cambridge University Press. Retrieved 2016-12-02 – via Internet Arachive.
- Anna Triposkoufi, Amalia Tsitouri, ed. (2002). Venetians and Knights Hospitallers Military Architecture Networks (بالإنجليزية). Hellenic Ministry of Culture. ISBN:9789602145357. Archived from the original on 2023-10-30.
- Stavrianos, Leften Stavros (2002). Balkans Since 1453 (بالإنجليزية) (3rd ed.). New York: New York University Press. ISBN:0814797652.
{{استشهاد بكتاب}}: صيانة الاستشهاد: ref duplicates default (link) - Bousfield, Jonathan (2003). The Rough Guide to Croatia (بالإنجليزية). London: Rough Guides. ISBN:9781843530848.
{{استشهاد بكتاب}}: صيانة الاستشهاد: ref duplicates default (link) - Courtinat, Roland (2003). La piraterie barbaresque en Méditerranée: XVI-XIXe siècle (بالفرنسية). SERRE EDITEUR. ISBN:978-2-906431-65-2. Archived from the original on 2025-12-22. Retrieved 2021-02-16.
- Kaddache, Mahfoud (2003). L'Algérie des Algériens de la préhistoire à 1954 (بالفرنسية). Paris: Paris-Méditerranée. ISBN:978-2-84272-166-4. OCLC:52106453. Archived from the original on 2024-12-02.
{{استشهاد بكتاب}}: صيانة الاستشهاد: ref duplicates default (link) - Turnbull, Stephen (2003). The Ottoman Empire: 1326–1699 (بالإنجليزية). Osprey Publishing. ISBN:1-84176-569-4.
{{استشهاد بكتاب}}: صيانة الاستشهاد: ref duplicates default (link) - Tüzün, Güler (2004). "Muhteşem Süleyman". Tarihte Olağanüstü Kişiler (بالتركية). Ana Yayıncılık. ISBN:9757760838.
{{استشهاد بكتاب}}: صيانة الاستشهاد: ref duplicates default (link) - Faroqhi, Suraiya (2005). Subjects of the Sultan: Culture and Daily Life in the Ottoman Empire (بالإنجليزية). I.B. Tauris. ISBN:9781850437604. Archived from the original on 2025-01-24. Retrieved 2016-12-02.
- Garcés, María Antonia (2005). Cervantes in Algiers: A Captive's Tale (بالإنجليزية) (illustrated, revised ed.). Vanderbilt University Press. ISBN:0826514707. Archived from the original on 2023-06-15. Retrieved 2015-11-17.
{{استشهاد بكتاب}}: صيانة الاستشهاد: ref duplicates default (link) - Peter Malcolm Holt; Ann K. S. Lambton; Bernard Lewis, eds. (2005) [1970]. The Cambridge history of Islam (PDF) (بالإنجليزية). Cambridge University Press. Vol. 1A. ISBN:0521291356. Archived from the original (PDF) on 2024-12-08.
- World and Its Peoples: The Middle East, Western Asia, and Northern Africa (بالإنجليزية). London: Marshall Cavendish. 2006. ISBN:0761475710.
- Nolan, Cathal J. (2006). The Age of Wars of Religion, 1000–1650: An Encyclopedia of Global Warfare and Civilization (بالإنجليزية) (1st ed.). Greenwood Press. Vol. 2. ISBN:0313337349.
{{استشهاد بكتاب}}: صيانة الاستشهاد: ref duplicates default (link) - Гайворонський, Олекса (2007). Повелители двух материков: Крымские ханы XV-XVI столетий и борьба за наследство Великой Орды (بالروسية). Майстерня книги. Vol. 1. ISBN:9789669691712.
{{استشهاد بكتاب}}: صيانة الاستشهاد: ref duplicates default (link) - Küçükdağ, Yusuf (2007). "PÎRÎ MEHMED PAŞA" (PDF). TDV İslâm Ansiklopedisi (بالتركية). Türkiye Diyanet Vakfi. Vol. 34. Archived from the original (PDF) on 2025-01-06.
{{استشهاد بموسوعة}}: صيانة الاستشهاد: ref duplicates default (link) - Merriman, Roger Bigelow (4 Mar 2007). Suleiman the Magnificent 1520-1566 (بالإنجليزية). Read Books. ISBN:9781406772722. Archived from the original on 2023-06-30.
{{استشهاد بكتاب}}: صيانة الاستشهاد: ref duplicates default (link) - Uslubaş, Tolga; Keskin, Yılmaz (2007). Alfabetik Osmanlı tarihi ansiklopedisi (بالتركية). Karma Kitaplar. ISBN:9789944321501. Archived from the original on 2023-10-30.
- Ágoston, Gábor (2008), Guns for the Sultan: Military Power and the Weapons Industry in the Ottoman Empire (بالإنجليزية), Cambridge: Cambridge University Press, ISBN:978-0521603911, Archived from the original on 2023-12-05
{{استشهاد}}: صيانة الاستشهاد: ref duplicates default (link) - Crowley, Roger (2008). Empires of the Sea: The Final Battle for the Mediterranean, 1521-1580 (بالإنجليزية). Faber & Faber. ISBN:9780571232307. Archived from the original on 2025-12-23.
{{استشهاد بكتاب}}: صيانة الاستشهاد: ref duplicates default (link) - Garnier, Edith (2008). L'alliance impie: François Ier et Soliman le Magnifique contre Charles Quint (1529-1547) (بالفرنسية). Paris: Editions du Félin. ISBN:9782866456788.
{{استشهاد بكتاب}}: صيانة الاستشهاد: ref duplicates default (link) - Mattingly, Garrett (2008) [1955]. Renaissance Diplomacy (بالإنجليزية). New York: Cosimo, Inc. ISBN:9781605204703. Archived from the original on 2021-10-31.
{{استشهاد بكتاب}}: صيانة الاستشهاد: ref duplicates default (link) - Tüzün, Güler (2008). "Kanuni". Britannica Bilgi Hazinesi (بالتركية). İstanbul: Sabah. ISBN:9757930326.
{{استشهاد بكتاب}}: صيانة الاستشهاد: ref duplicates default (link) - Ágoston, Gábor (2009). "Süleyman I". In Masters, Bruce (ed.). Encyclopedia of the Ottoman Empire (بالإنجليزية). Infobase Publishing. ISBN:9781438110257. Archived from the original on 2025-01-23.
{{استشهاد بموسوعة}}: صيانة الاستشهاد: ref duplicates default (link) - Carr, Matthew (2009). Blood and Faith: The Purging of Muslim Spain (بالإنجليزية). New York: The New Press. ISBN:9781595583611.
{{استشهاد بكتاب}}: صيانة الاستشهاد: ref duplicates default (link) - Newman, Andrew J (2009). Safavid Iran: Rebirth of a Persian Empire (بالإنجليزية) (paperback ed.). New York: I.B.Tauris. ISBN:9780857716613.
{{استشهاد بكتاب}}: صيانة الاستشهاد: ref duplicates default (link) - Özdamarlar, Metin (2009). "Kanuni Sultan Süleyman". Zirvede Tek Başına (بالتركية). İstanbul: Timaş Yayıncılık. ISBN:9789752638877.
{{استشهاد بكتاب}}: صيانة الاستشهاد: ref duplicates default (link) - Afyoncu, Erhan (2011). Muhteşem Süleyman (بالتركية). İstanbul: Yeditepe Yayınevi. ISBN:9786054052554. Archived from the original on 2025-12-22.
- Blackmore, David S.T. (2011). Warfare on the Mediterranean in the Age of Sail: A History, 1571–1866 (بالإنجليزية). Jefferson, North Carolina: McFarland. ISBN:9780786457847. Archived from the original on 2025-12-22.
{{استشهاد بكتاب}}: صيانة الاستشهاد: ref duplicates default (link) - Boubaker, Sadok (2011). L'empereur Charles Quint et le sultan hafside Mawlāy al-Ḥasan in: Empreintes espagnoles dans l'histoire tunisienne (بالفرنسية). Gijón: Ediciones Trea SL. ISBN:9788497046121. Archived from the original on 2024-07-22. Retrieved 2021-02-14.
{{استشهاد بكتاب}}: صيانة الاستشهاد: ref duplicates default (link) - Bonney, Richard (2012). "Suleiman I ("the Magnificent")(1494–1566)" (PDF). The Encyclopedia of War (بالإنجليزية) (1st ed.). John Wiley & Sons. ISBN:9781405190374. Archived from the original (PDF) on 2024-11-19.
{{استشهاد بموسوعة}}: صيانة الاستشهاد: ref duplicates default (link) - Sakaoğlu, Necdet (Aralık 2012). "Kanunî 10 yılını seferlerde 36 yılını sarayda geçirdi". NTV Tarih (بالتركية). İstanbul: Doğuş Yayın Grubu. No. 47. ISSN:1308-7878.
{{استشهاد بمجلة}}: تحقق من التاريخ في:|تاريخ=(help) - Elbl, Martin (2013). Portuguese Tangier (1471-1662): Colonial Urban Fabric as Cross-Cultural Skeleton (بالإنجليزية). Baywolf Press / Éditions Baywolf. ISBN:978-0-921437-50-5. Archived from the original on 2023-07-08.
{{استشهاد بكتاب}}: صيانة الاستشهاد: ref duplicates default (link) - Şahin, Kaya (2013). Empire and Power in the Reign of Süleyman: Narrating the Sixteenth-Century Ottoman World (بالإنجليزية). Cambridge: Cambridge University Press. ISBN:978-1107034426. Archived from the original on 2023-07-30.
{{استشهاد بكتاب}}: صيانة الاستشهاد: ref duplicates default (link) - Urzainqui, Tomas (2013). La conquista de Navarra y la reforma europea (بالإسبانية). Navarra: Pamplona-Iruña Pamiela imp. ISBN:978-84-7681-803-9.
{{استشهاد بكتاب}}: صيانة الاستشهاد: ref duplicates default (link) - Abitbol, M. (2014). Histoire du Maroc. Tempus (بالفرنسية). Place des éditeurs. ISBN:978-2-262-03816-8. Archived from the original on 2023-07-07.
{{استشهاد بكتاب}}: صيانة الاستشهاد: ref duplicates default (link) - Öztuna, Yılmaz (2014). Kanuni Sultan Süleyman (بالتركية). İstanbul: Ötüken Neşriyat A.Ş. ISBN:9786051552361. Archived from the original on 2025-12-23.
{{استشهاد بكتاب}}: صيانة الاستشهاد: ref duplicates default (link) - Scherberger, Max (2014). "The Sunna and Shi'a in History: Division and Ecumenism in the Muslim Middle East". In Bengio, Ofra; Litvak, Meir (eds.). The Confrontation between Sunni and Shi´i Empires (بالإنجليزية). Springer. ISBN:978-1-137-49506-8.
{{استشهاد بكتاب}}: صيانة الاستشهاد: ref duplicates default (link) - Odabaşi, Necmi (1 Aralık 2015). "YUNAN ZIRHLISI AVEROF'UN OSMANLI DONANMASI VE EKONOMİSİ ÜZERİNDEKİ ETKİLERİ". Uludağ Üniversitesi Fen-Edebiyat Fakültesi Sosyal Bilimler Dergisi (بالتركية). Uludağ Üniversitesi Fen-Edebiyat Fakültesi. 16 (29). DOI:10.21550/sosbilder.269509. ISSN:1302-2423. Archived from the original on 2022-10-23.
{{استشهاد بدورية محكمة}}: تحقق من التاريخ في:|سنة=,|تاريخ=, and|سنة=/|تاريخ=mismatch (help) - Partridge, Loren (2015). Art of Renaissance Venice, 1400–1600 (بالإنجليزية). Univ of California Press. ISBN:9780520281790. Archived from the original on 2024-04-18.
{{استشهاد بكتاب}}: صيانة الاستشهاد: ref duplicates default (link) - Atçıl, Zahit (27 Jul 2016). "Why Did Süleyman the Magnificent Execute His Son Şehzade Mustafa in 1553?". Osmanlı Araştırmaları (بالإنجليزية). Osmanli Arastirmalari: 67–103. DOI:10.18589/oa.586488. ISSN:0255-0636. Archived from the original on 2024-09-04.
{{استشهاد بدورية محكمة}}: صيانة الاستشهاد: ref duplicates default (link) - Tarver, H. Micheal, ed. (2016). The Spanish Empire: A Historical Encyclopedia. Empires of the World (بالإنجليزية). Santa Barbara, California; Denver, Colorado: ABC-CLIO. Vol. 1. ISBN:978-16106-9-422-3. Archived from the original on 2025-10-21.
{{استشهاد بكتاب}}: صيانة الاستشهاد: ref duplicates default (link) - Frieda, Leonie (2018). Francis I: The Maker of Modern France (بالإنجليزية). London: Orion. ISBN:978-14746-0-558-8. Archived from the original on 2023-08-28.
{{استشهاد بكتاب}}: صيانة الاستشهاد: ref duplicates default (link) - Popović, Marko (2018). "Siege of Belgrade in 1521 and restoration of fortifications after conquest". Belgrade: 1521-1867 (بالإنجليزية). Belgrade: The Institute of History.
{{استشهاد بكتاب}}: صيانة الاستشهاد: ref duplicates default (link) - Şahin, K. (2020). "Mustafa Çelebi", in: Encyclopaedia of Islam, 3, Edited by: Kate Fleet, Gudrun Krämer, Denis Matringe, John Nawas, Devin J. Stewart (بالإنجليزية). DOI:10.1163/1573-3912_ei3_com_40252.
{{استشهاد بكتاب}}: صيانة الاستشهاد: ref duplicates default (link) - Altintop, Fatih (2021). Türklerin Tarihi (بالإنجليزية). Fatih altıntop. Archived from the original on 2023-10-30.
- Korpás, Zoltán (2022). "History is Written by Victorious Battles: Glorious Lepanto (1571) and Forgotten Preveza (1538)". Turkish Journal of History (بالإنجليزية). İstanbul University Press (76). DOI:10.26650/iutd.202204. ISSN:2619-9505.
{{استشهاد بدورية محكمة}}: صيانة الاستشهاد: ref duplicates default (link) - Rady, Martyn (2023). The Habsburgs: To Rule the World' (بالإنجليزية). Moscow: Альпина нон-Фикшн. ISBN:978-5-00139-266-8.
{{استشهاد بكتاب}}: صيانة الاستشهاد: ref duplicates default (link) - Şahin, K. (2023). Peerless Among Princes: The Life and Times of Sultan Süleyman (بالإنجليزية). Oxford University Press. ISBN:978-0-19-753163-1.
{{استشهاد بكتاب}}: صيانة الاستشهاد: ref duplicates default (link) - Shaikh, Shahbaz (2024). The Roots of Palestine and the Colonial Imposition. Palestine - Resistance, Resilience, and Genocide (بالإنجليزية) (1st ed.). ISBN:9798230788768. Archived from the original on 2025-12-23.
{{استشهاد بكتاب}}: صيانة الاستشهاد: ref duplicates default (link)
وصلات خارجية
- "سليمان القانوني .. وحريم السلطان: خواطر دعوية". إسلام ويب. 19 كانون الثاني (يناير) 2016. مؤرشف من الأصل في 14 كانون الأول (ديسمبر) 2025. اطلع عليه بتاريخ 14 كانون الأول (ديسمبر) 2025.
{{استشهاد ويب}}: تحقق من التاريخ في:|تاريخ الوصول=،|التاريخ=، و|تاريخ الأرشيف=(مساعدة) - خالد محفوض (24 تمُّوز [يوليو] 2019). "سليمان القانوني.. لماذا دخلت الدولة بموته عصر الانحدار؟". مدونات الجزيرة. مؤرشف من الأصل في 14 كانون الأول (ديسمبر) 2025. اطلع عليه بتاريخ 14 كانون الأول (ديسمبر) 2025.
{{استشهاد ويب}}: تحقق من التاريخ في:|تاريخ الوصول=،|التاريخ=، و|تاريخ الأرشيف=(مساعدة) - إحسان الفقيه (17 أيار [مايو] 2022). "سليمان القانوني.. ألقابٌ السلطان ودلالاتها (إضاءات عثمانية): سر الألقاب التي حملها السلطان العثماني في مصر وفقًا للسياق التاريخي". وكالة الأناضول. مؤرشف من الأصل في 14 كانون الأول (ديسمبر) 2025. اطلع عليه بتاريخ 14 كانون الأول (ديسمبر) 2025.
{{استشهاد ويب}}: تحقق من التاريخ في:|تاريخ الوصول=،|التاريخ=، و|تاريخ الأرشيف=(مساعدة) - هل كانت إيران وراء قتل سليمان القانوني لأولاده وحفدته؟ قناة الدكتور راغب السرجاني على يوتيوب.
سليمان القانوني ولد: 6 تشرين الثاني (نوڤمبر) 1494 توفي: 6 أيلول (سپتمبر) 1566م
| ||
| ألقاب ملكية | ||
|---|---|---|
| سبقه سليم الأوَّل |
سُلطان الدولة العُثمانيَّة
22 أيلول (سپتمبر) 1520 – ق. 6 أيلول (سپتمبر) 1566 |
تبعه سليم الثاني |
| ألقاب سُنيَّة | ||
| سبقه سليم الأوَّل |
أمير المُؤمنين
22 أيلول (سپتمبر) 1520 – ق. 6 أيلول (سپتمبر) 1566 |
تبعه سليم الثاني |
| ألقاب ادعائيَّة بِالأحقيَّة | ||
| سبقه سليم الأوَّل |
قيصر الرُّوم
22 أيلول (سپتمبر) 1520 – 6 أيلول (سپتمبر) 1566 |
سليم الثاني |



